ياس خضر: نجاح الأغنية السبعينية يعود للجان والضوابط الصارمة

يساهم في اختيار أفكار وموضوعات أغانيه –
بغداد- جبار الربيعي –
يمثل المطرب العراقي الكبير ياس خضر ركيزة أساسية من ركائز الأغنية العراقية من خلال كثرة عطائه واتساع قاعدته الجماهيرية داخل العراق وخارجه، فضلاً عن تواصله المستمر سواء في تسجيل الأغاني الجديدة أو إحياء الحفلات الغنائية أو حضور الأصبوحات والأمسيات الفنية التي تقام في بغداد والمحافظات الأخرى.

ياس خضر تحدث لـ«مرايا» عن كثرة الشائعات التي تطلق ضده التي تشير إلى موته، متهماً الحساد والمغرضين بإطلاق هكذا شائعات غير أخلاقية، مؤكداً حرصه على التواصل في عطائه الغنائي، وداعياً الجيل الجديد من الشعراء والملحنين والمطربين إلى اختيار الكلمات الجيدة والمهذبة والمواضيع التي تخدم المجتمعات. وتالياً التفاصيل:

– هل لديك أعمال جديدة؟
نعم، طرحت في العام الماضي ألبوماً جديداً ضم مجموعة من الأغاني المهمة والتي قمت بتصوير بعضها تلفزيونياً، وهذا الألبوم يعتبر من أهم الألبومات في مسيرتي الغنائية ويحتوي على ألحان جديدة لملحنين مختلفين أبرزهم الراحل طالب القره غولي ونامق أديب وقاسم ماجد وآخرين. علماً أن هذا الألبوم يحمل عنوان «ما يستحون» وهذه الأغنية من ألحان قاسم ماجد وهي أغنية عاطفية وليست سياسية ولم توجه ضد أحد.

– أغنية «ما يستحون» هل هي رد من قبلك على الذين يطلقون شائعات موتك باستمرار؟
رغم أن هذه الأغنية ليست لها علاقة تذكر بتلك الشائعات، إلا أنها كنت خير رد عليهم وعلى شائعاتهم المغرضة والخبيثة والتي آذت جمهوري داخل العراق وخارجه.

– ما هو تأثير تلك الشائعات عليك؟
حقيقةً هي لم تؤثر عليَّ شخصياً بقدر ما أثرت على جمهوري الذي كان يعيش حالة من القلق وهو بين مصدق لتلك الشائعات وبين غير مصدق بسبب كثرة تكرارها. علماً أنا مؤمن جداً أن الموت حتمي ومحدد وسيأتي في وقته، فلماذا هذا الإصرار الغريب من قبل بعض الناس عديمي الضمير على بث شائعات متواصلة حول موتي؟، فالأعمار بيد الله سبحانه وتعالى.

– هل تعتقد أن تلك الشائعات تمثل نوعاً من الحسد؟
يبدو الأمر كذلك، لأن البعض يمتعض من تواصلي ونجاحي وعطائي المتواصل، لذلك من خلال هذه الشائعات يحاولون إحباط عزيمتي أو إرسال رسائل مغرضة إلى جمهوري بأنني لا أستطيع الغناء أو إقامة الحفلات وهذا عكس الواقع فعطائي يتواصل وصوتي لم يزل قوياً. علماً أن الغيرة والحسد من نجاحاتي وتواصلي مع الغناء تجعلان البعض يسلك هذا السلوك غير الأخلاقي.

– كيف تكون اختياراتك للأغاني التي تغنيها؟
أنا من عائلة دينية تمتلك ثقافة عالية في الشعر والأدب وتلك الثقافة انعكست عليَّ إيجابياً، لذلك كنت موفقاً من خلال التعاون مع الشعراء في اختيار مواضيع بعض أغنياتي المعروفة ولاسيما المفردات التي تشكل منها عناوين الأغاني، لذلك ترى الكثير من أغنياتي عنوانها مفردة واحدة مثل «أعزاز» و«مسافرين» و«تايبين» و«مجروحين» وغيرها وتلك المفردات تأتي من خلال حديث الناس مع بعضهم ويتلقفها الشاعر ويبني عليها موضوع أغنية كاملة. وأنا لديَّ عمق كبير في فهم معنى الكلام، لذلك أسهم مساهمة فاعلة في اختيار أفكار وموضوعات الكثير من الأغاني التي أقوم بغنائها.

– كيف تنظر لبعض المطربين الذين قاموا بإعادة غناء بعض أغانيك الخاصة؟
سبق وأن طلبت من جميع الذين يريدون إعادة تسجيل أو غناء أغنياتي بأن يحافظوا على جوهرها من حيث الكلام واللحن والأداء وعدم الإساءة إليها عبر ما يسمى بالتجديد أو التحديث، علماً أن غالبية الذين قاموا بإعادة أغنياتي لم يكلفوا أنفسهم في الحصول على موافقتي، وهذا دليل على إفلاسهم وعدم امتلاكهم القدرة في إضافة أعمال غنائية جديدة تحسب لهم، لذلك اتجهوا إلى سرقة الأغاني العراقية الجميلة التي تعب عليها الشعراء والملحنون والمطربون والموسيقيون والفنيون حتى تخلد في ذاكرة الناس، وهذا أمر مؤسف حقاً، فالمطرب الجيد هو من يترك بصمة خلفه، لا يعيش على نجاحات وتراث وتاريخ الآخرين.

