الأديب البرازيلي الشهير ادواردو كارفالو: الإنترنت أفقر الأدب والأذواق

ليبزج ـ «د ب أ»: يؤكد الأديب البرازيلي الشهير برناردو كارفالو أن الإنترنت أسهم في ظهور جيل جديد من القراء، كان لهم تأثير كبير سواء على الكتاب أو على دور النشر، ومع ذلك لا ينظر بشكل إيجابي لهذه الظاهرة وأبعادها. مؤلف روايات «تسع ليال» و«مونجوليا» و«الانحراف»، شارك مؤخرا في معرض ليبزج للكتاب بألمانيا، من أجل الترويج للشعر والأدب الناطق بالبرتغالية. وبهذه المناسبة أجرت وكالة الأنباء الألمانية(د ب أ) معه هذه المقابلة، التي أوضح خلالها وجهة نظره حول مدى قوة تأثير الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي على الأدب والثقافة والفكر.

(د ب أ): هل أدى الإنترنت إلى خلق نمط جديد من القراء؟
كارفالو: نعم بكل تأكيد. توجد الآن حركة ما لاتحاد قراء الإنترنت، تمارس ضغطا على الكتاب لكي يكتبوا ما يريد هؤلاء قراءته. تشهد البرازيل في الوقت الراهن تراجعا كبيرا في حركة النقد، ومن ثم فإن تأثير أي نقد أدبي لعمل ما لم يعد مؤثرا على الإطلاق في نسبة المبيعات. أما إذا كنت مدونا، وتقوم بعمل مقاطع مصورة جالسا على مقعد في منزلك، تستعرض فيه الكتاب قائلا «هذا كتاب جيد»، أو «هذا كتاب سيء»، فإن هذه الشهادة سوف تكون حاسمة في نجاح أو فشل العمل. إنها ظاهرة تحيلني إلى منظومة تروس لا تحدث ضجيجا، ولا تعلق أبدا، ولا تطفو أبدا. نحن بصدد قارئ يخدم سوقا يستغله، لأنه بطبيعة الحال، كل ما يهم دور النشر هو إصدار أعمال تلقى قبولا عند القراء لتحقيق الرواج المنشود. بالنسبة لي، لست مهتما بهذه النوعية من القراء.

(د ب أ): هل هو نوع من استبداد القراء؟
كارفالو: أتصور أن هذا صحيح، وتقع المسؤولية على الإنترنت.

(د ب أ): ولكن الكثيرين يؤكدون أن الإنترنت مفرط الوصول إلى الكثير من الأمور.
كارفالو: نعم، قد يكون هذا صحيحا. إلا أن هذه الديمقراطية لا تعنيني. أنا مع الديمقراطية، ولكن ليس ديمقراطية هيمنة الأغلبية، اهتمامي منصب على الأقلية. والأدب بالنسبة لي، الأدب الجيد، هو ما يسير عكس التيار السائد، ولهذا فهو دائم الاستثناء وليس القاعدة. ومشكلة الإنترنت أنه ينحى إلى التنميط، أما إذا كنت الاستثناء، فلن يراك الناس مطلقا على المواقع، لاستحالة البحث عنك. عندما أتصفح الإنترنت لا أبحث عما لا أعرفه، بل عما أعرفه.

(د ب أ): لو لم يوجد الإنترنت أين كنت ستجد الأشياء الجديدة والغريبة؟
كارفالو: عثرت على الكثير من الأشياء التي كانت مجهولة بالنسبة لي بالصدفة. أحيانا أدخل مكتبة، فأعثر على كتاب ما كان يمكن أن يخطر على بالي مطلقا اقتناؤه، وحين أطالع الغلاف، وأجد عنوانا شيقا، يجذب انتباهي، أبدأ في قراءته من على رف المكتبة. هذه هي وظيفة المكتبات الصغيرة بالحي. ويسعدني اقتناء كتب منها، لأن هذا يفتح أمامي عالما كان قبل ذلك مجهولا تماما بالنسبة لي. لكن الإنترنت بالفعل له دور في نشر الديمقراطية، على سبيل المثال، بالنسبة لحركات المقاومة في دول مثل إيران، لم يكن لأحد أن يسمع بها أو لتمارس نشاطها لولا مواقع التواصل الاجتماعي. أما في الدول الديمقراطية الغربية، فتلعب هذه المواقع دورا يميل إلى تنميط الأدب وصبغه بصبغة موحدة، ولا يقتصر هذا الاتجاه على الأدب فحسب، بل يمتد للذوق العام نفسه. وهذا من وجهة نظري أفقر الأدب والكتابة التي أحب قراءتها.

