مأساة الأطفال «المزدوجة» .. بين الحروب والإرهاب !

عماد عريان –

الأنباء الأخيرة عن مصرع ستة عشر طفلا خلال قصف تعرضت له مدينة أدلب السورية، وكذلك ما يتعرض له أطفال الغوطة منذ عدة أسابيع من مظاهر حياتية وإنسانية غير طبيعية، تضيف مزيدا من الخطورة والأهمية معا لتلك القضية، فحماية المدنيين في أوقات الحروب تمثل هدفا تاريخيا طالما سعت المنظمات والمؤسسات الدولية إلى تحقيقه منذ عقود عديدة، خاصة مع تطور القوانين الإنسانية والعمل الجماعي الدولي وصياغة الاتفاقات والمعاهدات العالمية لتحقيق هذا الهدف وتجنيب الأبرياء مخاطر الحروب وويلاتها..إلا أن كل الجهود الدولية في هذا الصدد سواء المرتبطة بالقانون الإنساني ومكافحة جرائم الحرب ومحاكمة المتورطين فيها، أو إقامة مناطق وممرات آمنة للمدنيين لم تحقق الهدف المنشود منها، وكثيرا ما كان المدنيون الأبرياء أبرز ضحايا تلك الحروب في صورة قتلى وجرحى ومشوهين ومشردين بالملايين، الأمر الذي بات يحتم البحث عن مقاربات جديدة وغير تقليدية لحماية المدنيين خلال الحروب والصراعات المسلحة وخاصة الأطفال منهم والذين تحول نحرهم إلى عار مقيم على صدور البشرية جمعاء منذ عقود ليست قليلة.
لقد بات الخطر الجسيم الذي يلاحق الأطفال في السنوات الأخيرة مزدوجا؛ خطر الحروب والمعارك وقذائف الطائرات والدبابات والصواريخ والمدافع، ومن ثم الموت أو التشرد في أتون الحروب المستعرة، وخطر الوقوع في براثن الجماعات الإرهابية والمتطرفة التي تستخدمهم وقودا متأججا ومتجددا في أغراضها الدنيئة،كما أصبحوا أهدافا أماميا في الصراعات حول العالم، فيتم استخدامهم كدروع بشرية ويتعرضون للقتل والتشويه والتجنيد لخوض الحروب، في حين أن الاغتصاب والزواج القسري والاختطاف والاستعباد أصبحت أساليب اعتيادية في مناطق الصراعات الإقليمية من أفغانستان الى نيجيريا وميانمار وغيرها، وإذا كانت الأحداث الجارية في الغوطة الشرقية هذه الأيام تكشف بجلاء عن المخاطر الجسيمة التي يتعرض لها المدنيون، والأطفال منهم على وجه الخصوص، فإن هناك أرقاما مخيفة عن تجنيد الأطفال في مناطق النزاعات المسلحة في كل أرجاء العالم، فالأطراف المتحاربة فيها لا تتردد في استعمال كل الوسائل للزج بأجيال المستقبل إلى جبهات القتال، وتكشف تقارير دولية أن الآلاف من الأطفال ما زالوا تحت رحمة جماعات مسلحة نشطة في مناطق الحروب بالشرق الأوسط، آلاف الأطفال خطفوا في العراق وأجبروا فيما بعد عنوة على المشاركة في القتال أو تعرضوا للاعتداء الجنسي،على حد تأكيد تلك التقارير.
ولا تقتصر عملية تجنيد الأطفال في مناطق النزاعات على التنظيمات المسلحة فحسب، بل هناك العديد من الأطراف التي تستغل الأطفال كوقود للحروب الدائرة في المنطقة، وهناك أطراف أخرى تقوم بتجنيد الأطفال لأغراض متعددة كلها دنيئة وغير إنسانية بالقطع، وبغض النظر عن الأرقام الصريحة والتي تشير إلى أن «داعش» هو التنظيم الأكثر استغلال للأطفال في حربه وأعماله الإرهابية، إلا إن تجنيد الأطفال بات ظاهرة لدى كل الفصائل المقاتلة في سوريا على سبيل المثال، واعتمادا على أساليب مختلفة تتركز بالأساس على استغلال الوازع الديني والخلافات المذهبية، فقد جند تنظيم «داعش» أكثر من أربعة آلاف طفل في سوريا منذ عام 2014، وقد قتل عدد هائل منهم في مختلف المعارك، كما استغل التنظيمُ الأطفالَ في تنفيذ العمليات الانتحارية بمناطق عدة من سوريا والعراق، وفي السياق ذاته قام تنظيم داعش ببث مقاطع فيديو وحشية تظهر أطفالا يقومون بتنفيذ عمليات إعدام في سوريا، وهي الصور التي يريد من خلالها التنظيم الإرهابي القول إن جيلا جديدا يتم إعداده وتنشئته ليقوم بالمهمة في حال تم القضاء على التنظيم عسكريا، وبالتالي فإن جيلا جديدا يتم تنشئته على الإيديولوجية التي يقوم عليها هذا التنظيم، ليصبح التحدي الأكبر بعدما تم طرد التنظيم من المناطق التي سيطر عليها ذلك الجيل الناشئ الذي تشبع بالإيديولوجية القتالية التي يتبناها «داعش».
