وتر :لا تعتب

شريفة بنت علي التوبية –
غنت فيروز يوماً ( لا تعتب عليّ.. وحاجي تعاتبني يئست من العتاب) ومع فيروز لا أحب لغة العتاب، ولا أحب أولئك الذين يتشرهون على الشيء واللاشيء، نعم العتاب محبّة، والعتاب شوق وافتقاد من المعاتِب للمعاتَب كما يقال، لكني أرى في العتاب استجداء لعاطفة قد تكون غير موجودة في قلب من نعاتبهم، وكأننا نذكرّهم بأنفسنا ونخبرهم بأننا ما زلنا على قيد المحبة والشوق كما هم على قيد الغياب والنسيان، العتاب كما أرى لغة المغلوب في عاطفته والذي لا يجد وسيلة أخرى لإيصال محبته لشخص شغلته الحياة عنه فانشغل ورأى فيها بدائل أخرى فنسى، فلا تعاتب أحداً على غيابه أو عدم اهتمامه، فالاهتمام لا يُطلب والمحبة لا تُستجدى، ومن يحبك لن يوصلك لمرحلة العتاب ولن يغيب عنك ليختبر شوقك إليه، ومن يحبك لن تسرقه الدروب ولن تجمعك به الصدف، بل سيتعمد أن يكون في طريقك مقتفياً أثر عطرك، ولن يسلّمك للفقد.

لذلك لا أحب هذه اللغة وهذا الاستجداء العاطفي لشخص اختار الغياب ووجد في البعد راحته، فمن اختار الغياب، اختر نسيانه، وإن بدا ذلك صعباً وقاسياً على قلبك، فكيف بك تعاتب من ابتعد باختياره ومن رحل باختياره وعاد باختياره، وإني أتعجب من أولئك الذين يعتقدون أن لا كرامة في الحب، فيبقون على حب مفتقد الكرامة، وعاطفة مخدوشة الكبرياء.
الحب الذي لا يرفعك إلى مستوى كرامة الروح لا تقبله والعاطفة المتأرجحة بين الحضور والغياب لا تقبلها، هناك أشياء في الحياة تكون فيها أو لا تكون، فلا تقبل بأنصاف الحلول أو فتات ما تبقى من وقت مسروق أو فائض عاطفي، وإن كنت عالقاً في عنق زجاجة عاطفية فحاول الخروج منها بأمان دون خدش أو جرح محتفظاً بتلك المسافة التي تمنحك الأمان والسلام.
فكم أحترم أولئك الذين نأوا بأنفسهم واختاروا عزلتهم في زمن الضجيج والفوضى والتصادم، أولئك الذين لا يتدخلون في شؤون الغير ولا يقتلهم الفضول لمعرفة ما يفعله الآخر أو حتى يفكر به، فأولئك هم الأحرار حقاً، لأنهم كسروا قيودهم وحطّموا قضبان سجنهم الاجتماعي وخرجوا من محيط التبعية للآخر، إنهم أولئك الطيبون جداً الذين يعيشون بمصداقية كبيرة مع أنفسهم وأحلامهم رغم كذبة الواقع، ولا يعاتبون سوى أنفسهم إذا تجاوزت حدود عزلتها بزمن إلكتروني صاخب يحرمهم حتى من لذة الشوق والحلم، زمن أصبحت فيه لغة العتاب بلا معنى مع سقوط أسباب الغياب.