التواصل الحكومي والرأي العام

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي –
في ظل المتغيرات المجتمعية والتطور في المجال التقني والحاجات التي يتطلبها التواصل السريع المبني على المعلومات من الحكومات ظهر في السنوات الأخيرة مصطلح التواصل الحكومي مع الرأي العام او المواطنين من خلال حزمة من المحطات والآليات التي تهدف في النهاية إلى تقديم المعلومة والخدمة معا لكل مواطن ومن خلال نوافذ اتصال حقيقية تساعد علي تحقيق الرضاء المنشود من قبل طالبي الخدمة من ناحية ويحقق التواصل بين مؤسسات الدولة المختلفة وهذا الأمر اصبح حديث المنتديات والمؤتمرات التي تناقش هذه القضية المجتمعية الهامة .

أهمية التواصل واشتعال الثورات

عقد مؤخرا في إمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة منتدى التواصل الحكومي في دورته السابعة بحضور قيادات سياسية وإعلامية وفي مجال التواصل الحكومي ومراقبين للشأن الحكومي من كل قارات العالم وبوجود إعلاميين وأكاديميين وتنفيذيين في مجال التواصل الحكومي من السلطنة وحتى طلاب من قبل بعض الكليات في السلطنة
وعلى مدى يومين كانت هناك أوراق عمل مهمة حول أهمية التواصل بين الحكومات والمواطنين لأن ذلك يخلق بيئة ومناخا إيجابيا بحيث يشكل ذلك التواصل نتائج تصب في مصلحة الطرفين لأن حجب المعلومات وعدم التواصل يعني خلق فجوة تتسع مع الوقت ويفقد المواطن الثقة في الحكومة. وهذا يعني مزيدا من الجفاء والذي يقود إلى الإحباط الذي يؤدي إلى السخط الذي يمكن أن يتحول إلى ثورات شعبية، كما حدث في عدد من الدول العربية خلال عام 2011 ، وهذا درس كبير لا بد من الرجوع إليه ودراسة مقدماته ولماذا وصل إلى ذلك السخط العنيف الى تلك الدرجة ؟
إن التواصل بين الجهات الحكومية يعد من الأمور الحيوية فهناك من الدول النامية ماتعمل مؤسساتها وكأنها في جزر معزولة، وهذا يؤثر على تقديم المعلومة والخدمة معا ، وفي ظل عدم وجود مراكز لقياس الرأي العام في تلك الدول فان المؤشرات تبقى غير حقيقية، وتعتمد على آليات خارجية متعاطفة او مدفوعة الثمن في بعض الأحيان بهدف تجميل صورة الحكومات، ومن هنا فان التوصيات الممتازة التي صدرت عن منتدى التواصل الحكومي الأخيرة في إمارة الشارقة تعد هامة للحكومات حيث يمكن من خلالها تحسين التواصل الحكومي وجعله نافذة حقيقية من خلال نشر المعلومات الصحيحة بالسرعة المطلوبة وخلق شراكة حقيقية مع الرأي العام وإعطاء شعور عام بأن المصلحة الوطنية تقتضي بأن يكون هذا التواصل هادفا إلى مصلحة الأوطان والمواطنين حتى لو كانت هناك تحديات لا بد أن تصل الرسالة إلى الرأي العام حتى يكون شريكا في تحمل المسؤولية .

الاستماع إلى الآخر

من البديهيات في إطار التعامل بين الحكومات وشعوبها أن يكون هناك حوار متواصل وان تستمع الحكومات إلى مواطنيها بصرف النظر عن الممكن في التحقيق والمستحيل في التنفيذ وإنما يكون الإصغاء والاستماع للآخر لأن ذلك يزيل اي فجوة محتملة او الاستماع إلى رسائل خارجية مبطنة تستهدف المواطن . وفي حال عدم وجود ذلك التواصل المحلي يكون الفراغ المعلوماتي إن صحت التسمية طريقا سالكا نحو تعميق تلك الفجوة والتشكيك في خطط الحكومات وسياستها وهذا الأمر من الخطورة بحيث يسد من خلال وجود آليات تواصل قوية لا تجعل المواطن فريسة للأصوات الخارجية المتربصة وما اكثرها اليوم في ظل التقنية المتسارعة وأدوات التواصل الاجتماعي.
عدد من أوراق العمل التي عرضت في منتدى التواصل الحكومي ركزت على أهمية جسر الهوة بين الجمهور المتطلع إلى حياة كريمة ومعلومة صحيحة وبين حكومات لاتدرك تلك الحقيقة إلا متأخرة، ولعل الأحداث التي شهدتها عدد من الدول العربية عام 2011 هي خير مثال علي ترك الساحة الجماهيرية وهي تتسم بالفراغ والمعلومات المغلوطة ومن هنا لا بد من تفعيل التواصل الحكومي لدينا في السلطنة أولا من خلال التواصل بين الجهات الحكومية وربط خدماتها إلكترونيا وثانيا وجود متحدثين إعلاميين في تلك الجهات.
إن وجود مكتب للاتصال الحكومي في أمانة مجلس الوزراء الموقر شيء إيجابي ولا بد من دعمه بشريا وماليا وأيضا الاستفادة من المنتديات الدولية والإقليمية في مجال التواصل الحكومي فهناك تجارب عالمية وحتى عربية يمكن الاستفادة منها من خلال آليات محددة لأن وجود الخبراء وحتى رؤساء الدول ومديري الشركات العالمية في مجال التقنية يعد أمرا مفيدا للحصول على الفوائد التي تطور من موضوع التواصل الحكومي في السلطنة من خلال تقوية الروابط التقنية والمعلوماتية بين المواطنين والحكومة ولا شك أن الاستماع المتبادل يولد المزيد من الثقة. وكمواطن عملت في مجال الصحافة والإعلام لسنوات طويلة فان وسائل الإعلام الحديثة أصبحت تخلط الغث بالسمين خاصة في مجال المعلومات وتعد ما يسمى بالأخبار المضللة وهي إحدى الاستراتيجيات التي يبني عليها الإعلام المضاد عمله وليس هناك شك في ذلك من خلال المتابعة اليومية وهذا يحتاج إلى إعلام يقظ ومتابع وإلى تواصل حكومي سريع وإلى ردود شافية من متحدثين إعلاميين نراهم ضرورة في هذه المرحلة المعقدة في إطار العلاقات أولا بين الحكومات والمجتمع وثانيا بين الحكومات نفسها.