ويتفق المراقبون على أن معظم التنظيمات المسلحة في مناطق حروب الشرق الأوسط تتبع أسلوب الترهيب والترغيب لتجنيد الأطفال في صفوفها، فالكل يلعب على الوتر الديني أو الطائفي أو القومي أو العرقي لاستمالة الأطفال إلى صفوفه، هذا إن لم يكن بالإكراه وكذلك بهدايا وإغراءات ورواتب تصل إلى أربعمائة دولار شهريا، وتلاحق المآسي الأطفال ضحايا الحروب حتى بعد نزوحهم أو لجوئهم إلى ديار أكثر أمنا، بل إن المخاطر تلاحقهم منذ الشروع في رحلة الهروب فيتعرضون لمآسي لا حصر لها، وحكايات الهجرة غير الشرعية وما يرتبط بها من فواجع وكوارث إنسانية لاتزال ملء السمع والبصر، من أطفال سوريا وحتى الروهينجا، وفي الوقت ذاته تؤكد تقارير دولية أن 85 % من أطفال اللاجئين السوريين على سبيل المثال يعيشون تحت خط الفقر، وأن الأسر السورية اللاجئة ذاتها تعاني من صعوبات متزايدة في تلبية احتياجاتها، بينما 94% من الأطفال السوريين ممن هم دون الخامسة ويعيشون في المجتمعات المضيفة يعانون من فقر متعدد الأبعاد، أي أنهم محرومون من الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية الخمسة وهي التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والحماية.
لقد أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أكثر من صيحة تحذير ودقت ناقوس الخطر مرارا وتكرارا في أكثر من مناسبة لإلقاء أضواء كثيفة على أبعاد ومخاطر تلك الظاهرة، وأوجزت المنظمة الأممية هذه المأساة بتأكيدها أن الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاعات بالعالم تعرضوا لهجمات واسعة على نطاق صادم العام الماضي 2017 ، مشيرة إلى أن المهاجمين انتهكوا بشكل فظ القوانين الدولية التي تهدف لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر حيث يتم استهداف الأطفال ويتم تعريضهم للهجمات وأعمال العنف في منازلهم ومدارسهم وملاعبهم، هذه الحقائق المخزية التي اعتبرت ما يتعرض له الأطفال من تفاقم الصراعات الشرق أوسطية وتأجج القتال خاصة في سوريا واليمن دفعت المنظمة الدولية إلى التأكيد على أنه لا يجب أن يصبح العالم فاقد الحس أمام هذه الهجمات، و» لا يمكن أن تصبح مثل هذه الوحشية أمرا اعتياديا « بعدما أصبح الملايين من الأطفال ضحايا غير مباشرين لمثل هذه الصراعات، حيث يعانون من سوء التغذية والأمراض المتنوعة والصدمات العصبية والنفسية، كما يتم حرمانهم من الخدمات الأساسية مثل الطعام والمياه والخدمات الصحية والصرف الصحي أو إلحاق الضرر بها وتدميرها، ومن ثم فتلك الظاهرة الخطيرة التي تستصرخ ضمير العالم على مستويات عدة تستوجب بالفعل مقاربات مختلفة وبرامج عمل دولية غير تقليدية وقوانين وإجراءات دولية عملية لإنقاذ أجيال المستقبل بعدما عجزت القوانين الدولية والمعاهدات الإنسانية القائمة عن توفير الحماية الكافية لهم وإنقاذهم من مخاطر الإرهاب والتطرف وجحيم الحروب والتشرد والحرمان على حد سواء.