(د ب أ): فكرة التعامل مع الأدب على أنه شيء استثنائي، هل يؤدي إلى جعله مقصورا على النخبة: أدب نخبوي؟
كارفالو: ربما. لكن هذا ما أعتقده بصدق: الأدب الجيد استثناء دائما، أينما كان. على سبيل المثال، نشرت مؤخرا في البرازيل مجموعة قصصية لجيوفاني مارتينش، شاب في الـ26 من عمره، نشأ وسط أحياء عشش الصفيح العشوائية في ريو دي جانيرو. بمبادرة شخصية ومن تلقاء نفسه بدأ يقرأ منذ طفولته واطلع على الكثير من الأعمال، ويبدو أنه موهوب بالفطرة، فبدأ يكتب قصصا بلغ مجموعها 13 قصة نشرت في مجموعة بعنوان «في رأسه الشمس»، تتميز بلغة فريدة تمزج بين أسلوب جيمس جويس صاحب البحث عن الزمن المفقود، ولغة سكان مدن الصفيح. ومن هنا تكمن صعوبة قراءتها، إلا أن قيمتها عظيمة، لأنها تطرح شكلا جديدا للغة الأدب في البرازيل، وهذا مذهل، وإنجاز رائع لأنه ارتقى بلغة الشوارع والمهمشين ليضعها في مصاف لغة الأعمال الكلاسيكية ولغة الخطاب الرسمي المهذبة التي تحظى بالاعتراف. كما تظهر تمكن الكاتب من أدواته على كل المستويات، وهذا يطرح سؤالا: هل يكتب مارتينش لرفاق محيطه المجتمعي؟ لا. وهذا مثير للدهشة، لأنه لا يكتب أيضا لسكان مدن الصفيح؛ وهذا يجعل منه استثناء؛ إنه حالة استثنائية، وهذا رائع وبشع في نفس الوقت.

(د ب أ): وهل تستطيع النخبة البرازيلية قراءته؟
كارفالو: لا، على عكس دول مثل الأرجنتين، المشكلة في البرازيل أن النخبة غير مثقفة، سيئة التربية، فجة، وفظيعة. لا تزال الفكرة السائدة لديها: إذا كنت تعمل فأنت مستعبد، ومن ثم إذا كانت أسرتك ثرية متوافر لديها المال فلا حاجة لك بالتعليم. هذه المعتقدات راسخة ومتجذرة منذ القدم، ومن هذا المنطلق فالطبقة الميسورة الحال في البرازيل لا تقرأ. القراءة في البرازيل تقتصر على الطبقة الوسطى المتعلمة، وتمثل للأسف هامشا ضئيلا من المجتمع، مقارنة بكثافة تعداد سكان بلد ضخم مثل البرازيل.

(د ب أ): بالحديث عن الوضع في البرازيل، سوف تشهد البلاد هذا العام انتخابات، فكيف ترى الموقف على ضوء ذلك؟
كارفالو: فظيع. الوضع كان خطيرا في البرازيل، والآن يسير من سيء إلى أسوأ. وهذا أدى إلى ازدياد نفوذ الكنيسة الإنجيلية على حساب دور الدولة. لو مشيت في ظل الكنيسة ودفعت المعلوم، في صورة ضرائب، فسوف تحصل على عمل، وخدمات صحية، كما سوف يحمونك من عصابات الجريمة المنظمة ومن الشرطة إذا لزم الأمر. أصبحت الكنيسة بمثابة دولة داخل الدولة، ولأنها منظومة شبه عائلية، فإن أفرادها يحمون بعضهم بعضا. أما إذا كنت من سكان مدن الصفيح العشوائية فإن فرصك سوف تكون محدودة للغاية، فأنت محصور بين سطوة عصابات الجريمة المنظمة والشرطة، والتي تمارس أيضا نشاطا إجراميا. تصبح ضائعا. ولهذا، فإن السلطة الفعلية في يدي الكنيسة الإنجيلية ومن ورائها الكاثوليكية، وهؤلاء يعتبرون دعاة الحقوق الفردية خصوما وأعداء لهم، ويضمون إليهم نشطاء الدفاع عن حقوق المرأة والمثليين، إلخ، وأنهم يمثلون أكبر خطر على البرازيل.

(د ب أ): توضح استطلاعات الرأي صعود أسهم جاير بولسونارو، مرشح اليمين.
كارفالو: نعم. ومع ذلك يردد الناس أنه من المستحيل فوزه. أتصور أن هذا غير صحيح، على العكس من الممكن جدا أن يفوز. إلا أن الخطر يكمن في أنه أثناء محاولة إغراء الأثرياء لكي يؤيدوه سوف يشكل حكومة غير متوازنة اقتصاديا، وفاشية سياسيا، مع احتمالات قوية لسيطرة الانجيليين على الكونجرس. ومن هنا أدرك مدى بشاعة ما يحدث، بسبب انتهازية النخبة الاقتصادية، التي على استعداد للاتفاق مع الفاشية الأكثر غشما واستبدادا.
ولد برناردو كارفالو عام 1960 في مدينة ريو دي جانيرو. بدأ مشواره كاتبا صحفيا، مما أتاح له العمل في الكثير من بقاع العالم، من منغوليا إلى سان بطرسبرج، ثم باريس ونيويورك، وقد استوحى الكثير من أحداث وتفاصيل أعماله الأدبية من أجواء هذه المناطق. وقد ترجمت أعماله إلى عشر لغات، وأهلته للحصول على العديد من الجوائز القيمة في إسبانيا وأمريكا اللاتينية.