فيسبوك ومخاوف المستقبل

أ.د.حسني نصر –
hosnin@gmail.com –

أثارت جلسة الاستماع التي عقدها مجلس الشيوخ الأمريكي الأسبوع الماضي لمؤسس وصاحب شبكة فيسبوك مارك زوكربيرج جدلا عالميا واسع النطاق ، ليس فقط حول مستقبل الشبكة ولكن أيضا حول مستقبل شبكات التواصل الاجتماعي ، خاصة وان هناك مخاوف متزايدة من أن تكون هذه الجلسات مقدمة لوضع تشريعات أمريكية تقيد حرية هذه الشبكات وتحد من حركتها، وهو ما يمكن أن يشجع دولا كثيرة في العالم علي اتباع النهج الأمريكي الجديد وتفريغ حرية الإنترنت ككل من محتواها.
والواقع أنني تابعت بقلق شديد، يشبه إلى حد كبير قلق الأمين العام للأمم المتحدة، وقائع الجلسة التي جمعت أعضاء اللجنتين القضائية والتجارية بمجلس الشيوخ، وجاءت ردا على فشل فيسبوك في منع تسريب بيانات مستخدميه عبر إحدى شركات الاستشارات السياسية أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة التي انتهت بفوز دونالد ترامب بالرئاسة. مبعث هذا القلق لم يكن فقط يتعلق بقضايا الخصوصية التي كانت الدافع الرئيس لتحرك مجلس الشيوخ، ولكن للقضايا الأخرى الخطيرة التي أثارها أعضاء المجلس والتي يمكن أن تقود السلطة التشريعية الأمريكية إلي سن قوانين جديدة تحد من حرية هذه الشبكات بدعوى عدم قدرة هذه الشبكات على تنظيم نفسها وحماية مستخدميها.
و بالعودة إلى اصل الحكاية فإن الأمر في تقديري لم يكن يستحق كل هذا الصخب كونه يتعلق ببيانات نحو 87 مليونا من مستخدمي فيسبوك قامت الشركة المرتبطة بحملة ترامب الانتخابية بالحصول عليها واستغلالها في الدعاية السياسية له. ويتركز غالبية الذين سربت بياناتهم في الولايات المتحدة، مع أعداد قليلة في دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى منها الهند والفلبين وإندونيسيا والبرازيل وأستراليا وفيتنام والمكسيك وكندا. والشاهد هنا أن عدد مستخدمي فيسبوك في العالم ربما يتجاوز المليارين مستخدم، لم تتسرب بياناتهم، ولا يعرف احد منهم ماذا تفعل الشبكة ببياناتهم وكيف تستغلها في التسويق التجاري والسياسي، ولولا أن الأمر يرتبط بصخب مماثل يتعلق بسلامة العملية الانتخابية الأمريكية الأخيرة ومزاعم التدخل الروسي فيها لما اهتم احد بتسريب بيانات هذه النسبة البسيطة من المستخدمين.
الدليل على أن الأمر يتجاوز مسألة الخصوصية المزعومة التي تحرك الكونجرس بموجبها أن أسئلة النواب لم تقتصر على واقعة تسريب بيانات المستخدمين من جانب طرف ثالث وفشل فيسبوك في الحفاظ على هذه البيانات، وتجاوزت ذلك إلى مسائل تمس حرية التعبير وحريات شبكات التواصل الاجتماعي بوجه عام، مثل نشر الأخبار الكاذبة والتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عبر استخدام هذه الشبكات، بالإضافة إلى التمييز في النشر الذي تمارسه فيسبوك ضد وسائل الإعلام المحافظة الموالية للحزب الجمهوري، وهو حزب الرئيس والحزب المسيطر في الكونجرس. فقد ركز الشيوخ من الحزب الديمقراطي على سوء استغلال منصة فيسبوك من جانب الروس خلال الانتخابات الرئاسية. واعترف زوكربيرغ بأن محاولاتهم لمنع ذلك كانت بطيئة، وأن ذلك كان من اكبر أخطائهم، مؤكدا أن الشبكة تستخدم حاليا خوارزميات تكشف الأنشطة المشبوهة وتم استخدامها لضمان عدم استغلال فيسبوك في انتخابات فرنسا وإيطاليا. في المقابل ركز الشيوخ من الحزب الجمهوري على ما زعموا انه انحياز من فيسبوك لوسائل الإعلام الموالية للحزب الديمقراطي، والتمييز ضد مثيلاتها الموالية للجمهوريين، وفرض رقابة علي المحتوى المنشور على الشبكة من المحافظين ومؤيدي الرئيس ترامب. ورغم تأكيد زوكربيرغ أن فيسبوك هو منصة لكل الأفكار، فإن غضب المحافظين عليه لن ينتهي دون ثمن قد تدفعه الشبكة والشبكات المماثلة.
