سدح .. درة ظفار والمدينة الوادعة بين أحضان الجبال وبحر العرب

آثار تاريخية شاهدة على تاريخ عريق –
كتب – عامر بن غانم الرواس –
سدح أو كما يطلق عليها البعض «درة الشرق» هي تلك المدينة الوادعة بين أحضان الجبال المطلة على بحر العرب في الجنوب الشرقي من محافظة ظفار، وتبعد عن مدينة صلالة شرقاً حوالي 135كم، يتبعها إداريا كل من نيابة حاسك ومركز حدبين ومركز جوفاء. تبدأ حدودها الإدارية من وادي دكع بقرية صوب غرباً حتى نيابة حاسك شرقاً، ويحدها من الجنوب بحر العرب ومن الشمال سلسلة جبل سمحان، يبلغ عدد سكانها تقريبا 4585 نسمة.

وقد نالت ولاية سدح نصيبها من الخدمات التنموية خلال سنوات النهضة المباركة كغيرها من ولايات السلطنة تحت ظل القيادة الحكيمة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه وأمده بالصحة والعافية والعمر المديد – فمكتب الوالي بولاية سدح يعتبر السلطة المحلية والجهة الإشرافية على كافة الخدمات التي تقدمها الوحدات الحكومية المختلفة في الولاية للمواطنين، وكذلك يوجد بها مستشفى مزود بالأجهزة الطبية الحديثة والكوادر البشرية المدربة، بالإضافة إلى ثلاثة مراكز صحية في كل من صوب وحدبين وحاسك تقدم للمواطن الخدمات الطبية اللازمة، وفي الولاية تسع مدارس لجميع المراحل التعليمية المختلفة، حيث يوجد في مركز الولاية ثلاث مدارس مدرسة حلقة أولى (1-4) وأخرى للبنات (5-12) والثانية للبنين (5-12)، وفي منطقة صوب مدرسة واحدة مختلطة، وفي حاسك مدرستان، وكذلك في حدبين مدرستان، وفي مركز جوفاء مدرسة واحدة للبنين والبنات بنظام الفترتين وأخرى قيد الإنشاء، كما يوجد في ولاية سدح فروع لجميع الأجهزة الحكومية الأخرى التي تقدم الخدمات المرجوة لأبناء الولاية. وإن من أبرز المشاريع التنموية القادمة للولاية إنشاء مستشفى بمواصفات تؤهله لأن يكون مرجعا للمراكز الصحية الأخرى الموزعة على مراكز الولاية، وكذلك إنشاء مركزين للشرطة أحدهما في حاسك والآخر في مركز جوفاء ويعتبر رئيسيا يقدم للمواطنين كافة الخدمات. بالإضافة إلى إنشاء ميناء بحري للصيادين في ولاية سدح ومسلخ بلدي في نيابة حاسك.

بوابة عبور لأجود أنواع اللبان

وكانت سدح كغيرها من مدن الشريط الساحلي في ظفار محطة تجارية لتجميع وتصدير اللبان إلى الأسواق العالمية في العصور القديمة، وذلك عبر ميناءيها سدح وحاسك اللذين يتميزان بموقعهما الخاص الذي يشكل حماية طبيعية وملاذا للسفن من العواصف، وتقع ضمن حدود مدينة سدح منطقة حوجر التي تنتج أشجارها أجود أنواع اللبان على الإطلاق (اللبان الحوجري).

أشهر الآثار التاريخية

وتضم ولاية سدح بقايا مدن تاريخية موغلة في القدم كمدينة المحلة الأثرية التي تبعد عن مركز الولاية حوالي 7 كم، وكذلك مدينة حضبرم الواقعة في نيابة حاسك، كما يوجد في مركز الولاية حصن قديم، ويعتبر معلما أثريا يتمتع النمط العماني التقليدي للقلاع ذات الطابع المعماري المتميز الذي كان قديما يشكل درعا لحماية المدينة الصغيرة من الأخطار الخارجية، وإلى الشرق من سدح بحوالي 7 كيلومترات توجد مدينة «المحلة» الأثرية القديمة، كما يوجد بنيابة حاسك بقايا مدينة أثرية، بالإضافة إلى وجود ضريح النبي صالح بن هود عليه السلام بمنحدر جبل «نوس» شرق نيابة «حدبين».

العيون المائية تمد السكان طوال العام

وتتمتع ولاية سدح بشواطئ وخلجان ورؤوس بحرية، والكثير من عيون المياه التي تعد المصدر الرئيسي التي تغذي سكان الولاية بالمياه العذبة قبل إنشاء محطة تحلية المياه بالولاية، ومن هذه العيون (عين لجأ لشا بصوب، عين لجأ شليون بجوفاء، عين غيضت بحدبين)، وهي التي ما زالت تمد سكان تلك المناطق بالمياه العذبة على مدار العام.

