قاطرة النمو والتنويع اﻻقتصادي

د.أحمد سيد أحمد –

تمثل المناطق الاقتصادية والحرة في سلطنة عمان قاطرة النمو الاقتصادي في مختلف المجالات وتشكل المستقبل الواعد الذي يحمل آفاقا واسعة بما تتضمنه من فرص واعدة حيث أبرزت تجربة المناطق الاقتصادية والحرة فى الدقم وصلالة وصحار والمزيونة العديد من الدلالات المهمة للاقتصاد العماني تتمثل في:
أولا: تستهدف هذه المناطق تحقيق التنويع الاقتصادي للبلاد وعدم الاعتماد على النفط والغاز كمصدر أساسي للدخل القومي، من خلال زيادة نسبة المصادر غير النفطية في الدخل القومي، سواء عبر إقامة المشروعات الضخمة والعملاقة في مختلف القطاعات الأخرى مثل الصناعة والزراعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أو في قطاعات ترتبط بالنفط والغاز مثل صناعة البتروكيماويات، وهو ما يمثل أهمية كبيرة في استراتيجية السلطنة للاستعداد لمرحلة ما بعد النفط التي تخضع أسعاره بالأساس لعوامل خارجية أدت لانخفاضه في السنوات السابقة مما أثر بشكل كبير على الميزانية العامة وعلى الإنفاق العام، ورغم ارتفاع أسعار برميل النفط إلى أكثر من 60 دولارا، إلا أن التنويع الاقتصادي وإعادة هيكلة قطاعات الاقتصاد العماني يعد خيارا حتميا ليس فقط لمرحلة ما بعد النفط وإنما ايضا لمواكبة تطورات الاقتصاد العالمي والتغيرات الكبيرة التي شهدها في المجالات المختلفة مثل ثورة المعلومات والاتصالات والاتجاه نحو الاعتماد بشكل أكبر على اقتصاد المعرفة والتركيز على المشروعات الصغيرة ومشروعات ريادة الأعمال.
ثانيا: تساهم تلك المناطق الاقتصادية والحرة في السلطنة فى تقليل معدلات البطالة من خلال فرص العمل الكبيرة التى توفرها المشروعات المقامة في تلك المناطق، خاصة مع تزايد الاتجاه نحو الاعتماد على القوى العاملة الوطنية عبر سياسة التعمين وتقليل الاعتماد على القوى العاملة الخارجية، كما أن مشاركة الشركات العالمية فى تلك المشروعات يوفر فرصا كبيرة للأيدي العاملة المحلية لاكتساب الخبرات والمهارات العالمية، ولذلك كان اتجاه السلطنة نحو الاستثمار في الإنسان العماني باعتباره الغاية من التنمية وأداتها وتطوير قدراته في مجال التعليم ليواكب التغيرات والتطورات الكبيرة في سوق العمل.
ثالثا: تنطوى تلك المناطق ومشروعاتها العملاقة والمختلفة على تحديث شامل للاقتصاد العماني وربطه بالاقتصاد العالمي، كما أنها تمثل بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي والذي برز في العديد من المشروعات الكبيرة مثل المدينة الصينية بالمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم ، كما حرصت الدولة على توفير كل التسهيلات الممكنة للاستثمار الأجنبي سواء عبر الإصلاحات التشريعية الاقتصادية مثل قانون رأس المال والاستثمار في السلطنة وكذلك الإصلاحات الضريبية، والتي تزيل أية عوائق قانونية أو لوجستية أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، وهو ما برز في حرص الكثير من دول العالم وشركاتها على الاستثمار في تلك المناطق، والتي تشكل أفضل منطقة جاذبة الآن في منطقة الشرق الأوسط ، فى ظل حالة الاستقرار السياسي الذي تعيشها السلطنة، مع تزايد حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وفي العديد من مناطق العالم الأخرى، ولا شك أن الاستثمار الأجنبي في تلك المناطق الاقتصادية والحرة ليس فقط مجرد إقامة المشروعات وإنما ايضا نقل الخبرات والمهارات العالمية والتكنولوجيا الجديدة إلى الاقتصاد العماني.
رابعا: وفرت الدولة العمانية كل التسهيلات اللوجستية من أجل ضمان نجاح تلك المناطق الاقتصادية والحرة في تحقيق التنويع الاقتصادي ولكي تكون قاطرة الاقتصاد عبر إقامة الموانئ الضخمة والبنية الأساسية الشاملة من طرق وسكك حديد ومطارات لربط مدن السلطنة ببعضها البعض وربط تلك المناطق ببقية مناطق السلطنة وربطها بالعالم، ولذلك فإن هذه المناطق أقيمت في مواقع استراتيجية تستطيع من خلالها سهولة التصدير وأن تكون مركز عبور عالمي مثل منطقة الدقم التي أقيمت على بحر العرب لتكون نقطة ارتكاز يربط آسيا بأوروبا بأفريقيا، وتكون محطة ترانزيت للتجارة العالمية ولحركة الاقتصاد العالمي.