التقنية ومستقبل الأجيال

على ضوء ما طرح من أوراق في مجال التقنية في منتدى التواصل الحكومي الممتاز تم الاطلاع على ثورة رقمية تتعدى الخيال الإنساني طرحت من قبل عدد من القيادات في شركات التقنية العالمية منها على سبيل المثال أن يتحول جسم الإنسان إلى شريحة للتواصل وتختفي أدوات الاتصال الحالية مثل الهاتف الذكي وغيره وهي تطورات مذهلة اكد عليها الخبراء وبالتالي فان مستقبل الأجيال الجديدة سوف يكون مختلفا في التوجهات وآليات التواصل ومن هنا فإن العالم سوف يشهد ثورة رقمية تتجاوز المألوف الحالي. ومن هنا فان تلك الثورة الرقمية تحتاج إلى آليات وتواصل من نوع مختلف مع تلك الأجيال وهذه مهمة مستقبلية لا بد من الاستعداد لها خلال العقود القادمة .
هناك ثورة المعلومات والتي لن تستطيع الحكومات السيطرة عليها مهما توافرت طرق الرقابة وآلياتها الحديثة فالذي يحدث الآن صراع بين الممكن والمستحيل حيث إن التشريعات والقوانين لاتزال ممكنة في المرحلة الرقمية الحالية ولكن مع تطور التقنية سوف يكون من المستحيل مراقبة شريحة في جسم الإنسان تتواصل مع شريحة أخرى وهذا هو التحدي الكبير الذي اصبح مثار نقاش وجدل بين الحكومات وشركات التقنية الدولية والمبرمجين في وادي السيلكون في الولايات المتحدة على سبيل المثال .
لا شك أن الحكومات بأجهزتها المختلفة قد استفادت من التقنية بكل أشكالها ولكن إذا استمر التواصل الحكومي الضعيف فان الفجوة الرقمية سوف تزداد مع تطور تلك التقنية مع وجود من الاجيال الجديدة المبدعة في مجال الاستهلاك الرقمي ان صحت التسمية ومن هنا يجدر بالحكومات ان تدرس هذه التحديات الحقيقية في عصر التحولات الكبرى في مجال الاتصال والتواصل حيث انكسرت الحواجز واصبح المواطن على تواصل مع العالم شرقه وغربه مما يستدعي مناعة وطنية تأتي من خلال تقوية التواصل الحكومي وتفعيل الآليات التي تجعل المجتمع في حالة انسجام وثقة بان المعلومة متوفرة وان صوته مسموع والإجابات على اطروحاته حاضره وفي الوقت المناسب فالعمل التقليدي في مجال التواصل الحكومي لم يعد ملائما مع تلك المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الفكرية مما يستدعي اعادة النظر في منظومة الاتصال الحكومي-الحكومي اولا وفي منظومة الاتصال الحكومي مع المواطنين من خلال جملة من الآليات التي تحسن من الأداء وتجعل المواطن قريبا وشريكا في وقت واحد ولعل نموذج المشاركة المجتمعية في مختبرات البرنامج الوطني(تنفيذ) وفي التحضيرات لرؤية عمان( 2040) إيجابية وتدخل في إطار تلك الآليات التي أشرنا إليها وهي جزء أصيل من التواصل الحكومي مع الفئات الاجتماعية وبالتالي لا بد من تطبيق ذلك التواصل على صعيد الخدمات وتوفير الإجابات للمواطنين من المصادر الرسمية بدلا من البحث عنها في شبكات التواصل الاجتماعي المشكوك في مصداقيتها إلى حد كبير . ان توصيات منتدى الاتصال الحكومي الأخير في إمارة الشارقة هي جديرة بالاهتمام وموجهة للحكومات خاصة الدول العربية وبالإمكان ملاءمة بعضها مع الظروف والمستجدات المحلية بل إن عددا من الخبراء في العالم يرونها منسجمة مع الأوضاع التي يشهدها العالم وقد يكون بعضها ردودا على ماشهدته المنطقة العربية من حراك شبابي كانت نتائجه مدمرة لبعض المجتمعات العربية حتى الآن حيث كان انعدام التواصل الحكومي وعدم الاحساس بهموم المواطنين احد الأسباب الجوهرية في اندلاع تلك الموجات من الاحتجاجات الشعبية وهذا درس كبير ينبغي للحكومات أن تتعلم منه .