مناطق مؤهلة لجذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد

د. عبد الحميد الموافي –

تتكامل أنشطة المناطق الصناعية والاقتصادية والحرة في النهاية ، كل بطريقته وأساليبه ونظمه المحددة والمعلنة أيضا ، في دفع جهود التنمية وتحقيق درجة أعلى من التشغيل للاقتصاد الوطني ، وتمكينه من جذب تقنيات إنتاج متطورة ، تمهيدا لتوطينها ، إن أمكن ، ومن ثم خدمة أهداف التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة .
إذا كان من المعروف ، في الأدبيات الاقتصادية بوجه عام ، وفي مجال التنمية بوجه خاص ، أن مختلف الاقتصاديات تسعى جاهدة لاجتذاب الاستثمارات ، سواء كانت استثمارات داخلية ، أي من داخل الدولة ، أو خارجية ، وذلك لأن الاستثمارات ، إذا كانت تتم وفق خطط وبرامج مدروسة جيدا ، فإنه يمكنها الإسهام بشكل ملموس في استغلال إمكانات وطنية متوفرة (موارد مختلفة)، وفي تشغيل عجلة الاقتصاد بشكل أكبر، بكل ما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج مفيدة ، على مستوى الاقتصاد ككل ، والمواطن بالطبع ، ومن ثم فإن السبل التي تتبعها الدول المختلفة لجذب الاستثمارات تتعدد وتتنوع في الواقع ، وتتأثر ليس فقط بالفلسفة الاقتصادية التي تأخذ بها الدولة ، اقتصاد مخطط ، أو اقتصاد مفتوح (اقتصاد السوق) ولكن أيضا خصائص البيئة الاقتصادية والاجتماعية ، ومدى الكفاءة الاقتصادية المتوفرة ، كفاءة القوى البشرية المتوفرة ، وبالطبع الإطار القانوني المنظم للاستثمار ، ودرجة الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدولة ، ورؤية الدولة للاستثمار الاجنبي ، ومن الطبيعي أن تتضافر وتتفاعل هذه العوامل وغيرها من العوامل ذات الصلة ، لتحدد في النهاية مدى القدرة على جذب الاستثمارات والاستفادة الحقيقية منها في الظروف المختلفة .
وادراكا لأهمية وضرورة توفير مناخ جاذب للاستثمار ، وتوفير بيئة قانونية وتنظيمية وتسهيلات عملية مغرية للمستثمرين ورجال الاعمال لضخ اموالهم في شرايين الاقتصاد ، من خلال اقامة مشروعات مختلفة ، لجأت العديد من الدول ، ومنها السلطنة بالطبع ، الى انشاء مناطق صناعية ، ومناطق اقتصادية ، ومناطق حرة ، وفق القناعات التي تتوفر لها على امتداد مسيرتها التنموية . واذا كان انشاء المناطق الصناعية ، ومنها مثلا منطقة الرسيل الصناعية ، التي تشكل رائدة المناطق الصناعية في السلطنة ، بحكم انها اول منطقة صناعية يتم انشاؤها في السلطنة ، يتأثر عادة بالحاجة الى تشجيع قطاع الصناعة المحلية بشكل اساسي ، خاصة في السنوات الأولى للتنمية الوطنية ، وهو ما يجعل الدولة تقوم بإنشاء تلك المناطق ، وتجهيزها بالخدمات المختلفة ، وتوفير مبان وقطع اراض مختلفة المساحات ، ومتعددة الاستخدامات ، وتقديم العديد من التسهيلات للقطاع الخاص للقدوم الى تلك المناطق وإنشاء الصناعات التي يريدها ، بالتنسيق مع الدولة ، أو السلطات المختصة ، فإن المناطق الصناعية ، تظل في النهاية اشبة بالمناطق المتخصصة ، أو النوعية ، أي التي تضم انشطة صناعية ، وورش ومصانع صغيرة ومتوسطة وكبيرة أحيانا ، باعتبارها مناطق مجهزة لتلائم الانشطة الصناعية ، ولكن ذلك يتم في النهاية وفق القوانين والإجراءات العامة التي يحددها القانون ، وهناك الآن في السلطنة نحو سبع مناطق صناعية في محافظات السلطنة المختلفة ، وتشرف عليها المؤسسة العامة للمناطق الصناعية ، وبلغ اجمالي الاستثمارات في المناطق الصناعية 4.16 مليار دولار في عام 2017 ، كما يبلغ حجم استثمارات المؤسسة العامة للمناطق الصناعية 430 مليون ريال عماني ، أي نحو مليار و118 مليون دولار أمريكي . وعادة فإن كل منطقة صناعية ، في محافظة أو ولاية ، تميل الى الاستفادة من الخامات والموارد الاقتصادية المتاحة في البيئة المحيطة بها قدر الإمكان ، وهو أمر تشجع عليه حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – ويعود بالفائدة على الصناعة والاقتصاد الوطني ككل في النهاية .
