أداة مهمة لتعزيز التنمية

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

تعتبر المناطق الحرة وسيلة اقتصادية تستخدمها الدول بهدف جذب وتحفيز المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يعود على تلك الدول بفوائد متعددة، فيما تلعب المشروعات الصناعية والخدمية التي تقام في تلك المناطق دورا رياديا في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي توفير فرص العمل، بجانب إحلال الواردات القادمة من الخارج.
ومن هذا المنطلق بادرت السلطنة في بداية الثمانينات من القرن الماضي في عام 1983 بإنشاء أول منطقة صناعية وذلك تحت مسمى «هيئة منطقة الرسيل الصناعية». وتكتظ هذه المنطقة الآن بمئات من المصانع المنتجة لمختلف السلع والمنتجات التي تقوم بتصدير جزء منها إلى الخارج بجانب توزيعها في الأسواق الداخلية، الأمر الذي أدى إلى زيادة مساحاتها في كل مرحلة من مراحلها المختلفة، لتضطر الهيئة اليوم الى تكسير مساحات من الجبال التي تحيط بهذه المنطقة ، بهدف تلبية طلبات الصناعيين العمانيين والمستثمرين الأجانب.
كما يأتي الاهتمام بإنشاء المناطق الصناعية والمناطق الاقتصادية الحرة بهدف تحقيق المزيد من أهداف التنمية الاقتصادية بعيدة المدى والمتمثلة في العمل على تنويع مصادر الدخل القومي، وإيجاد بيئة أعمال ملائمة في السلطنة، بالاضافة إلى خلق فرص عمل للمواطنين، واستغلال المواد الخام المحلية وتعزيز الاستثمارات المشتركة مع الدول الشقيقة والصديقة. وقد ارتبط ظهور المناطق الحرة بتوسع حركة التجارة منذ القدم ، حيث توسعت أنشطتها وتعددت أشكالها بتطور التجارة الدولية وبخاصة تلك التي شهدها العالم في العقود الأخيرة من القرن الماضي. وحيث إن السلطنة تتمتع اليوم بوجود تسع مناطق صناعية في عدد من المحافظات، بجانب إنشاء منطقة صناعية في مجال تقنية المعلومات، وهي واحة المعرفة مسقط، فإن ذلك تطلب إنشاء مؤسسة خاصة تعني بهذه المناطق، حيث تم في عام 1993 إنشاء المؤسسة العامة للمناطق الصناعية التي تعمل على تخطيط وإنشاء وإدارة وتنمية تلك المناطق وتوفير متطلبات الصناعيين والمستثمرين من خدمات البنية الأساسية كالكهرباء والمياه والغاز وشبكات الطرق المعبدة والاتصالات والبريد والصرف الصحي، بالإضافة إلى القيام بحملات الترويج والتسويق للمنتجات الصناعية الوطنية، وتنظيم فعاليات توعوية وتدريبية للعاملين في تلك المناطق. ولتحقيق مزيد من النجاحات للصناعيين فقد تم تأسيس مركز الابتكار الصناعي في منطقة الرسيل الصناعية ، يقوم بإجراء الدراسات والبحوث الصناعية، وتقديم الاستشارات الفنية ووضع الحلول لتطوير المنتجات ورفع جودتها وخفض تكلفتها، بالإضافة إلى تحديد المشاكل والتحديات التي تواجه الصناعة، ومساعدة الصناعات الصغيرة والمتوسطة لتطوير منتجاتها. كما تعمل المؤسسة على مساعدة الشركات على الازدهار والنمو للمنافسة في الأسواق العالمية، وجعل السلطنة وجهة تجارية حيوية، وضمان المحافظة وإيجاد مناخ مناسب للأعمال الذي يعمل على جذب الاستثمارات. وتتمتع هذه المناطق بالإعفاء من ضـريبة الدخل ومن الضرائب الجمركية، حيث إن المنشــآت الصناعية معفاة من هذه الضرائب على استيراد الآلات والمعدات وقطع الغيار والمواد الخام الأولية والمواد نصف المصنعة ومواد التعبئـة والتغليف الداخلة في الإنتاج طوال فترة قيام المنشأة الصناعية، فيما يعمل بنك التنمية العماني على تقديم قروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى قيام وحدة تمويل الصادرات بالبنك بترويج الصادرات العمانية، ومساعدة المصانع للحصول على قروض من البنوك التجارية ضمن خطة الفائدة المدعومة.
