البنى الأساسية .. مساحة من العمل التنموي

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يأتي الحديث اليوم عن البنى الأساسية – وهي تشمل في احد جوانبها مجموعة المنشآت الضرورية التي تمكن الدولة من توفير الخدمات التي تقدمها للمجتمع – على اعتبارها أحد أهم المرتكزات التي تقوم عليها أية تجربة تنموية، فبدون هذه البنى الأساسية – والتي تسمى أيضا البنى التحتية – لا يكون لبرامج التنمية أي فعل على الواقع

وينظر؛ في هذه الحالة؛ الى المنظومة السياسية، على أنها منظومة جاءت لخدمة مجموعة قليلة من أفرادها، دون النظر الى القطاع العريض من الشعب في المساحة الجغرافية التي تديرها هذه المنظومة أو تلك، ومن هنا تشكل الـ «بنية الأساسية» أهمية بالغة،حيث تحرص الحكومات على تعددها، وعلى تنوعها، والحرص على تعزيزها بكل المقومات التي تعمل على ديمومتها، وبقائها، وقدرتها على تلبية احتياجات كل فرد يعيش في النطاق الجغرافي الذي توجد فيه هذه البنى الأساسية، بذات التنوع والتعدد، وانعكاسا لذلك تحرص الحكومات على وجود بنى أساسية صلبة ومرنة، ومتطورة ، وذلك من خلال الاستراتيجيات المحكمة زمنا، والمتضمنة برامج متعددة ومتنوعة، ولا تقتصر المسألة فقط على الجانب المادي في مفهوم الـ «بنية الأساسية» فهناك جوانب كثيرة تنضوي تحت هذا المسمى، لأن معززات الـ «بنية الأساسية» هي الأخرى تأخذ أبعادا معرفية كثيرة يأتي في مقدمتها: بنى أساسية مادية ملموسة، وأخرى فكرية تصوّب مسارات هذه البنى، وثالثة ثقافية تدخل في التنوع المنشود لمفهوم الـ «بنية الأساسية»، ورابعة سياسية تتعلق بالتقارب مع الآخر، ولذا فمفهوم الـ «بنية الأساسية» مفهوم شامل ومتقصي كل ورقة رابحة في مسيرة أية تنمية يعيشها بلد ما، ولذلك فواقع هذه البنى الأساسية تضع صاحب القرار في حالة استنفار دائمة، نظرا لكثير من المعوقات التي تعتري طريق مساراتها المختلفة، منها المادية «تمويلية» الرأس المال النقدي، ومنها ضعف الرأس المال البشري، أو الرأس المال الفكري، ولذلك ينظر الى التعليم على أنه المحرك الأساسي للبنى المعرفية، وما ينعكس ذلك على تحسين البنى الأساسية الأخرى واستدامتها، ومن هنا تحرص جل التجارب التنموية على تأصيل هذا الجانب لما له من مردود معرفي كبير وغزير، ويعول عليه في «تسمين» بقية رؤوس الأموال الأخرى.
لذلك يأتي رأس المال البشري في مقدمة الأبعاد الداعمة لقدرة البنى الأساسية على العطاء، فبلد عدد سكانه قليلون، سيواجه الكثير من التحديات في سبيل تعزيز الـ «بنية الأساسية» للدولة، ولعل معظم دول الخليج العربية تعاني من هذه الإشكالية، لقلة عدد سكانها نسبيا ، ولذلك تشهد حضورا مكثفا من العمالة الوافدة، يكاد يتوازى مع عدد المواطنين الأصليين في بعضها، وفي بعضها الآخر يتجاوز عدد المواطنين، وهذا؛ بلا شك؛ له آثار سلبية كثيرة ومتعددة على المدى البعيد، وفي مقدمتها خلخلة الواقع الديموغرافي للسكان، وهذا له أثره المباشر في مسألة تعضيد اللحمة الاجتماعية، وتحول العلاقة بين الوطن ومن فيه الى علاقة أخذ وعطاء فقط، بغض النظر عن استحقاقات الوطن من أبنائه، وهذه مسألة مهمة، ولها آثار سلبية على ديمومة البنى الأساسية؛ حاضرا ومستقبلا؛ وهذا ما يستلزم الحديث فيه عن مساهمة المجتمع المدني ودوره في تعزيز البنى الأساسية من خلال إشراك أفراد المجتمع المحلي في المساهمة المباشرة في البنى الأساسية، فهناك مجتمعات كثيرة نسمع عن كثير من أفرادها في جوانب تبني مشاريع تنموية على قدر كبير من الأهمية، في قطاعات تنموية مهمة، كقطاعات: التعليم والصحة، والخدمات الاجتماعية والثقافية، تأتي هذه المبادرات من أبناء المجتمع هكذا دون مقابل، وذلك استشعارا من هذا المواطن المخلص بأهمية الوطن الذي يعيش فيه، وردا منه للجميل الذي يكرم الوطن به أبناءه، فهناك من ينشئ شارعا اسفلتيا، وهناك من ينشئ مدرسة متكاملة، وهناك من ينشئ مركزا صحيا بكامل مستلزماته الطبية، وهناك من يكفل عددا غير قليل من الأيتام، ومن ذوي الدخل المحدود، وقس على ذلك أمثلة كثيرة؛ نسمع عنها هنا او هناك، وهذا يعكس شعورا جميلا من قبل هذا المواطن الذي يرى في وطنه وأرضه مساحة ممتدة من العطاء.