سدح وجهة للسياحة الشتوية

وتتمتع ولاية سدح بمناخ معتدل طوال العام مما يجعل من شواطئها الجميلة وخلجانها الهادئة وأوديتها الحصباوية وجهة سياحية يقصدها الزوار من المحافظة وخارجها للنزهة والاستجمام، ولعل من أبرز العوامل الطبيعية التي ساهمت في اعتدال المناخ في الولاية إطلالها على مياه بحر العرب وامتداد سلسلة جبل سمحان بمحاذاة جهتها الشمالية؛ مما أدى إلى حجب الرياح الشمالية الجافة خاصة في فصل الشتاء. جاعلا منها منطقة دافئة وجهة مميزة صالحة للسياحة الشتوية. إلا إن تلك المقومات السياحية التي تتمتع به الولاية لا تلقى الاهتمام الكافي من قبل وزارة السياحة، حيث ينقصها الكثير من الخدمات السياحية.

محميات طبيعية

تقع في ولاية سدح أجزاء من محمية جبل سمحان الطبيعة التي تبلغ مساحتها 4500 كم2 تشتمل على عدد كبير من الأشجار والنباتات النادرة تأتي في مقدمتها شجرة اللبان، كما تزخر المحمية بوجود الكثير من الحيوانات البرية العاشبة -كـ(الوعل النوبي، الغزال، الوبر الصخري)- والمفترسة -كـ(النمر العربي، الذئب العربي، الوشق، الضبع المخطط)
جبل ناطف يجذب السياح طوال العام

جبل ناطف موقع عين ماء بولاية سدح وموقع العين امتداد لقمم جبل سمحان، وبالتحديد منطقه ناطف، ومعنى نطف هو تقطير الماء، ويتميز هذا الموقع باستمرار تساقط قطرات الماء منه طوال العام من الترسبات والتجمعات المائية الواضحة في قمته والغريب في الأمر أن الجبل كلما أصدرت صوتا أعلى أو صفقت تعمل على كثرة تساقط الماء من الجبل، مما يجذب السياح طوال العام لزيارة جبل ناطف الباكي، كما يطلق عليه الكثير من السياح بسبب تساقط قطرات الماء من الجبل طوال العام.

ثروات اقتصادية

وتعد الثروة الحيوانية والثروة البحرية من أهم الموارد الاقتصادية للولاية، فمعظم سكانها من مربي الماشية كـ(الماعز والإبل)، بالإضافة إلى نشاطاتهم البحرية المختلفة الموسمية منها والدائمة، وذلك لتنوع الثروة السمكية وثرائها وما تشكله من مردود اقتصادي جيد لأبناء الولاية مثل الصفيلح والشارخة (جراد البحر) وسمك السردين والأسماك الأخرى بأنواعها المختلفة القاعية منها والسطحية والزوكة : وهو حيوان رخوي يعيش داخل الصخور في الشواطئ الصخرية وبلح البحر البني (الفذك)، وهو نوع من أنواع الأصداف البحرية، وكان السمك والشارخة متوفرين بكميات هائلة في السنوات الماضية، حيث يمكن الاصطياد من أي مكان تشاء، وفي أي وقت تريد فالغالبية العظمى من أبناء الولاية يعيشون على المواسم البحرية.
وكان موسم الغوص في السبعينيات مفتوحا والعوامل الطبيعة هي من يحدد بداية الموسم وإغلاقه فلم يكن حينها للصفيلح سوقا رائجا فكانت تصدر فقط إلى دبي، حيث كان التجار يشترون عشرين حبة من الصفيلح بريال واحد فقط. واستمر هذا السعر حتى أعلن التاجر يحيى النقيب اليافعي عام 1987 أن الكيلو جرام الواحد من الصفيلح بـ16 ريالا، وهذا ما دفع بالتجار الآخرين إلى المنافسة حتى وصل السعر في العام نفسه إلى 50 ريالا للكيلو الواحد.
وأسباب انهيار مخزون الصفيلح وتراجع سعره في الوقت الراهن ترجع إلى ارتفاع الأسعار في السنوات الماضية وازدياد عدد الغواصين وانعدام الرقابة الذاتية والصيد الجائر هي العوامل الأساسية في تدهور مخزون الصفيلح.

صناعات وفنون

وتضم ولاية سدح عددا من الحرف والصناعات والفنون التقليدية تأتي في مقدمتها استخراج اللبان وجمعه، والصيد البحري ومن الصناعات التي يمارسها أبناء الولاية صناعة الأقفاص البحرية وصناعة شباك الصيد ودبغ الجلود واستخراج الجبس وصناعة السعفيات والأواني الفخارية والحياكة والتطريز. ومن أهم فنون ولاية سدح الهبوت والبرعة والدانادون والنانا والتغرود و النعي و الرقصات البحرية والدبرارت.
وتفتقر سدح إلى الأراضي الصالحة للزراعة، وذلك بحكم تركيبتها الجيولوجية المائلة إلى الانحدارات الحادة والارتفاعات الشاهقة.