القمة العربية والثوابت الفلسطينية

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
قبل انعقاد القمة العربية التاسعة والعشرين التي اختتمت أعمالها يوم الأحد الماضي في مدينة الظهران السعودية كان هناك حديث عن القضية الفلسطينية وبروز موضوع صفقة القرن التي تتبناها الإدارة الأمريكية، وما هو الموقف العربي الحاسم من خلال تلك القمة، كما دار حديث حول الثوابت الفلسطينية، وهل ما زال العرب يؤمنون بتلك الثوابت على ضوء عدد من التقارير التي تحدثت عن الوطن البديل وغير ذلك من التكهنات التي تتردد بين حين وآخر.

ومن هنا كان الموضوع الفلسطيني هو أبرز الملفات، وهي التي تصدرت مشهد القمة العربية في الظهران وبصرف عن القضايا الخلافية العربية – العربية في قضايا أخرى كالحرب في اليمن وسوريا وليبيا إلا أن القمة استطاعت أن تحافظ على الحد المنطقي حول القضية الفلسطينية وهذا بلا شك يسجل لقمة الظهران التي ترأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية الشقيقة.

انتهاء حلم صفقة القرن

بعد رفض القمة العربية أي خيارات بديلة للسلام الشامل والعادل للقضية الفلسطينية فإن موضوع صفقة القرن اصبح محدود الأهمية، خاصة وأن العرب أكدوا على أهمية الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، بل أن العرب استنكروا بشكل صريح قرار إدارة الرئيس الأمريكي ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة واعتباره مدينة القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي.
ولا شك أن موقف القمة العربية من القضية الفلسطينية قد انهي كل التساؤلات حول صفقة القرن المشؤومة، والتي تريد تصفية القضية الفلسطينية وإعطاء الشعب الفلسطيني وطنا بديلا ومن هنا فإن قرارات القمة العربية فيما يخص القضية الفلسطينية كانت إيجابية وأعطت للقمة شئ من الزخم السياسي العربي وهذا بلا شك يجعل العالم مع الحق الفلسطيني، وهذا ما أشارت إليه مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي والتي أكدت على أهمية حل الدولتين وان تكون القدس الشرقية هي عاصمة دولة فلسطين.
إنَّ الإجماع العربي في قمة الظهران جاء منسجما مع تطلعات الشعوب العربية والتي كانت تنتظر موقفا عربيا يؤكد علي الثوابت الفلسطينية وعدم التفريط في حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة التي تعززها قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية التي أقرت في القمة العربية في بيروت عام 2002 ومن هنا يسجل للقمة هذا التطور الإيجابي كما أن إطلاق اسم القدس على القمة وأن كان موضوعا رمزيا إلا أنه يمثل دلالة سياسية على تصميم العرب بالتمسك بالثوابت القومية والوطنية لقضية العرب المركزية وهي القضية الفلسطينية.
إنَّ صفقة القرن الأمريكية كانت صفقة مدمرة ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية على عدد من الدول العربية وفي مقدمتها السلطة الوطنية الفلسطينية إلا أن الرفض العربي كان واضحا وأكدته قمة الظهران العربية.

التضامن العربي والحروب الأهلية

لا شك أن التوافق والتضامن العربي مع القضية الفلسطينية من خلال كلمات القادة العرب والبيان الختامي للقمة فإن كل ذلك يعد حافزًا للدول العربية للانطلاق في المرحلة القادمة لإيجاد حلول شاملة للملفات العربية المشتعلة في اليمن وسوريا وليبيا؛ لأن ذالك سوف يشكل نقلة عربية نحو التضامن العربي وفتح صفحة جديدة من العلاقات الإيجابية والنظر إلى المشتركات العربية وإيجاد تطور اقتصادي من خلال إطلاق السوق العربية المشتركة كما هو الحال بالنسبة لإفريقيا وهو ما تحدث عنه رئيس المفوضية الإفريقية في كلمته بالقمة.
إنَّ الزخم الإيجابي الذي أعطته القمة للقضية الفلسطينية يعد عاملا مهما نحو إيجاد علاقات عربية – عربية سليمة وإنهاء كافة الخلافات العربية حتى يمكن للعرب استعادة دورهم القومي والحضاري وتركز على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتعاون في المجالات التي تخدم شعوبها وكانت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية واضحة عندما أشارت في كلمتها في القمة إلى أنه يمكن للعرب النظر إلى النموذج الأوروبي، وهي هنا تتحدث عن حروب قاسية ومريرة شهدتها القارة الأوروبية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية وحصدت أكثر من خمسين مليون إنسان.
ورغم تلك الحروب المدمرة اجتمع الأوروبيون وتناسوا جراحاتهم وانطلقوا بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 نحو التكامل بين الدول الأوروبية والذي أصبح واقعًا ملموسًا وهو الاتحاد الأوروبي ومن هنا فإن العرب لديهم من العوامل ما يمكنهم من إيجاد تضامن عربي حقيقي والانطلاق نحو تأسيس تكامل اقتصادي عربي قد يشكل القوة الاقتصادية الرابعة في العالم وهذا أمر مدهش يحتاج إلى إرادة سياسية عربية والبعد عن الأبعاد والمصالح المحلية الضيقة. فالدول العربية إن بقيت فرادى فسوف تظل ضعيفة ومطمعا للآخرين، ومن هنا فإن العالم يتجه الآن للتكتلات الاقتصادية وما قرار الاتحاد الإفريقي نحو إيجاد سوق التجارة الحرة إلا مؤشر على عزم الدول الإفريقية نحو التكامل الاقتصادي والتنموي، ومن هنا فإن هناك فرصا حقيقية نحو إيجاد منهجية جديدة في السلوك السياسي العربي والخروج من النمطية التقليدية وإنهاء الخلافات والحوار من خلال القمه العربية القادمة في تونس العام القادم.