والواقع أن توسيع نطاق الاستماع ليتناول قضايا ذات طابع حزبي يجعلنا نتخوف من أن تكون جلسة الاستماع معدة خصيصا لتهيئة الساحة لإصدار تشريعات تحد من حرية الإعلام الجديد بوجه عام والإعلام الاجتماعي على وجه الخصوص. من حق النواب أن يشككوا في قدرة فيسبوك وشبكات التواصل الأخرى على الحفاظ على خصوصية المستخدمين، كما أن من حقهم أن يلوموا الشركة على خداع المستخدمين بعدم إبلاغهم بأن معلوماتهم قد تم تسريبها من جانب احد الباحثين وبيعها إلي شركة كامبريدج اناليتكا، رغم أنها علمت بذلك منذ العام 2015، ولكن الأمر في مجلس الشيوخ تعدى حاجز التشكيك إلى التهديد بتمرير قوانين تنظم عمل هذه الشبكات. ولعل اكثر ما يثير القلق أن رئيس لجنة التجارة بمجلس الشيوخ التي دعت إلى جلسة الاستماع اكد انه سيدعم إصدار تشريع خاص بشركات الإنترنت بعد فشل هذه الشركات في تنظيم انفسها، وهو نفسه ما عبر عنه تقريبا رئيس اللجنة القضائية بقوله إن على شركات التقنية مسؤولية لحماية مستخدميها وان الوضع الراهن يؤكد انه لم تقم بمسؤولياتها، ولعل هذا ما يفتح الباب أمام صدور تشريعات تنظم عمل هذه الشركات وشبكاتها وتحد بالضرورة من حريتها.
لقد علمتنا دروس التاريخ أن ظهور وسيلة إعلام جديدة يثير على الفور رغبة السلطات في تقييد حريتها بما في ذلك حرية التنظيم والعمل وحرية الجماهير في استخدام هذه الوسيلة الجديدة. ومثلما الحال في وسائل الإعلام التقليدية فإن تطور الحريات الجديدة التي رسختها وسائل الإعلام الاجتماعي الجديدة تواجه بموجة من الانتقادات تصل إلى حد الرعب الأخلاقي وإجراءات عقابية شديدة. فالإمكانات الاتصالية التي وفرتها هذه الوسائل ينظر إليها على أنها تهديد للنخب السياسية التي تشعر أنها تتعرض لهجوم من جانب هذا التدفق المعلوماتي المستمر الذي لا يتوقف. فعندما تساعد الوسائل الجديدة الناس على مد حدود حرياتهم فإن القلق يحل محل الشك، وعلى الفور تتجه السلطات إلى التحكم في هذه الوسيلة الجديدة، وتبدأ في اتخاذ الإجراءات التي تستهدف التحكم في الكلمات والصور والسيطرة على الخطر الجديد الذي تمثله. وبينما تطور وسائل الإعلام الجديدة من قدرات الناس على التعبير، فإن تطورها هي نفسها يكون مصحوبا بفرض قيود وضوابط جديدة على حرية التعبير. والمؤكد أن تطور وسائل الإعلام الاجتماعي بوجه عام تقدم موقفا مماثلا تقريبا لما كان عليه الحال بعد اختراع الطباعة وظهور الصحف الشعبية في أوروبا. ففي دول كثيرة تبدو اتجاهات النخب السياسية المعاصرة نحو الوسائل الإعلامية الجديدة مماثلاً لموقف نظرائهم التاريخيين خاصة على صعيد وضع وتفعيل قوانين وإجراءات قمعية مانعة ضد الوسائل الجديدة.
صحيح أن زوكربيرغ وفيسبوك قد اجتازا امتحان مجلس الشيوخ ونجح في تأمين موقعه في البورصات العالمية بل وارتفعت قيمة اسهم الشركة فور انتهاء الجلسة، ولكن من يدري ما قد تخبئه الأيام لمستقبل هذه الشبكة. قد يظن البعض أن وضع قيود على شركات الإنترنت وشبكات الإعلام الاجتماعي في الولايات المتحدة أمر لا يعنينا في شيء، والحقيقة خلاف ذلك، فما قد يتخذه الكونجرس الأمريكي من إجراءات أو ما قد يصدره من قوانين خاصة بالإنترنت، سوف يكون له صدى مسموع في كل أنحاء العالم، وتبعات قد ندفعها نحن كمستخدمين لهذه الشبكات، ويكفي انه سوف يشجع حكومات كثيرة في العالم علي سن قوانين مماثلة قد تنتهي بتجريم استخدام هذه الوسائل الجديدة.