إيطاليا ومأزق تشكيل الحكومة

عبد العزيز محمود –
في ظل حالة واضحة من الانقسام كان لابد أن تفشل الجولة الثانية من مشاورات تشكيل الحكومة الإيطالية الجديدة، ولم يعد أمام الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا إلا إجراء مزيد من المشاورات مع قادة الأحزاب والكتل السياسية قبل انطلاق الجولة الثالثة من المداولات على أمل تشكيل الحكومة الإيطالية الـ٦٥ منذ الحرب العالمية الثانية.

فإيطاليا – وباعتراف الرئيس ماتاريلا – بحاجة إلى حكومة جديدة في أسرع وقت ممكن، لمواجهة تحديات الداخل وفي مقدمتها الديون والانكماش الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والهجرة غير الشرعية، وتحديات الخارج في مقدمتها تناقضات التجارة الدولية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين.
لكن تشكيل الحكومة الإيطالية مهمة ليست سهلة، بسبب الخلافات الحادة بين الكتل السياسية الفائزة في انتخابات الرابع من مارس الماضي، والتي فشل كل منها في تحقيق الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
كما أن محاولات تشكيل ائتلاف حكومي بين أكبر كتلتين فائزتين في الانتخابات وهما تحالف يمين الوسط برئاسة ماتيو سالفيني وحركة الخمس نجوم برئاسة «لويجي دي مايو» وصلت إلى طريق مسدود بسبب الخلاف حول تشكيلة الحكومة ومن يتولى رئاستها.
فقد طالب يمين الوسط بأن يتولى «سالفيني» رئاسة الحكومة باعتباره زعيم التحالف الحاصل علي أكبر عدد من المقاعد، بينما طالبت الخمس نجوم بالمنصب لزعيمها «دي مايو»، بوصفه رئيس الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد. ولم تكن هذه هي نقطة الخلاف الوحيدة، فقد طالبت «الخمس نجوم» باستبعاد «سيلفيو برلسكوني» رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب فورزا إيطاليا (إيطاليا إلي الأمام) من الحكومة الجديدة، لإدانته في عام ٢٠٠٣ في قضية تحايل ضريبي. وهو مطلب لم يكن بوسع سالفيني قبوله، خاصة وأن برلسكوني شريكه في تحالف يمين الوسط، وكان يتولى قيادته قبله، وهما متفقان معا على تعزيز قيادة يمين الوسط لإيطاليا. وهكذا فشلت المشاورات بين يمين الوسط و«الخمس نجوم» حول تشكيل ائتلاف حكومي، رغم توافقهما على إصلاح معاهدات الاتحاد الأوروبي ونظام التقاعد والتصدي للهجرة غير الشرعية.
ومن جانبه اتهم «سالفيني» «حركة الخمس نجوم» بالمسؤولية عن فشل المشاورات بسبب ما وصفه برغبتها في قيادة الحكومة الجديدة، وهو ما لم تنفه الحركة التي تسعى بالفعل إلى تشكيل ائتلاف مع الحزب الديمقراطي الذي يقود تحالف يسار الوسط، بعد إعلان يمين الوسط عدم رغبته في التحالف معه.
المشكلة أن الحزب الديمقراطي الذي يعد الخاسر الأكبر في انتخابات الرابع من مارس الماضي، بعد أن حصل فيها على أقل من ٢٣٪، لا يمكنه اتخاذ قرار في هذا الصدد في ظل خلافات داخلية بين جناح يطالب بالبقاء في المعارضة، وجناح يطالب بالحوار مع «الخمس نجوم»، لمنع يمين الوسط من تشكيل الحكومة الجديدة. وهي خلافات من المرجح أن تستمر حتى ينتخب الحزب في ٢١ أبريل الجاري زعيما جديدا خلفا لزعيمه «ماتيو رينزي» الذي استقال من منصبه كرئيس للحزب.
