الأهلية في التعاقد

د. عبدالقادر ورسمة غالب –
العقد شريعة المتعاقدين قاعدة قانونية مهمة ومبدأ أساسي في القانون، ويشير المعنى إلى أن الشروط المضمنة في العقد المبرم تعتبر قانونًا يسري بين الطرفين، وينطوي على أن عدم الوفاء بالالتزامات يعد خرقًا للقانون ولهذا الخرق تبعات عديدة. وللضرورة، يوميا يقوم كل شخص منا بالدخول في العديد من العقود الصريحة أو الضمنية. ولهذا، قام القانون بوضع العديد من الأحكام القانونية لتنظيم وتقنين العلاقة التعاقدية بيننا جميعا وذلك حتى تستقر الأمور وتسير في مسار قانوني سليم يحمي الجميع بدون فرز أو تمييز.

ومن أهم الأحكام القانونية، أن كل شخص أهل للتعاقد الذي يرغب في إبرامه أي يتمتع بالأهلية اللازمة للتعاقد، وذلك ما لم تسلب أهليته أو ينقص منها بحكم القانون. وفي مثل هذه الحالات فإن الشخص يصبح غير مؤهل للتعاقد؛ لأنه أصبح فاقدا للأهلية القانونية التي تمكنه من التعاقد مع الآخرين. والأهلية القانونية للتعاقد تتمثل بصفة أساسية في بلوغ سن الرشد وسلامة العقل عند التعاقد.
وانطلاقا من هذا ووفقا للأحكام القانونية الجوهرية التي تنص علي بلوغ سن الرشد، فليس للصغير غير المميز حق التصرف في ماله وتكون جميع تصرفاته باطلة. وكل من لم يكمل السابعة من عمره يعتبر غير مميز، يعتبر الصغير مميزا من سن التمييز إلى بلوغه سن الرشد.
والشخص المميز تكون تصرفاته المالية صحيحة متى كانت نافعة نفعا محضا “عقود الضرورة”، وباطلة متى كانت ضارة ضررا محضا. أما التصرفات المالية الدائرة بين النفع والضرر فتكون قابلة للإبطال لمصلحة القاصر، ويزول حق التمسك بالإبطال إذا أجاز القاصر التصرف بعد بلوغه سن الرشد، أو إذا صدرت الإجازة من وليه أو من وصيه أو من مجلس الولاية على أموال القاصرين، أو من في حكمهم بحسب الأحوال وفقا للقانون.
ويجوز لناقص الأهلية أن يطلب إبطال العقد ولو كان قد ادعى توافر الأهلية لديه، على أنه إذا لجأ إلى طرق احتيالية لإخفاء نقص أهليته يكون ملتزما بالتعويض لمن تعاقد معه بسبب ما سببه له إبطال العقد من ضرر. ويجوز للقاضي، على سبيل التعويض المستحق، ووفقا لأحكام القانون أن يقضي برفض دعوى الإبطال.
ومن الأحكام القانونية الجوهرية الخاصة بأهلية التعاقد ضرورة توفر سلامة العقل، ولذا فإن عدم سلامة العقل تعتبر مانعا للأهلية القانونية للتعاقد. وعليه فإن، المجنون والمعتوه و”ذو الغفلة” و”السفيه” تحجر عليهم المحكمة الشرعية المختصة وترفع الحجر عنهم وفقا للأحكام الشرعية ومراعاة القواعد والإجراءات المقررة أمام المحاكم المختصة.
وعليه يقع باطلا تصرف المجنون والمعتوه إذا صدر التصرف بعد تسجيل قرار الحجر. أما إذا صدر التصرف قبل تسجيل قرار الحجر، فلا يكون باطلا إلا إذا كانت حالة الحنون والعته شائعة وقت التعاقد أو كان الطرف الآخر على بينة منها.
إذا صدر تصرف من ذي الغفلة أو من السفيه بعد تسجيل قرار الحجر سرى على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام، أما التصرف الصادر قبل تسجيل قرار الحجر فلا يكون باطلا أو قابلا للإبطال إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ.
ويكون قابلا للإبطال كل تصرف من التصرفات التي تقررت مساعدة قضائية فيها طبقا لأحكام القانون، متى صدر التصرف من الشخص الذي تقررت مساعدته قضائيا بغير معاونة من المساعد، إذا صدر التصرف بعد تسجيل قرار المساعدة. والتصرفات الصادرة من الأولياء والأوصياء والقوام تكون صحيحة في الحدود التي رسمها القانون.
الأهلية للتعاقد مطلوبة من جميع أطراف العقد وذلك حتى يكون جميع الأطراف في وضع متقارب متساو، ولا يتم استغلال طرف لآخر بسبب صغر السن حيث لا يمتلك الخبرة الكافية أو بسبب عدم سلامة العقل حيث لا يستوعب ما هو صالح أو ضار له. وفي هذا حماية لمن لا يملك الأهلية لأي سبب من الأسباب، وهذه الحماية القانونية توفر العدالة للجميع وبما يجعل عملية التعاقد عملية قانونية سليمة وخالية من العيوب أو الاستغلال.