عطر :الحلقة المفقودة

رندة صادق –
هناك دائما حلقة مفقودة في كل معضلة او إشكالية يعيشها الإنسان، هناك دائما أمرا جللا ندركه بحسنا ولا نتلمسه بحواسنا، نشعر به ولا نتمكن من تحديد ماهيته، نحن نعيش ضمن وجهتيّ نظر تتصارعان في وعينا: الأولى تعتمد على ما ورائية ايمانية، والثانية ترغب في معرفة كاملة عبر العقل، وبينهما تكبر الحلقة المفقودة وقد تتوالد منها حلقات لا نعيها ولكن ندرك أنها موجودة.

هل السر الذي يلف غموض الكون وأسباب وجوده وتلك التساؤولات التي تشوش أمننا هي تلك الحلقة، بمعنى انها ترتبط بجهلنا للكون الواسع وخوفنا من مفاجآته؟ أم انها تتعلق بعوالمنا الداخلية وجيناتنا وموروثاتنا ورغبتنا في عالم أكثر جمالا وصفاء واتساعا لأحلامنا؟
لو نظرنا مليا حولنا لوجدنا ان مصطلح “الحلقة المفقودة” كان معنا دائما في كل مراحل وعينا وهو يشمل مشاعرنا، فكرنا، علاقتنا المجتمع، وبالسياسة وبكل شيء تقريبا فنحن لا نتعامل مع العالم وفق استراتجية واعية، بل في الحقيقة، نحن نتنقل على مسرح المصادفات والإنفعالات وهذا بالتحديد ما يميز الإنسان عن باقي المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى والتي تعيش وفق فطرتها ومنظومتها في التناسل وطرقها في المحافظة على الحياة والبقاء في طبيعة لها نهجها الذي قليلا ما تخرج عنه.
الطفل الذي لا يذكر من طفولته الا الحدث الذي وصمه باحساس معين كان قويا وحقيقيا وصادما، وقد حدث ان سمعت قصة من طفلين عاشا نفس المشهد، ولكن لم يتحدثا عن نفس التفاصيل، بل سرد كل منهما القصة من خلال ذاكرته الإنطباعية عن الحدث المشترك، هذا ما دفعني أن أفكر اين الحلقة المفقودة في وعي الصغيرين وفي ردة فعلهما لأمر واحد، مفرحا كان أو قاسيا قسوة مؤلمة؟
وصادفت أيضا حلقة مفقودة في الحب، حيث اننا نتجه بلا سلطة العقل الى أماكن في مشاعرنا محفوفة بالخطورة وتغيير من مسارات حياتنا ومن حركة أحلامنا، وكأننا نستبدل وعينا بوعي آخرونخترق مناطق مظلمة بدواخلنا، لنصطدم بحواجز العقل ولا ندرك الحلقة المفقودة والرابط الضروري بين عقلنا وقلبنا .
والحلقة المفقودة في الطبيعة، الطبيعة بشقها المدرك علميا من جهة وشقها الذي ما زال يُدرس في مختبرات العلماء وفي فكر الفلاسفة وخبراء الحياة، بجنونها وجمالها برسائلها الصامتة لنا، لنتعلم منها منطق الوجود وسيرورته، ولنأخذ العبرة من منظومتها الإستراتجية، فهي لا تنظر ماذا سيفعل الكون بل تؤدي دورها بتلقائية وجودية مغلفة بأسرار خالقها. الحلقة المفقودة في منطق الحروب والتقاتل والسقوط في لعبة شدّ العصب، الى أن ينقطع الرابط العقلي الذي يمسك توزان الإختلاف و يساهم في تكملة صورة الحياة. الحلقة المفقودة في ايماننا، حيث نتأرجح أحيانا كثيرة بين الإيمان المطلق والإيمان الواعي الذي في احيان كثيرة يكون مشككا ومقلقا لصاحبه حيث لا يعرف لما لا يؤمن ايمانا كليا استسلاميا يريحه، ويعيد السكينة الى نفسه، لماذا تختلف ردة فعله عن غيره، هذا كله الى أين؟
حلقة مفقودة في تعاملنا مع بعضنا البعض، حيث قد لا يمكننا مهما بلغ مستىوى الذكاء لدينا ان نتمكن من القيام بالتصرف الصحيح في مواقف كثيرة، فنحن أحيانا كثيرة نفكر ونقرر، ولكن أمام الموقف قد نقول ونفعل عكس ما فكرنا به وقررناه.الحلقات المفقودة كثيرة فينا وفي عالمنا الخارجي، حتى في عالم ما بعد الحياة، فهل بالموت تنتهي عناوين الحياة وندخل عالم العدم، أم هناك في المقلب الآخر لوعينا، عوالم أجمل وأكثر نقاء وسندرك بالموت الحقيقة والسعادة التي عشنا نبحث عنهما في كل تفصيلة في أعمارنا ونتحرر من كل الحلقات الفقودة التي صادفناها؟

randanw@hotmail.com