تحرص كثير من التجارب التنموية على توزيع الثقل الديموغرافي على امتداد المساحة الجغرافية التي يحتلها الوطن، وذلك من خلال وجود مؤسسات خدمية في كافة المحافظات والولايات، حسب المسمى في التقسيم الإداري في كل تجربة تنموية على حدة، ويكون لهذه المؤسسات القدرة على استيعاب مجموعة الموظفين، وذلك للتخفيف من تكدس المؤسسات الحكومية في العاصمة فقط، واضطرار الناس الى ترك قراهم، وتكلفهم العيش في المدن الكبيرة لتوفر مجالات العمل فيها بصورة أكثر وأكبر، فمثل هذه التوجه، ينظر إليه على أنه الأجدى في تعزيز الـ «بنية الأساسية» لأنه مع وجود أعداد من السكان يستلزم الأمر وجود بنى أساسية قادرة على تلبية متطلبات هذه الأعداد من السكان، وفي الوقت نفسه عدم تركزها على جانب جغرافي معين من مساحة الوطن ككل، وفي هذا التوزيع الشامل للمؤسسات الخدمية، ينعكس ذلك إيجابا على قدرة البنى الأساسية في تقديم خدماتها للناس في شمولية متكاملة، وبالمقابل تكون صورة التنمية في الوطن ككل صورة حيوية ديناميكية، تعيش ازدهارا مستمرا، وبازدهارها هذا تحافظ على استقرار السكان واهتمامهم بمدنهم وبقراهم، وحرصهم أكثر على تنميتها وجعلها منافسة في تعزيز هذه البنى للمدن والقرى الأخرى في الوطن الواحد، وهذا بدوره يحفز بعض المؤسسات الخدمية مثل البلديات لأن تتبنى برامج مختلفة تحفز من خلالها السكان على الأخذ بها وتوظيفها على الواقع، وما مسابقة البلديات، هنا في السلطنة، المقامة كل عام إلا مثال على ذلك، وإن كانت هذه المسابقة تحتاج الى إعادة النظر فيها، لتكرار برامجها كل هذه السنوات، خاصة اليوم بعد وجود المجالس البلدية – والتي من المفترض أن تأتي بأفكار تطورية جديدة – تضيف أبعادا معرفية سواء لهذه المسابقة أو تبنيها مسابقات مغايرة، او برامج أكثر حيوية ونشاطا لمجموع السكان في كل ولاية على حدة.

والبنى الأساسية حالها كحال أي نشاط إنساني يمر بمراحل عمرية متدرجة، حيث تخضع للمراحل التي تمر بها التجارب التنموية، فهناك بنى أساسية ناشئة؛ حيث تحتاج الى كثير من التصويبات والتعزيزات؛ وأخرى فاعلة؛ حيث تعيشها شبابها الأول؛ وثالثة هرمة؛ حيث تحتاج الى كثير من التغيير، وإعادة النظر في برامجها، وسياسات تنفيذها، وهي في احوالها الثلاث، تخضع للسياسة العامة للتنمية في أي بلد، مع الأخذ في الاعتبار مجموعة التحديات التي تواجه برامج التنمية بشكل عام، وهي التي تم الإشارة إلى بعضها أعلاه، ومن هنا يستلزم أكثر فتح قنوات التواصل مع الجمهور العريض للاستفادة من الأفكار الإبداعية التي ينادي بها هذا الجمهور، وهذا يستلزم حيوية التعاطي بين المؤسسات الخدمية، وبين جمهورها العريض، وعدم الانكفاء فقط على الأفكار المحدودة التي عادة ما تكون مربوطة بأفكار الخطط القديمة الموضوعة منذ فترات زمنية سابقة مر عليها حين من الدهر، فالحياة بطبيعتها متجددة ومتغيرة ومتفاعلة، مع الأخذ في الاعتبار المراجعة المستمرة لنتائج البرامج الجاري تنفيذها ومعالجة معوقاتها أولا بأول، مع القدرة على تغيير المسار وفقا لآنية الظرف المعيق للتنفيذ، وشباب اليوم يغبطون؛ حقيقة؛ على إبداعية الأفكار التي يحملونها، وذلك انعكاسا لمستوى الوعي الثقافي الذي وصلوا إليه، وفي تجربة السلطنة «محليا» تعكس مجموعة المسابقات التي تقام للشباب في مجالات البحث العلمي ، تعكس هذه القدرات الوطنية الشابة في مختلف المجالات، وهذه الفرصة لإعادة النظر في كثير من برامج البنى الأساسية الفاعلة في مسيرة التنمية في السلطنة.

أختم هنا؛ بدور التشريعات المتجددة في تعزيز مسارات البنى الأساسية، وهو دور على درجة كبيرة من الأهمية، فمتطلبات الواقع متجددة، وتشهد حراكا معرفيا أكبر عما هو معروف ومألوف، وطموحات أبناء المجتمع؛ قد يتجاوز؛ المراحل التي وصلتها مستويات؛ بعض؛ برامج التنمية، وبالتالي فإن لم تتواز التشريعات مع مستجدات الواقع، فذلك مدعاة الى وجود خلل ما في برامج الـ «بنية الأساسية» في أي مرحلة تنموية، وبالتالي هنا يأتي دور المجالس المنتخبة وغيرها ، وفي إطار مهامها ، في تقصي مثل هذه الفراغات في مسيرة التنمية، وملئها بتشريعات فاعلة وحديثة، وقادرة على تلبية متطلبات الواقع، لأن البنى الأساسية؛ كما جاء الذكر من خلال المناقشة؛ وجدت لتبقى وتستمر بفاعلية تكاد تتجاوز طموحات أبناء المجتمع، وذلك بحيوية الأفكار التي تعكسها على أرض الواقع.