وفي هذا الجو الملتهب التقى الرئيس الإيطالي «سيرجيو ماتاريلا» مع رئيسي مجلسي النواب والشيوخ لحثهما على التدخل من أجل التوصل إلى حل، حتى لا تظل إيطاليا لفترة طويلة بدون حكومة جديدة، وهو ما يعني استمرار حكومة «جينتيلوني باولو» في أداء عملها كحكومة تسيير أعمال.
المأزق السياسي الذي تعيشه إيطاليا حاليا هو محصلة للنتيجة غير الحاسمة التي أسفرت عنها انتخابات الرابع من مارس الماضي، وبموجبها تشكل برلمان معلق يفتقر إلى أغلبية حاسمة سواء في مجلس النواب (٦٣٠ عضوا) أو مجلس الشيوخ (٣١٥ عضوا).
هذه الانتخابات أسفرت عن فوز تحالف يمين الوسط بقيادة «ماتيو سالفيني» بالمركز الأول (٣٧٪)، وهو تحالف يضم حزب ليجا نورد (رابطة الشمال)، وفورزا إيطاليا (إيطاليا إلى الأمام)، وفراتيللي دي إيطاليا (أخوة إيطاليا)، ونوي كون إيطاليا (نحن مع إيطاليا).
وجاءت حركة «الخمس نجوم» الشعبوية بزعامة «لويجي دي مايو» في المركز الثاني (7.32٪)، بينما حصل تحالف يسار الوسط بزعامة رئيس الوزراء الأسبق ماتيو رينزي على المركز الثالث (٢٣٪)، وهو تحالف يضم بارتيتو ديموكراتيكو (الحزب الديمقراطي)، وبيو أوروبا (المزيد من أوروبا)، وانسيمي (معا)، وسيفيكا بوبولارا (قائمة سيفيك الشعبوية).
وبهذه النتيجة لم يتمكن أي حزب من الفوز بالأغلبية التي تؤهله منفردا لتشكيل الحكومة، التي تتطلع إليها إيطاليا لمعالجة وضع اقتصادي متصدع، في ظل انكماش بلغ ٧.٢٪ بين عامي ٢٠٠١ و٢٠١٧، وبطالة تتراوح ما بين ٦٪ في الشمال و١٨٪ في الجنوب، وديون تتجاوز ١٣٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في الوقت الذي يعيش ٤.٧ مليون إيطالي في حالة فقر مدقع.
ومن الواضح أن المأزق السياسي الذي تعيشه إيطاليا لن ينتهي إلا بأحد السيناريوهات التالية:
أولها أن يتمكن تحالف يمين الوسط من تشكيل ائتلاف حكومي برئاسة «ماتيو سالفيني»، مع حركة «الخمس نجوم»، بشرط توافقهما على شخصية رئيس الوزراء ومشاركة «برلسكوني»، أو أن يتجه يمين الوسط للائتلاف مع الحزب الديمقراطي.
وثانيها أن تشكل حركة «الخمس نجوم» حكومة ائتلافية برئاسة «لويجي دي مايو»، مع الحزب الديمقراطي، مع التسليم بأن هذه الحكومة سوف تكون بمثابة هاجس للاتحاد الأوروبي بسبب توجهات الحركة الشعبوية.
وثالثها أن يدعو الرئيس الإيطالي «سيرجيو ماتاريلا» لتشكيل حكومة وحدة وطنية من ائتلاف أوسع يضم معظم أو كل الأحزاب الرئيسية في البرلمان، على أن يتولى قيادتها شخصية تحظى بالتوافق، وفي حالة الفشل في تحقيق ذلك لن يكون أمام الرئيس إلا أن يدعو لإجراء انتخابات جديدة، قد يصعب التنبؤ بنتائجها.
وهكذا وفي ظل حالة عامة من عدم التوافق تبدو مهمة تشكيل الحكومة الإيطالية الجديدة صعبة ومعقدة، وسواء انتهت الأزمة بتشكيل حكومة أو الدعوة لانتخابات جديدة، فمن الواضح أن إيطاليا سوف تظل شبه مشلولة ومنقسمة لفترة أخرى قادمة.