التماسك والترابط يحمي من الفرقة والانقسام

إعداد – نادر أبو الفتوح –
حثت الشريعة الإسلامية على الوحدة والتعاون والتكاتف بين جميع أبناء المجتمع الواحد، وشددت على أن يقف الجميع صفا واحدا في الدفاع عن الوطن؛ لأن المجتمع ينهض ويتقدم بجهود جميع أبنائه، وفي لقائه معنا أكد الشيخ محمد عز الدين من علماء وزارة الأوقاف المصرية أن هذا ما حدث عندما هاجر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، فقد جسدت وثيقة المدينة مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية في أروع صورها، وجعلت هذه الوثيقة هناك حقوقا وواجبات بين الجميع، من المسلمين وغير المسلمين.

أوضح أن أي مجتمع يريد الاستقرار والتقدم والرقي لا بد أن تتحقق فيه الوحدة الوطنية بين جميع أبنائه بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس، فعندما تسود قيم المساواة بين الجميع، فإن هذا الوطن تتحقق له كل أدوات القوة، أما أن يكون هناك تشتت وخلاف، فهذا يؤدي للانقسام والفرقة، وكل ذلك في النهاية يصيب المجتمع بالضعف والهوان، ويؤثر على مكانة ومستقبل كل أبناء الوطن، ولذلك فالوحدة الوطنية بين أبناء المجتمع الواحد من ذوي العقائد المختلفة قضية حرصت الشريعة الإسلامية على تحقيقها؛ لأن الإسلام هو دين السلام للبشرية، وهذا قول الله عز وجل في القرآن الكريم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وهذه الآية الكريمة توضح أن رسالة الإسلام، تهدف لتحقيق الوحدة والترابط بين الناس جميعا، وحتى يعيش المسلمون وغيرهم في وطن واحد، تجمعهم المواطنة والمصير المشترك.
ويضيف: أن النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- عندما هاجر من مكة إلى المدينة قام ببناء المسجد، كما قام -صلى الله عليه وسلم- بالصلح بين الأوس والخزرج؛ وذلك بهدف أن يعيش سكان المدينة في أمن وأمان واستقرار، وتكون هناك وحدة بين الجميع، وبهذا الصلح انتهت الحرب التي كانت بينهما، كما كانت هناك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكان الأنصار من سكان المدينة، يقتسمون ما يملكون مع المهاجرين، وفي النهاية عقد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وثيقة المدينة التي أرست الحقوق بين كل سكان المدينة المنورة.
وشدد على أن الوحدة الوطنية بين أبناء المجتمع تعد أحد الأمور التي تضمن حياة أفضل لجميع أبناء الوطن، وتحقيق هذه الوحدة واجب ديني وأخلاقي، لأن قواعد ومبادئ الشريعة الإسلامية، تقوم على عدة أمور هي: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وهذه القواعد والمبادئ عندما تتحقق يعيش المجتمع في أمن وسلام، ويكون هناك استقرار ومستقبل أفضل لهذا الوطن؛ لأن كل إنسان في المجتمع، سواء كان مسلما أو غير مسلم، عندما تتحقق هذه المبادئ، سوف يشعر بالحرية في العقيدة، ويشعر بالأمان على ماله وعرضه ونفسه وعقله، وبالتالي تتحقق الوحدة الوطنية بين الوطن.
ويوضح أن الشريعة الإسلامية قد حرمت التعدي على أموال وأعراض الناس، سواء المسلمين أو غير المسلمين، بل طالبت المسلم بالحفاظ على أموال غير المسلم، عند التعامل معه سواء بالبيع أو الشراء أو العمل، وأوجبت على المسلم أن يتعامل بأخلاق الإسلام؛ وذلك حتى تتحقق الوحدة الوطنية بين المسلمين وغيرهم، داخل المجتمع الواحد؛ لأن ذلك من أخلاق الإسلام، ويشهد التاريخ الإسلامي على كثير من المواقف التي تدل على أن العلاقة بين المسلمين وغيرهم طوال العقود الماضية، كانت تقوم على مبدأ المساواة والعدل، وعاش الجميع معا في مجتمع واحد، في ظل المساواة وحرية العقيدة، وبذلك تحققت كل صور الوحدة الوطنية، انطلاقا من تكريم الله عز وجل للإنسان، كما جاء في القرآن الكريم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.
وأكد على ضرورة التمسك بهذه القيم والمبادئ التي نظمت العلاقة بين المسلمين وغيرهم في الوطن الواحد؛ لأن هذه الضوابط التي حملتها لنا الشريعة الإسلامية حققت الوحدة الوطنية بين المسلمين وغيرهم في المجتمع الواحد، طوال القرون الماضية، والمؤكد أن الحفاظ على هذه العلاقة، يتطلب ضرورة البعد عن الفتن والشائعات، ودعم كل صور التكافل الاجتماعي بين أبناء المجتمع، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو اللون، وأن يتسم الجميع بالحكمة والعقل عند الأزمات والشدائد والمحن التي تواجه المجتمع؛ لأن البعض قد يسعى للوقيعة بين أبناء المجتمع، ويسعى لضرب الوحدة الوطنية.
وطالب بضرورة ترسيخ هذه القيم والمبادئ لدى الشباب والأجيال القادمة، وهذه المسؤولية تتحملها المؤسسات الدينية والتعليمية والشبابية والثقافية؛ لأن تقدم المجتمع وتحقيق مستقبل أفضل يرتبط بمدى تحقيق الوحدة الوطنية بين الجميع، وأما أي خروج على هذه الضوابط فإنه يحدث حالة من القلق والانقسام دخل المجتمع، وهذا يجلب الشر والخسارة للجميع؛ لأنه في ظل الفرقة والخلاف تظهر الجوانب السلبية، ويسود الإهمال واللامبالاة، وتنتشر الجرائم والفوضى، ويفقد الناس الأمن والأمان، وكل ذلك يتنافى مع دعوة الإسلام؛ لتحقيق الوحدة الوطنية التي تحقق الأمن، كما جاء في قول الله تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}.