– ما سبب نجاح الأغنية العراقية السبعينية؟
إن سبب نجاحها واضح جداً، لأن تلك الأغنية كانت تخضع إلى لجان فحص تمتلك الخبرة والدراية والمعرفة، أيضاً هناك ضوابط لا يمكن تجاوزها من أي جهة أو من أي شخص، وتوافق مع تلك اللجان بروز جيل من الملحنين المجددين وشعراء قصيدة وأصوات جديدة وتم التوافق والانسجام بين الملحنين والشعراء والمطربين ليتم تأسيس أغنية عراقية متميزة لم تزل تمثل الركن الأساسي الأهم في مسيرة الأغنية العراقية. إذ كانت الضوابط صارمة وتطبق على الجميع والدليل على ذلك أن أغنيتي «أعزاز» لم يتم بثها في التلفزيون وكذلك في الإذاعة، لأنني أضفت لها كلمة واحدة إضافية وهي القسم، ولم يسمح ببثها إلا أن حصلت على موافقات جديدة. أما اليوم فلا توجد ضوابط ولا أسس يمكن الاعتماد عليها في صنع أغنية عراقية متميزة يمكن أن تجاري الأغنية العراقية في سبعينات القرن الماضي.

– هل توجد أغنية لك وذهبت إلى غيرك؟
أغنيتان وليست أغنية واحدة وهما من ألحان الملحن الراحل طالب القره غولي، الأولى أغنية «حاسبينك» التي نجح في غنائها المطرب فاضل عواد، والأغنية الثانية «حسبالي» التي نجح أيضاً المطرب سعدون جابر في غنائها، إذ أن هاتين الأغنيتان كانتا لي في البداية.

– كيف تنظر إلى أبناء جيلك؟
لم يزل أبناء جيلي وهم فاضل عواد وحسين نعمة وحميد منصور وسعدون جابر في مستواهم الغنائي المعروف ولم يهبط مستواهم الغنائي مطلقاً، رغم أن الظروف قد جافتهم بسبب الموجة الهابطة التي ضربت الغناء العراقي خصوصاً والغناء العربي عموماً.

– هل يوجد خلاف بينك وبين المطرب الراحل فؤاد سالم حول أغنية «مشكورة»؟
لا توجد لي أي علاقة تذكر بأغنية «مشكورة» التي غناها المطرب المرحوم فؤاد سالم في ثمانينات القرن المنصرم أثناء تواجده في الكويت.

– كيف تنظر إلى المطرب الراحل فؤاد سالم وهو من أبناء جيلك؟
المرحوم فؤاد سالم كان مطرباً جيداً ويمتلك صوتاً جميلاً وهو جاء مع حسين نعمة من خلال المسح الإذاعي الذي قامت به لجان الإذاعة والتلفزيون ليلتحقا معي ومع المطرب فاضل عواد، حيث شكلنا جيلاً جديداً في الأغنية العراقية وأصبحنا نديرها بكل قوة واستطعنا أن ننهض بالأغنية العراقية وننقلها إلى الدول العربية.

– عندما يكون مزاجك متعكراً ماذا تغني؟
عندما أكون في وضع غير مريح أقوم بغناء أغنيتي «يا حسافة» التي قمت بغنائها في بداية سبعينات القرن الماضي، لأن فيها عتب شفاف ومراجعة للنفس. أيضاً أردد مقطع من احدى أغنياتي يقول: «لو تسوه العتب» عندما أجد موقفاً غريباً من البعض تجاهي.

– أنت صاحب أطول أغنية عراقية في سبعينات القرن الماضي؟
نعم.. هذا صحيح، لقد سجلت أغنية «دوريتك» التي مدتها 22 دقيقة وهي من كلمات الشاعر الغنائي ناظم السماوي وألحان الملحن الراحل محمد عبد المحسن لتكون أطول عراقية، وقد شكلت نقلة نوعية في مسيرتي الغنائية الخاصة وكذلك في مسيرة الأغنية العراقية عموماً، لأنها أغنية متكاملة وفيها طرب حقيقي ونقلات موسيقية ولحنية كثيرة.

– أغنية «مسافرين» وأغنية «لا تسافر» هل يمثلان رداً على بعضهما؟
نعم.. الأغنيتان سجلتا في زمن متقارب جداً في سبعينات القرن الماضي، لأن السفر في ذلك الوقت لم يكن سهلاً، لذلك كانت أغنية «لا تسافر» هي رد على أغنية «مسافرين» وهما من ألحان الملحن الراحل محمد جواد أموري.

– من هو أكثر ملحن عرف إمكانات صوتك؟
الملحن الراحل طالب القره غولي الذي قدم لي ألحاناً كبيرة، كان قد استطاع توظيف إمكانات صوتي وطبقاته مع ألحانه الكبيرة والصعبة، ومن بعده جاء الملحن نامق أديب الذي نجح نجاحاً باهراً في تلحين أغنية «تايبين» لي والتي حصلت على شهرة واسعة جداً عندما سجلتها في منتصف ثمانينات القرن المنصرم، وهو ملحن جيد قدّم لي ألحان أخرى.

– هل لديك دعوة أو مناشدة توجهها لجهة ما في ختام هذا اللقاء؟
أدعو المؤسسات المعنية في العراق إلى إعادة النظر بالتعامل مع المطربين الرواد ومنحهم الفرصة في تسجيل أعمالهم الغنائية القديمة والجديدة حتى تبقى محظوظة في الأرشيف العراقي، كذلك أدعو الشعراء والمطربين والملحنين الجدد إلى أن يختاروا الكلمات الجيدة والمهذبة حتى يتركوا لأنفسهم شيئاً في التاريخ، لأنني ضد الأغاني الوقتية، بل أنا مع الأغاني الطربية ذات الوحدة الكبيرة. أما الأغاني الخفيفة فيمكن غنائها من قبل أي شخص يمتلك بعض الجمالية في صوته.