أما المناطق الاقتصادية ، ونموذجها في السلطنة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم ، وعلى المستوى العربي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في جمهورية مصر العربية ، فإنها في الواقع ، أكبر و أوسع بكثير من المناطق الصناعية ، فضلا عن أنها تتسع لاستيعاب عدة انشطة اقتصادية ، صناعية وتجارية ولوجستية وسياحية وغيرها ، في إطارها ، وذلك بحكم ضخامتها والغرض منها ، ومن ثم فانه عادة ما يتم إنشاء هيئة خاصة بها تقوم على إدارتها والإشراف عليها ، وبالطبع يكون لها القانون الخاص بها ، الذي يحكم الاستثمار والنشاطات المختلفة فيها ، والشروط والتسهيلات التي يمكن للدولة تقديمها ، للمستثمرين ورجال الاعمال الراغبين للعمل فيها ، وحتى للدول الراغبة في اقامة استثمارات فيها . و عادة يكون الاطار القانوني لهذه المناطق الاقتصادية اكثر مرونة ، واكثر ضمانا لحفظ حقوق المستثمرين ومصالحهم ، فضلا عن التسهيلات والمزايا ، التي تقدمها الدولة لاجتذاب اكبر قدر من الاستثمارات لهذه المناطق . وعادة ما تقوم الدولة بتوفير البنية الاساسية ، من طرق وكهرباء ومياه ، وتسهيلات تنظيمية ، وإدارية وغيرها ، من اجل تشغيل هذه المناطق الكبيرة والتي تسهم بشكل حقيقي في تفعيل ودفع الاقتصاد الوطني ومن الطبيعي ان يسهم القطاع الخاص في القيام بجانب من هذه المشروعات ،على اسس اقتصادية ، وبما يحقق مصالحه ايضا .
اما المناطق الحرة ، فإنها باختصار شديد مناطق تقيمها الدولة في موانئ بحرية أو برية (ميناء جاف) والامثلة في هذا المجال المناطق الحرة في صحار وصلالة والمزيونة ، وهى ميناء بري ، وعادة ما تقوم الدولة بتجهيز تلك المناطق الحرة ، بكل المرافق والبنية الاساسية الضرورية والمتطورة ، من اجل ان تكون مناطق جذب للاستثمارات ، وتواصل وتبادل تجاري سهل مع الدول الاخرى ، فالمناطق الحرة يمكنها استيعاب صناعات ومشروعات تجارية وخدمية كثيرة ومتنوعة ، تتمتع بإعفاءات جمركية وضريبية في العادة ، وتحصل على مزايا وتسهيلات كبيرة ، تحددها القوانين المنظمة للمناطق الحرة وللاستثمار فيها . وبالتالي تستفيد الدولة من إنشائها ما يتم فيها من عمليات تشغيل للقوى العاملة الوطنية فيها ، واستخدام خامات محلية احيانا في بعض الصناعات ، ومما يتم جلبه من تقنيات وتكنولوجيا متطورة في صناعات ومجالات معينة ، قد تستفيد منها شركات وطنية ، أو يتم توطينها على الأجل الأبعد، فضلا عن عائدات الجمارك بالنسبة لما يدخل الدولة من انتاج او منتجات تلك المناطق ، أي عندما تنتقل تلك المنتجات من المنطقة الحرة الى داخل الدولة بشكل أو بآخر ، وعادة ما تحدث المناطق الحرة رواجا اقتصاديا في المناطق التي تقام فيها، بحكم ان البضائع الداخلة إليها من الخارج ، أو المتجهة منها الى الخارج ايضا لا تفرض عليها ضرائب أو جمارك . وعادة ينظم القانون كل ما يتصل بالأنشطة المختلفة في المناطق الحرة ، والضوابط الخاصة بها ، وبما يخدم اهداف التنمية الاقتصادية في النهاية .