خامسا: تعتمد فلسفة تلك المناطق الاقتصادية والحرة أيضا على تزايد دور القطاع الخاص العماني في عملية التنمية إلى جانب دور القطاع الحكومي، عبر شراكة وطنية ترتكز على النهوض بالاقتصاد العماني وزيادة دور القطاع الخاص في توفير فرص العمل، ولذلك يساهم القطاع الخاص العماني في العديد من المشروعات الكبيرة في المنطقة الحرة بصلالة وميناء صحار والمنطقة الحرة بصحار والمناطق الصناعية بالسلطنة والمنطقة الحرة بالمزيونة. كما برز أيضا دور القطاع المصرفي العماني في دعم وتعزيز التنويع الاقتصاد من خلال التسهيلات الكبيرة التي يقدمها في مجالات الاستثمار والإقراض للشركات والأفراد في إقامة المشروعات الجديدة والمتطورة في تلك المناطق.
ولذلك شكل مؤتمر المناطق الاقتصادية والحرة الذي نظمته هيئة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم مؤخرا بالتعاون مع مؤسسة فرى زون ووتش” بمشاركة المناطق الحرة والصناعية بالسلطنة وما يقرب من 250 شخصية من داخل السلطنة وخارجها نقلة نوعية مهمة لإلقاء الضوء على ما تم إنجازه في تلك المناطق وعلى دورها فى دعم التنويع الاقتصادي، وكذلك الترويج للفرص الاستثمارية الضخمة فيها سواء في الداخل او في الخارج أمام الشركات العالمية العملاقة في مختلف دول العالم.سادسا: تسير التنمية في سلطنة عمان في إطار إستراتيجية شاملة ومتكاملة ومتعددة المسارات المتوازية، فإلى جانب خطط التنمية الخمسية المتتابعة في إطار إستراتيجية 2040 لتحقيق النهضة الاقتصادية الشاملة، وإلى جانب التطور والنمو المستمر في المناطق الاقتصادية والحرة ومشروعاتها المختلفة، تنطلق المشروعات العملاقة المختلفة في كافة المجالات حيث تم الاحتفال بوضع حجر الأسـاس لمشـروعي صلالة للغاز البترولي المسـال وصلالة للأمونيا بتكلفة تتجاوز المليار ومائتي مليون دولار، حيث تقدر التكلفة الإجمالية لمشروع صلالة للغاز البترولي المسال بحوالي 826 مليون دولار، على مساحة 20 هكتارا سيتم خلالها بناء مرافق تخزين وتصدير مشتقات الغاز البترولي المسال في ميناء صلالة على مساحة تقدر بحوالي 8 هكتارات. وسيوفر مصنع استخلاص الغاز البترولي المسال قدرة إنتاجية تبلغ حوالي 8.8 مليون متر مكعب يوميا من الغاز البترولي المسال ـ وهي قدرة تتناسب مع محطات الغاز البترولي المسال ذات النطاق العالمي، وسيضم المصنع مرافق شحن للغاز البترولي المسال عن طريق الشاحنات المحلية لسد الاحتياجات المنزلية والصناعية والتجارية فى محافظة ظفار، ومن المتوقع أن يسهم المشروع في جعل الميناء مركزا دوليا لتصدير الغاز البترولي المسال ومكثفات التصدير عند بدء الأعمال التشغيلية للمشروع في عام 2020.في حين تقدر التكلفة التقديرية لمشروع صلالة للأمونيا بحوالي 463 مليون دولار وستبلغ الطاقة الإنتاجية للمشروع 1000 طن متري في اليوم من مادة الأمونيا ويستهدف أسواق جنوب شرق آسيا كالهند وفيتنام وتايلاند، وكوريا الجنوبية واليابان، ويمهد هذا المشروع الطريق لفرص مستقبلية لتطوير الصناعات التحويلية. وتم إنشاء المشروعين تماشيا مع استراتيجية النمو التي تنتهجها شركة النفط العمانية بهدف تعزيز القيمة المضافة في قطاعات النفط والغاز والصناعات البتروكيماوية وتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد والمواد الأولية.
إضافة إلى أن هناك استثمارات صناعية تبلغ قيمتها حوالى مليار دولار سيتم توطينها في منطقة صور الصناعية بدءا من نهاية هذا العام 2018 لتشهد المنطقة تطورا ونقلة نوعية مع نهاية عام 2020. وبلغ حجم الاستثمارات في تلك المناطق حتى نهاية عام 2017 حوالي 6 مليارات و320 مليون ريال عماني منها 48% استثمارات غير عمانية و52% استثمارات برأسمال عماني. ولتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء ودعم الأمن الغذائي أطلقت الشركة العمانية للاستثمار الغذائي القابضة مشروعها المتخصص في إنتاج الصويا في المنطقة الحرة بصحار بتكلفة تبلغ حوالي 100 مليون دولار ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج في نهاية العام المقبل 2019.
وبالتالي تمثل المناطق الاقتصادية والحرة في السلطنة مركزا إقليميا وعالميا وقاطرة للنمو والتنويع الاقتصادي العماني، وتحتاج تلك المناطق إلى مزيد من الترويج داخليا وخارجيا لتوضيح الفرص الكبيرة التي توفرها في مجالات الاستثمار، كما أنها تكرس استراتيجية التنمية الشاملة والمستدامة في السلطنة والنهضة الاقتصادية الكبرى التي تسير عاما بعد الآخر لتحقيق الازدهار للمواطن العماني.