وزير خارجية ألمانيا الجديد أكثر قربا لإسرائيل

سمير عواد –
سوف يشعر الفلسطينيون بالذات بالأسى لتنحي وزير الخارجية الألماني السابق، زيجمار جابرييل، عن منصبه، لصالح هايكو ماس، وزير العدل الذي أصبح الآن وزير خارجية ألمانيا في حكومة الائتلاف المسيحي – الاشتراكي التي تتزعمها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

فبحسب العديد من المراقبين من المتوقع أن ينهج ماس، سياسة تقارب تجاه إسرائيل ويتفادى انتقاد الممارسات الإسرائيلية بشكل مخالف تماما للنهج الناقد والجريء والذي كان فريدا من نوعه، والذي عمل به سلفه جابرييل، الذي رفض نتانياهو مرة الاجتماع به عندما زار إسرائيل ، لأنه انتقد ممارساتها تجاه الفلسطينيين ووصفها بالدولة العنصرية ، كما انه – جابرييل – التقى مع ممثلي منظمة إسرائيلية غير حكومية وناقدة للسياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
فقد زار وزير الخارجية الألماني الجديد، الذي ينتمي مثل جابرييل إلى الحزب الاشتراكي الألماني، والمعروف بأنه ينهج سياسة مؤيدة لإسرائيل أكثر من سائر الأحزاب الألمانية الأخرى، إسرائيل، حيث قام بأول زيارة لها بعد حصوله على منصبه الجديد. وهذا تقليد متبع، من قبل أبرز المسؤولين الألمان، الذين يقومون بعد تشكيل الحكومة الجديدة، بزيارة عواصم أهم الدول التي لألمانيا مسؤولية خاصة تجاهها، مثل فرنسا وبولندا ومن ضمنها إسرائيل التي تعتبر ألمانيا أن لها مسؤولية تاريخية نحوها بسبب «المحرقة»، وتتجاهل أن هذه العلاقة قائمة على حساب الشعب الفلسطيني، حيث إن ألمانيا قدمت وما زالت تقدم مساعدات هائلة لإسرائيل كي تظل موجودة على أرض فلسطين التي اغتصبتها في عام 1948.
لكن هذه العلاقة بالذات، والتي نشأت منذ عهد ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي وكونراد أدناور، أول مستشار ألماني بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وقامت على أساس، حصول إسرائيل على دعم عسكري ومالي وسياسي ما زال قائما حتى اليوم، بصفة «تعويضات عن المحرقة للضحايا وذرياتهم». ولم يخف الوزير «ماس» عزمه نهج سياسة تقارب مع إسرائيل ، أكثر من أي وزير سبقه في منصبه، عندما فاجأ الكثيرين بعبارة «إنني لم أختر العمل في السياسة بسبب فيلي برانت» أبرز شخصية في تاريخ ألمانيا الحديث» وإنما بسبب «المحرقة». وهذا تأكيد واضح إلى أنه يأخذ جانب إسرائيل. وقد سجل الإسرائيليون هذا الموقف باهتمام، وهم لا يعتبرون ميركل صديقتهم الوحيدة في ألمانيا التي أعلنت في القدس عام 2008 «أن أمن إسرائيل من مفاهيم الدولة الألمانية»، وإنما وزير الخارجية الألماني الجديد، الذي أعلن تأييده الكبير لإسرائيل قبل أن يدرس ملف العلاقات معها والتي لا يعكرها أكثر من ممارساتها غير المشروعة تجاه الفلسطينيين، ومن أبرزها استمرار احتلالها أراض عربية ورفضها عملية السلام على أساس «حل الدولتين» الذي أكده جابرييل في زيارته الأخيرة يناير الماضي لإسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية قبل تنحيه عن منصبه بسبب خلافه مع قيادة الحزب الاشتراكي الألماني.
واستنادا لمعلومات نشرتها صحيفة «زود دويتشه» الألمانية أخيرا، يريد الإسرائيليون استغلال موقف «ماس» المؤيد لبلادهم، لتقديم قائمة بمطالب سياسية وعسكرية جديدة. فألمانيا هي ثاني دولة في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية تمول إسرائيل، وقالت الصحيفة إن الزيارة لن تقتصر على تبادل المجاملات وإنما سوف يتم التطرق إلى قضايا حساسة يمكن الاستفادة منها بأن الحديث سوف يدور حول «إيران»، لأن إسرائيل تبذل جهودا مكثفة وراء الكواليس لحشد المؤيدين لقرار إلغاء الاتفاقية النووية المبرمة في يوليو 2015 بين إيران ومجموعة الستة وهي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بالإضافة لألمانيا.
وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل استطاعت أن تكسب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجانبها، لكن بنصيحة مستشاريه الذين حذروا من مشاركة إسرائيل في هجوم عسكري ضد إيران يستهدف تدمير منشآت برنامجها النووي، وانعكاسات ذلك على أمن الشرق الأوسط والخليج، جعل ترامب يتأنى في موقفه ويكتفي بالتهديد بإلغاء التزام واشنطن بهذه الاتفاقية. أما الأوروبيين فقد اقترحوا تفاديا لوقوع مواجهات عسكرية أن يتم فرض عقوبات جديدة ضد إيران ويطالبون بمواصلة الالتزام بالاتفاقية النووية. وينتظر العالم قرار ترامب الحاسم حول هذه القضية بتاريخ 12 مايو القادم.
وخلافا لموقفه تجاه جابرييل بسبب انتقاد الأخير الممارسات الإسرائيلية وكان أول وزير ألماني ينتقد إسرائيل بجرأة، فإن نتانياهو رحب بحرارة بوزير الخارجية الألماني الجديد في أول زيارة له لإسرائيل بعد توليه منصبه الجديد ويحاول كسبه في صفه. وذكرت مصادر مطلعة في برلين أن «ماس» تواجد في إسرائيل في نفس الوقت مع جان إيف لودريان، وزير الخارجية الفرنسي. وقد لا يكون ذلك مجرد صدفة، حيث قالت صحف إسرائيلية أن الوزيرين الأوروبيين جاءا إلى القدس لمناقشة النزاع مع إيران. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا تعد إسرائيل ضد إيران؟.
ووصفت صحيفة «دي تسايت» الألمانية زيارة «ماس» بأنها متعددة الرسائل. فرسالته إلى الإسرائيليين أنه سيأخذ على عاتقه إعادة تنظيم العلاقات الألمانية الإسرائيلية، ومكافحة معاداة السامية في ألمانيا. وخلافا لسلفه، لن تخشى إسرائيل بعد اليوم انتقادات لممارساتها تجاه الفلسطينيين، حيث لوحظ أن «ماس» لم يُشر بكلمة واحدة إلى سياسة الاستيطان الإسرائيلية. أما رسالته إلى الفلسطينيين فكانت مخيبة للآمال. فقد فاجأ الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما زاره في رام الله، بدعوته إلى التفاوض مع واشنطن حول تسوية سلمية وليس مع الإسرائيليين، لاسيما وأنه لم يطلب من نتانياهو خلال اجتماعه معه بأن يكف عن تعطيل عملية السلام. وقالت الصحيفة أن الوزير الألماني كان متشددا خلال اللقاء مع المسؤولين الفلسطينيين ولم يعلق على سؤال إذا ستتوقف ألمانيا عن دورها النشط في عملية السلام في الشرق الأوسط وتلتزم الهدوء، وهذا موقف جديد على السياسة الخارجية الألمانية بعد تولي «ماس» مهام منصبه الجديد .