وفي اطار هذا التحديد المختصر والسريع للمقصود بالمناطق الصناعية ، والمناطق الاقتصادية والمناطق الحرة ، فانه يمكن الاشارة باختصار شديد الى عدد من النقاط ، لعل من اهمها ما يلي : *أولا : انه يمكن القول دون مبالغة ، انه اذا كانت الحكومة قد تأخرت نسبيا ، من وجهة نظر البعض على الاقل ، في إنشاء المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة ، الا ان ذلك كان بسبب أولويات فرضت نفسها في السنوات الماضية ، وحتى تبلورت قناعات كافية بأهمية هذه المناطق وضرورتها للاقتصاد العماني ، فإن المهم هو أن هناك الآن عددا من المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية ، التي تشكل في الواقع بوابات ومناطق جذب على جانب كبير من الاهمية ، لأنواع عديدة من الاستثمارات ، على مستوى رجال الاعمال والدول ايضا ، وهو ما يعود بالفائدة على الاقتصاد العماني . وفي هذا الاطار فان هذه المناطق تشكل دعما لبرنامج تعزيز التنويع الاقتصادي «تنفيذ» ، من خلال ما تتيحه من فرص لجذب استثمارات تخدم اولويات خطة التنمية الخمسية التاسعة (2016 – 2020) في مجالات الصناعات التحويلية والسياحة واللوجستيات والثروة السمكية والتعدين . وليس مصادفة ابدا ان الايام الاخيرة على سبيل المثال شهدت اقامة اكثر من مشروع كبير في المنطقة الحرة في صلالة ، وفي المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم . ومع نهاية خطة التنمية الخمسية التاسعة هذه فان هذه المشروعات تكون دخلت بالفعل الى دائرة الإنتاج ، وهو ما يصب في صالح استراتيجية الرؤية المستقبلية (عمان 2040) التي يجري الإعداد لها الآن .
*ثانيا : انه في الوقت الذي تساعد فيه المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة في الاستفادة بالموقع الاستراتيجي للسلطنة ، وبما يساعد على تحقيق هدف تحويل السلطنة الى مركز إقليمي لوجستي حيوي ، ومؤثر في حركة التجارة والترانزيت بين منطقة الخليج والعالم من حولها ، فإن حكومة حضرة صاحب الجلالة تحرص على استكمال شبكة الطرق البرية ، وتطوير الموانئ البحرية ، وإنشاء اكثر من ميناء بري ( ميناء جاف ) في المزيزنة وجنوب الباطنة ، مع تطوير شبكة المطارات الداخلية ، والبدء في انشاء شبكة السكك الحديدية ، وهو ما يخدم حركة النقل والتجارة ، سواء على المستوى الداخلي ، أو على مستوى التجارة الإقليمية ومع الدول الأخرى ، وهو ما يعزز النشاط الاقتصادي ، ويزيد من تفاعل الاقتصاد العماني مع تطورات الاقتصاد الإقليمي والدولي ، ومن ثم يسهم في زيادة وزن البدائل الأخرى للحد من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للعائدات الحكومية . من جانب آخر فان مؤتمر «عمان للمناطق الاقتصادية والحرة 2018» الذي عقد الأسبوع الماضي شهد تدشين الدليل الترويجي «عمان 2018» من أجل إعطاء دفعة لتعريف المستثمرين بما تقدمه المناطق الصناعية والاقتصادية والحرة في السلطنة من مزايا وتسهيلات للمستثمرين ، كما ألقى المؤتمر الكثير من الضوء على الفرص الاستثمارية المتاحة ، والمناخ الاستثماري الجاذب ، الذي تتمتع به السلطنة . وبينما تشهد المنطقة الحرة في صحار نشاطا كبيرا ومتزايدا ، فإن المنطقة الحرة في المزيونة ، على الحدود بين السلطنة والجمهورية اليمنية الشقيقة ، تشهد بدورها زخما كبيرا ، خاصة بعد لقاء معالي الدكتور على بن مسعود السنيدي وزير التجارة والصناعة مع المستثمرين في المنطقة الحرة بالمزيونة ، خلال زيارته لها قبل ايام ، حيث تم بحث الفرص الاستثمارية في المنطقة الحرة في المزيونة ، وتذليل أية عقبات او صعوبات تواجه المستثمرين خاصة وانه تم توطين نحو 160 مشروعا فيها حتى نهاية العام الماضي وهو ما سيحقق نقلة نوعية لعمليات الاستيراد والتصدير في المزيونة . وعلى ذلك تتكامل أنشطة المناطق الصناعية والاقتصادية والحرة في النهاية ، كل بطريقته وأساليبه ونظمه المحددة والمعلنة ايضا ، في دفع جهود التنمية وتحقيق درجة اعلى من التشغيل للاقتصاد الوطني ، وتمكينه من جذب تقنيات إنتاج متطورة ، تمهيدا لتوطينها ، ان امكن ، ومن ثم خدمة أهداف التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة .