نوافـذ :ثلاثة أزمان.. تلهب الوجدان

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
تعد لحظات الانتظار من أصعب اللحظات الزمنية التي تمر على الإنسان، كما هي لحظات الوداع أيضا، وإن كانت الأولى مختلفا معناها عن الثانية؛ فالأولى إما أن تعيش فيها زمنا هاربا منذ لحظته الأولى؛ فلا تشعر بمروره، وإما زمنا جاثما لا يتحرك قيد أنملة؛ كما تشعر به في تلك اللحظات الـ «عصيبة»، وأما في لحظات الوداع حيث يتماهى الوجدان؛ فيذوب وجدا؛ وتسيل المآقي أنهرا من دموع، ويكاد القلب ينفطر في حالته تلك، التي تستمر زمنا، حتى تتبدل المشاهد، وتختلف الصور، وتعاود النفس سيرتها الأولى.

ثلاثة أزمان تحرج فينا تماسكنا، وهيبتنا، وقد تخرجنا عن جادة الصواب، وقد تعرينا من ملامح كثيرة كانت ساترة في لحظات هدوئنا وتكامل انفعالاتنا، وبقدر فترة الإحراج هذه التي نعيشها في أزماننا الثلاثة – وهي الغالبة – بقدر ما نعرف للزمن قيمة، وللزمن قوة، وللزمن صورة متجسدة على الواقع.
ولعلنا لا نبالغ إن عايشنا حالات من التقمص الوجداني التي نراها بين ناظرينا طوال اليوم، حيث تختزل الأنفس هيبات الأجسام التي تضمها، إن تعذر علينا أن نعيش حقيقة هذه المشاكسات الزمنية مع أنفسنا في هذه المواقف الثلاثة على وجه الخصوص، فحالات الترقب التي نعيشها في انتظار شخص ما قادم إلينا لأي غرض من أغراض الحياة زمنها ليس يسيرا، ولا سهلا، نعدها بالثانية، وليس بالدقيقة فقط، لأنه تأخر لأمر ما، ونعد تأخره نكثا لوعد قطعه على نفسه بأن يأتي في الساعة الفلانية، وتمضي الساعة الفلانية وهو لم يأت، وتبدأ اللحظة الحرجة في استحضار ما لم يكن في الحسبان، وقد نغتاله، وقد نميته، وقد نضعه في مواضع موازين كثيرة، فقط لأنه تأخر عن موعد ساعة الانتظار التي حددها فتحولت دقائقه إلى ساعات طويلة.
ولا يختلف الأمر كثيرا في ساعة الانتظار لخبر سعيد، وصول مولود، ترق، وصول عزيز، تحقق أمل، معرفة نتيجة: اختبار؛ مقابلة؛ وظيفة، وغيرها الكثير، كم هي الساعات القصيرة التي تتحول إلى دقائق بفعل تسارع الزمن، وكم نرى الزمن قصيرا، ونريده أطول مكوثا، حتى لا تصدمنا المواقف، وحتى لا تفاجئنا النتائج، وحتى لا تغرقنا المصائر في بحر من الهموم.
وتأتي ثلاثية الزمن في لحظات الوداع: إما أننا راحلون إلى فضاءات أخرى من الحياة، وإما هناك من يفارقنا يطول هذا الفراق أو يقصر، حيث تنسل المشاعر خجلى من فرط إحراج الأنفس المتماسكة، أو هكذا تبدو للآخر البعيد شعوريا، وليس زمانيا أو مكانيا، فالمشاعر هي التي تمارس علينا غواياتها المحرجة، وإن أظهرنا للآخر الذي يرقب هذه التحولات النفسية عن بعد.
قدر لنا أن يشغلنا الزمن أكثر في كل محطاتنا اليومية، ولا نكاد نتعافى من محطة واحدة من محطاته، إلا وندخل في معترك المحطة الأخرى، وعلى امتداد هذه المحطات كلها يكون النزيف أقسى ما يكون في محطاته الثلاثة، ولعلها تجمع مواقف كثيرة من حياتنا اليومية، فالإنسان أكثر ما يكون عند مشاعره، فإما تفضحه في محطاته هذه وغيرها، وإما تظهر للآخر شخصية قوية متماسكة، لا يمكن أن تلعب مشاعرها في لحظات التجلي، وهذا من النادر ما يكون، فالإنسان محكوم بمشاعره، وتأتي اللحظات الزمنية لتهيج هذه المشاعر، وتوقع الإنسان في حرج شديد.
تختص بعض الأمكنة لـ «تفريخ» هذه المشاعر وتراكمها، ويأتي مبنى المسافرين: في المطارات، أو محطات القطارات، أو مواقف سيارات الأجرة، أو حتى عتبات الأبواب على المنازل، أماكن تشترك كلها في لعب دور كبير للحظات التجلي هذه التي نتحدث عنها، حيث تذوب النفوس وجْدا في مواقف الزمن الثلاث (انتظار، استقبال، وداع) وليس هناك من سبيل لتجاوز مظان الزمن في هذه المواقف الثلاثة، ولعلنا نحتاجها بشدة، على الأقل لنمتحن أنفسنا إن كانت لا تزال على إنسانيتها التي نعرفها بها.