موقع منطقة الدقم من استراتيجية التنويع الاقتصادي

د. صلاح أبونار –

جاء انعقاد «مؤتمر عمان للمناطق الاقتصادية والحرة 2018» في الحادي عشر من أبريل ،خطوة جديدة في مسار الخطوات العمانية الهادفة الى تمهيد الطريق أمام انطلاقة جديدة في مسيرة التنمية العمانية.
تقع سياسات إنشاء المناطق الاقتصادية والحرة في قلب مسيرة التنويع الاقتصادي. وقد وعت عمان أهمية سياسات التنويع الاقتصادي بفعل عدة عوامل. وعيها بالتشوهات الحتمية المصاحبة للاعتماد على الريع النفطي، وإدراكها لمحدودية الموارد النفطية العمانية، وتبنيها لرؤية شاملة للنهضة انطلقت من وعيها بالمسار التاريخي العام المعاصر، وتراث دولة كان لها على امتداد تاريخها مكانتها الإقليمية البارزة وتراثها الحضاري العريق.
ووجد هذا الوعي صياغته الأوضح في تحديد «رؤية عمان 2020 لمستهدفاتها. في أعقاب سردها لتحديات التنمية العمانية، حددت الرؤية المستهدفات التالية: تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، وإعادة تشكيل دور الدولة الاقتصادي وتشجيع مساهمة القطاع الخاص، وتنويع القاعدة الاقتصادية ومصادر الدخل القومي، وعولمة الاقتصاد العماني، ومواصلة جهود التنمية الإنسانية وتطوير مهارات قوة العمل العمانية. وبرصدها سنلاحظ أن اثنين منها يتعلقان مباشرة بالتنويع، وسنلاحظ ان هدفي الاستقرار المالي والاقتصادي وعولمة الاقتصاد يتقاطعان جذريا مع هدف التنويع. ثم جاءت خطة التنمية التاسعة 2016 – 2020، التي انطلقت في مناخ انخفاص أسعار النفط من أواخر 2014، لتدفع بهدف التنويع الى أقصى صياغاته تبلورا بإطلاقها البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي « تنفيذ»، والذي بلورته وثيقتان ملحقتان بها. يهمنا من الطرح جانبان: يتعلق الأول بتحديده للعوامل الدافعة للتنويع. بخلاف عامل تقلبات وتراجع أسعار النفط، طرحت الخطة ثلاثة عوامل أخرى. أولها سلبيات نمط النمو المعتمد أساسا على الريع النفطي، واهمها تركز مصادر الدخل في سلعة واحدة لا تسيطر على تسعيرها الإرادة الوطنية، وتركز النمو الاقتصادي خارج النفط على سلع غير قابلة للتصدير مثل مواد التشييد، وميل مزمن لاجتذاب أيد عاملة وافدة رخيصة وغير مؤهلة يصاحبه قدر من عدم الاهتمام الكافي بالقوى العاملة الوطنية. وثانيها التحدي الديموغرافي. بافتراض بقاء نسبة الوافدين على ما هم عليه الآن 44.5%، سوف يرتفع عدد السكان من 4.3 مليون نسمة عام 2016 إلى 5.8 مليون عام 2040 بافتراض معدل خصوبة منخفض، والى 8.1 مليون بافتراض المعدل المرتفع. وثالثها البروز الشبابي الناتج عن زيادة معدل المواليد، بما يصاحبه من زيادة التدفقات الى سوق العمل في ظل تراجع قدرة الدولة على التشغيل.
ويتعلق الجانب الثاني بتحديد الوثيقتين لما دعتهم بالقطاعات الاقتصادية الخمسة الواعدة. تحددت القطاعات وفقا لأربعة معايير: القدرة على توفير فرص العمل للقوى العاملة الوطنية، والتنافسية العالية، والقابلية للنمو المستدام، والقدرة علي تعزيز القطاعات الأخرى. ووفقا لهذه المعايير تحددت خمسة قطاعات ركزت عليها الخطة التاسعة، وهي الصناعات التحويلية، والنقل والخدمات اللوجستية،والسياحة، والثروة السمكية، والتعدين. وبالنظر إلى نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي كما أوردتها الوثيقتان عام 2016، يقف قطاعي الصناعات التحولية والخدمات اللوجستية على القمة، بنسبة 9.8% و6.2% على التوالي. وفي الوسط السياحة بنسبه 3% ، تليها الثروة السمكية والتعدين بنسبة 0.5% و 0.4% على التوالي.