الجامعة العربية والمنهجية الجديدة

لا شك أن الجامعة العربية التي تعد أقدم منظمة إقليمية تحتاج إلى تغيير منهجيتها وقد أشارت القمة إلى أهمية إدخال تعديلات على عمل الجامعة العربية والذي شهد انكماشا في السنوات الأخيرة، ومن هنا فإن تطوير الجامعة يعد من الأدوات الأساسية التي تدفع بالعمل العربي المشترك إلى الأمام. إنَّ المفوضية الإفريقية أكثر حركة ومرونة وقد دعا رئيس المفوضية في كلمته بالقمة إلى إيجاد شراكة وتعاون عربي -إفريقي ولا شك أن القمة العربية- الإفريقية والتي سوف تعقد العام القادم في السعودية تعد قمة في غاية الأهمية على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، فهناك أكثر من خمسين دوله عضو في الاتحاد الإفريقي وهناك طاقات وموارد كبيرة في القارة السمراء وهناك دول عربية إفريقية لها تأثيرها في القارة الإفريقية .
تطوير الجامعة العربية أصبح مطلبا لإيجاد منهجية جديدة ولا شك أن التعاون مع الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار يعد أمرا إيجابيا فالاستفادة من خبرة الاتحاد الأوروبي في مجالات التطوير يعد أمرا إيجابيا حتى يمكن إيجاد جامعة عربية نشطة لها من الأدوات والاستقلالية الكثير حتى تقوم بعملها بشكل يساعد على الدفع بالتعاون العربي إلى آفاق أفضل وأرحب. كما أن ميثاق الجامعة العربية يحتاج إلى تعديلات تتماشي والأوضاع والمستجدات السياسية في العالم ومع تطور التقنية وثورة الاتصالات لابد من مواكبة كل هذه التطورات كما أن جهاز إعلام الجامعة العربية يحتاج إلى تطوير كبير ليكون مساندا للتوجهات العربية ويكون له صوت مسموع في الأوساط الدولية للدفاع عن القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وبكل لغات العالم.
ومن خلال إيجاد تلك المنهجية الجديدة لعمل الجامعة العربية يحدث الفرق في العمل العربي ويكون هناك انسجام بين السياسات العربية وتفعيل الطاقات البشرية والاقتصادية بين المؤسسات الخاصة العربية وخلق مشاريع إنتاجية عربية خاصة على صعيد سد الفجوة الغذائية بين الدول العربية من خلال وجود التكامل بين رأس المال العربي والموارد الطبيعية والموارد البشرية وإيجاد السوق العربية المشتركة والتنسيق في ذالك مع الاتحاد الإفريقي وهذا بدوره سوف يخلق منطقة سوق تجاري حر يغير إفريقيا والمنطقة العربية نحو التنمية المستدامة والرفاهية لمئات الملايين من العرب والأفارقة.
هذه ليست أحلام ولكنها حقائق تحتاج إلى إرادة سياسية وفكر متجدد والخروج من النمطية السياسية الجامدة والتخلص من الأنانية والإيمان بأهمية العمل القومي الجماعي، كما فعلت أوروبا قبل أكثر من سبعة عقود منذ منتصف القرن الماضي، ودول الآسيان خلال العقود الخمسة الأخيرة التي هي الأخرى عانت من حروب مدمرة، وأصبحت النمور الآسيوية بالفعل قوية اقتصادية يشار لها بالبنان.

الزخم السياسي للقمة

هناك لحظات معينة تحفز الأفراد والجماعات والدول على استغلال ذلك الزخم ورغم أن التشاؤم كان حاضرا عند الشعوب العربية عند عقد القمم العربية إلا أن هناك زخما سياسيا شهدته قمة الظهران العربية على عكس ما توقعته الأغلبية وهذا الزخم كان حاضرا في الملف الأساسي للعرب وهو ملف القضية الفلسطينية، وهذا شيء إيجابي ويعطي الانطباع بأن الدول العربية من خلال قياداتها تستطيع اختراق بقية الملفات العربية من خلال نفس الروح والمنهجية التي اتبعت في الموضوع الفلسطيني وهذا ما يجعلنا نعتقد انه بدون تلك الروح الجماعية فإن الخلافات العربية-العربية سوف تتعمق وان ابتزاز الآخرين للمقدرات العربية سوف يتواصل، ومن هنا ندعو لأن تكون قمة الظهران العربية انطلاقة عربية نحو منهجية جديدة والنهوض نحو مرحلة عربية أكثر استقرارا وتحقيقا لآمال وتطلعات الشعوب العربية والاستخدام الأمثل للثروات والمقدرات لتحقيق تلك التطلعات.