لقد تمكنت السلطنة خلال العقود الأربعة الماضية من تحويل العوائد النفطية المتواضعة إلى هياكل اقتصادية واجتماعية متطورة توفر لها القواعد اللازمة للانطلاقة نحو تحقيق التنمية المستدامة. ومن هذه الهياكل تشكّل المناطق الصناعية والمناطق الحرة مقومات مهمة في العمل الاقتصادي والاستثماري، في الوقت الذي تتمتع فيه البلاد بمقومات طبيعية تساعد على تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي. فالموقع الجغرافي المتميز للسلطنة والمطل على ممرات بحرية دولية وإقليمية ساعد على إنشاء عدة مناطق اقتصادية وصناعية حرة على تلك البحار تتمثل في المنطقة الحرة في صلالة، وميناء صلالة، وميناء صحار الصناعي، والمنطقة الحرة في صحار، والمنطقة الحرة في المزيونة بجنوب السلطنة، والمنطقة الحرة في مسندم، بالإضافة إلى المنطقة الاقتصادية الحرة والحوض الجاف بمدينة الدقم، الأمر الذي ساعد على فتح مزيد من آفاق الاستثمار والتبادل التجاري الحر مع دول العالم. لقد شهدت السلطنة خلال السنوات الماضية ظهور هذه المناطق الاقتصادية والصناعية الحرة نتيجة لدورها الكبير في تنمية البلاد، وفي جذب وتوطين الاستثمارات ومواكبة التطورات المتسارعة في ميادين التنمية والتقنية والمعلوماتية، حيث يتم من خلال هذه المناطق استيراد البضائع الأجنبية وتخزينها وإعادة تصديرها، وممارسة الأعمال التجارية والصناعية في ظل إعفاء من الرسوم الجمركية والضرائب المقررة. وتسعى السلطنة من ذلك إلى التنويع الاقتصادي المرتكز على الصادرات والعمل على استغلال وتصنيع مواردها الطبيعية، وزيادة القيمة المضافة لهذه الموارد، والعمل على توقيع اتفاقيات لإنشاء بعض المشاريع الصناعية الكبرى بمشاركة رؤوس الأموال الأجنبية كما هو الحال اليوم بالمنطقة الاقتصادية بالدقم. كما تعمل أيضا على تنمية مصادر جديدة للدخل القومي تقف إلى جوار الإيرادات النفطية وتحل محلها في المستقبل.
فالمقومات التي أسستها السلطنة لتعزيز عمل هذه المناطق مشجعة بجانب ما وفرتها من أنظمة قانونية واسعة ومرنة، الأمر الذي يهيئها بأن تصبح دولة مصدرة وموقعاً مهماً بين دول العالم في مجال إعادة التصدير، خاصة وأنها ترتبط بعلاقات تجارية قوية مع عدد كبير من دول العالم ومع المنظمات الاقليمية والدولية. وجميع هذه المزايا تساعد السلطنة وتؤهلها بأن تكون محطة إقليمية عالمية لتجارة الترانزيت وخدمات التخزين والتوزيع والنقل في المنطقة والعالم. كما يهيئها بأن تستقطب مشاريع حيوية في مجال الخدمات اللوجستية وفي الصناعات والبتروكيماويات والصناعات الثقيلة وغيرها من الصناعات التي تساعد على التكامل الاقتصادي في المنطقة. إن المناطق الاقتصادية الحرة في العالم تمثل آلية فعالة تُستخدم لتعزيز القدرة التنافسية الصناعية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، ويرتبط نمو هذه المناطق أو فشلها في السياسات التي تتبعها والمتمثلة في عمليات التحفيز وطريقة التطوير والإدارة. فالمناطق الصناعية والحرة في السلطنة أصبحت اليوم تساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي. ووفقا للبيانات الأولية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات فقد بلغت مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي حتى نهاية سبتمبر 2017م نحو 1.883 مليار ريال عماني مقارنة بحوالي 1.684 مليار ريال عماني خلال الفترة نفسها من عام 2016 أي بنسبة نمو مقدارها 11.9%. وتمثّل مساهمة القطاع الصناعي حوالي 9.3% من إجمالي الناتج المحلي حتى نهاية سبتمبر من عام 2017.
إن تعزيز العمل بهذه المناطق الصناعية والاقتصادية يرتكز حاليا على توسعتها بصورة أكبر واستكمال متطلبات البنية الأساسية في عدد منها، بالاضافة إلى تسهيل مهام المستثمرين وتزويدها بالخدمات اللازمة لجذب المزيد من الاستثمارات الداخلية والخارجية، وتعزيز مكانتها على الخريطة العالمية كواحدة من أفضل الوجهات للاستثمار في المنطقة، الأمر الذي ساعد في الفترة الماضية على قيام عدد من الصناعات التحويلية والأنشطة التجارية والخدمية في تلك المناطق، فيما تواصل الشركات العاملة في تلك المناطق سعيها لتأسيس حضور لها على المستويين الإقليمي والدولي، والمشاركة في المنتديات الدولية للاطلاع على أفضل الممارسات بهدف تطوير أساليب العمل ورفع إسهام المناطق الصناعية والاقتصادية الحرة في الاقتصاد الوطني.