ظهرت سياسة المناطق الاقتصادية الحرة عام 1992 تاريخ بدايات منطقة صحار. لكن من السهل رصد الوحدة العضوية بين مفهوم القطاعات الخمسة الواعدة، والتصور الاقتصادي المكتمل للمناطق الاقتصادية الحرة. اطلق المخطط العماني اربع مناطق اقتصادية: صحار والدقم وصلالة والمزيونة. والثلاثة الأولى تتشكل حول موانئ، تغطي عبر تتابعها الجزء الأكبر من شاطئ عمان ، من صحار شمالا الى صلالة جنوبا. بينما الرابعة في الداخل قرب الحدود اليمنية. خطط للمناطق الاقتصادية الثلاثة من اجل تحقيق ثلاث وظائف اقتصادية؛الأولى أن تصبح موضعا لاستقبال التجارة البحرية، وممرا لقوافلها القادمة من شرق آسيا وشبه القارة الهندية ودول الخليج. ومن خلال تلك الوظيفة تقدم خدمات لوجستية، عبر توفير الوقود وأحواض صيانة السفن ومخازن السلع الخادمة لأنشطة إعادة التوزيع، وبقية التسهيلات الاقتصادية والخدمات الاقتصادية. والثانية أن تصبح مقرا لتجمع الأنشطة الأربعة الأخرى. فلقد صممت نظمها الخاصة بالملكية والنسب الملزمة لتشغيل العمانيين والضرائب والجمارك وتحويل الأرباح، وزودت بنظم حديثة للإدارة الاقتصادية، وبنية أساسية من الطرق الداخلية والخارجية ومصادر الطاقة والمرافق والخدمات الأساسية، بما يجعلها مهيأة لاجتذاب الاستثمارات الخارجية والداخلية في الصناعة والسياحة وصيد الأسماك والتعدين، والثالثة ان تدخل في علاقة تكامل مع إنتاج النفط العماني، عبر تأسيس مصفاتين للبترول في الدقم وصحار ومحطة لإسالة الغاز الطبيعي في صلالة، وسلسلة من الصناعات البتروكيماوية تتكامل مع أنشطة التكرير والإسالة.
تقف منطقة الدقم الاقتصادية على قمة المناطق الاقتصادية الحرة.وتستمد أهميتها من موقعها الجغرافي المتميز الذي يوفر لها إمكانيات تواصل بحري اقتصادية ومتعددة الوجهات، مع الخطوط البحرية القادمة من شرق آسيا. علاوة على إمكانياتها الطبيعية والموقع المتقدم الى منحته الدولة لها في مخططاتها التنموية.
إلا أن العامل الأهم الذي منح الدقم تلك المكانة، سنجده في نجاح المخطط العماني في الربط بين الدقم والدور الصيني الصاعد في الاقتصاد العالمي. لقد ساهمت ثلاثة عوامل في تحقيق هذا النجاح. اولها خصوصية العلاقات الاقتصادية بين عمان والصين، فمنذ عام 1997 اصبحت الصين ثالث اكبر مستورد للنفط العماني. ومن المتوقع تواصل نمو الطلب الصيني، ووفقا لدراسة منشورة عام 2011 تستهلك الصين 8 ملايين برميل يوميا، ومن المتوقع ان وصولها الى 16 مليون برميل يوميا خلال العقدين التاليين. وثانيها نمو العلاقات التجارية بين الصين والشرق الاوسط. فيما بين 2000 و2009 ارتفعت صادرات الصين الى دول مجلس التعاون الخليجي، من 3.68 الى 31.25 بليون دولار، ووارداتها من 6.45 الى 29.45 بليون دولار.وثالثها إطلاق الصين لمبادرتها الاقتصادية الضخمة: حزام واحد طريق واحد. وتسعى الصين من خلال هذه المبادرة الى توسيع وتعميق علاقاتها التجارية مع العالم الخارجي، عبر استثمارات مكثفة في الموانئ والطرق البرية والحديدية والتسهيلات اللوجستية وأنابيب البترول ومصانع توليد الطاقة، على امتداد ستة ممرات تجارية تربطها بآسيا وأوراسيا وأوروبا والشرق الاوسط وافريقيا، وتعبر اكثر من 60 دولة وصل إجمالي تجارتها معها عام 2016 الى 953 بليون دولار، وتستلهم خبرة طريق الحرير القديم.
كان مشروع الدقم احد مشاريع رؤية 2020، وهكذا انطلق مبكرا وفي توقت سابق على إطلاق المبادرة الصينية. وفي بدايته تولاه كونسورتيوم انتيورب البلجيكي، احد اكبر شركات تطوير الموانئ العالمية. ورغم انطلاق الجهد العماني في بناء بني المشروع التحتية، من طرق وسكك حديدية وامدادات المياه والكهرباء،لم تتمكن انتيورب لسنوات يفتقد من توفير رافعة اقتصادية استراتيجية للمشروع.وهذا هو النقص الذي عوضته مبادرة طريق واحد. اكتشفت المبادرة داخل الرؤية العمانية، إمكانية تأسيس ميناء بحري ومنطقة لوجستية واقتصادية، تشكل موقعا صالحا لتوطن منتجات معينة وتجميع اخرى، وموقعا استراتيجيا للخدمات البحرية والتخزين وإعادة التوزيع يربط ممراتها البحرية والبرية بالخليج وشرق افريقيا والشرق الاوسط عامة. وهكذا تقدم كونسورتيوم « عمان وان فانج » الصيني المكون من 6 شركات صينية خاصة، ليوفر الرافعة الدولية الاستراتيجية المنفذة للمشروع.
يحتل موقع الدقم 2000 كيلو متر مربع، ويمتد 90 كيلو مترا بمحاذاة الشاطئ، وسوف تصل تكلفته الى 10.7 بليون دولار. وتنتشر مدينته الصناعية على مساحة 260 كيلو مترا مربعا ، ستحتوي على معمل لتكرير البترول، ومجمع لصناعات البتروكيماويات، وآخر للصناعات السمكية، ومصانع لغاز الميثانول والانابيب وتجميع السيارات. ويحتوي الموقع على ميناء قادر على استقبال السفن والحاويات الضخمة، وحوض لإصلاح السفن،وتسهيلات لوجستية، وميناء صيد بحري، وأماكن لتخزين السلع واعدة توزيعها. ومطار، ومنطقة سياحية، ومدينة سكنية. علاوة على شبكة الطرق البرية والحديدية، التي تربطه ببقية أجزاء عمان ودول الخليج العربية.