عصفورة الشرق وجارة القدس… ماذا تفعل بهم فيروز ؟!

اســــتطلاع: بشـاير السـليمية –

قال عنها محمود درويش: «هي الأغنية التي تنسى دائما أن تكبر. هي التي تجعل الصحراء أصغر وتجعل القمر أكبر». وقال عنها أنسي الحاج: «بعض الأصوات سفينة. بعضها شاطئ. بعضها منارة. وصوت فيروز هو السفينة والشاطئ والمنارة». وفي «عُمان الثقافي» ارتأينا أن نرصد في السطور القادمة ما قاله عنها مجموعة من الكتاب والشعراء والمثقفين، وعما إذا كانت فيروز جزءًا من طقوسهم. سنكتشف مع القارئ علاقاتهم الشخصية بأغانيها، قريبا من الكتابة وبعيدا عنها في آن.
يقول د. يوسف حطّيني ـ جامعة الإمارات: «عندما يوجه سؤال إلى الكُتاب عن علاقتهم بفيروز تتشابه أجوبتهم إلى حدٍّ بعيد؛ فـ«كلّ يدّعي وصلاً بليلى»، ويقول: إن فيروز تشكّل أهم طقوسه الكتابية. ولعلّي أنفي تهمة التشابه مع الآخرين عبر التقرير بشكل مبكّر بأنني لا أسمع فيروز عندما أكتب، ولا أسمع الموسيقى الهادئة ولا الصاخبة؛ لأن طقوس الكتابة عندي تفترض سكينة المكان، وإن كانت لا تفترض سكينة الروح.».
وأضاف د. حطيني: «فيروز بالنسبة لي طقس قبليّ أو بعديّ، إنّها طقس الوصول إلى العمل، طقس الاستراحة من عناء يوم شاق، طقس الاستسلام للتداعيات، ولكنّها أبدا ليست طقس الكتابة.
فيروز تشكل لي وعيا جماليا خارج الطقوس؛ لأنّ لها طقسها الخاص، تدخل إلى أعصابي فتنبهها؛ كي لا أقوم بعمل آخر، تأسرني كلماتها بقوة. فكيف يمكن لي أن أكتب أو أقرأ، وأستمع إليها في الوقت ذاته، وأنا الذي أظنّ أن التفكير بنكهة القهوة لثانية أو اثنتين، يفوّت عليّ جزءا من بهاء صوتها ورونق كلماتها».
وتساءل: «هل يمكن لي أن أستمع إلى فيروز وهي تقول: «كانت لنا من زمانْ.. بيارة جميلة وضيعة ظليلة.. ينام في أفيائها نيسانْ.. ضيعتنا كان اسمها بيسانْ»، دون أن يحملني خيالي إلى فلسطين؟ وهل يمكن لي أن أستمع إلى أغنية «شادي» ذلك الطفل الذي لم يرجع بسبب ويلات الحرب، على الرغم من عودة الثلج مرة بعد أخرى، من غير أن أقارنه بعشرات آلاف الشوادي الذين تركوا سوريا إلى بلاد الصقيع التي لا ترحم.»
يواصل: «فيروز حالة جمالية تستحق التأمل والتطهّر في محرابها، وليست مطربة تشبه أولئك الذين يغنون، بينما يتناول الناس وجباتهم في المطاعم. من منّا فكّر بكلمات «أهواكَ بلا أملِ» دون أن يغصّ لذكرى حبيب بعيد؟ ومن منا لم يصب بلذة الدهشة عندما فكّر بالبنت التي تبحث عن استقرار الحب وثباته، فتكتب اسم حبيبها على الحور العتيق، والشاب الذي يتفلّت من انضباط الحب، فيكتب اسم حبيبته على رمل الطريق؟! حرام علينا أن نكتب ونحن نستمع لفيروز.. فيروز تستحق الإصغاء.»
أما عاطف سليمان – كاتب مصري، فقد أحب أن يحدثنا أولا عن اكتشافه لفيروز قائلا: «وُلِدتُّ في سنة 1959 بقرية «كفر العلوي»، أحد أرياف وسط الدلتا المصرية التي لم تصل إليها أسلاكُ الكهرباء حتى ما بعد منتصف سبعينات القرن العشرين. وعيتُ فوجدتُّ في بيتنا الريفي راديو فيلبس كبير ببطارية، منه تخلَّق وتشكَّل أولُ وعيي وبعضٌ من وجداني وكثيرٌ من ذكرياتي وأحلامي، مثلما تخلَّقت منه إحدى عاداتي الكائنة حتى اليوم؛ هي دوام الاستماع والإنصات إلى الراديو. أتذكرُ خرفشات محطة الـ«بي بي سي» القديمة التي كان أبي يستمعُ إلى نشرات الأخبار منها، وأتذكر محطة «هنا القاهرة – إذاعة الجمهورية العربية المتحدة» بأغانيها المصرية وأصوات مذيعيها ومذيعاتِها. لكن كانت هناك محطة أخرى قلَّما يتوقف عندها مؤشرُ الراديو الكبير؛ هي «صوت العرب» التي أتتني منها آنذاك أغنياتٌ عربية من مختلف بلدان الوطن العربي.»
وأضاف: «من «صوت العرب» استمعتُ في طفولتي، وأنا ما بين الخامسة والثامنة،إلى «نجاح سلَّام» في «مَيِّلْ يا غْزيِّلْ»، وإلى «رابِح دِرياسة» في «خُلخالك مَال يا طفلة»، وإلى «صباح فخري» في «يا مال الشام»، وعشقت تلك الأغنيات ولا أزالُ. واستمعت كذلك إلى صوت «فيروز» في أغنية «حبيتك بالصيف»، وكانت تتكرر كثيرا لَكأن فيروز لم تغنِ غيرها! ولم يشدني اللحنُ الغربي للأغنية ولم أفهم شيئا من مرامي كلماتها فبقيتُ فاترا تجاهَ فيروز، إلى أن استمعتُ إلى أغنيةٍ أخرى من اختيارات «صوت العرب»، دائما، هي «شط إسكندرية» ثم «الحلوة دي قامت تعجن» و«شايف البحر شو كبير» فتحسَّنت علاقتي قليلا بفيروز، إلى أن حظيتُ -وكنتُ في الرابعة عشرة- بالاستماع إلى أغنيتيْن غيَّـرتا كلَّ شيء وقلبتا كياني رأسا على عقب، وكانتا «وقِّف يا أسمر» و«يا إمي ما بعرف كيف حاكاني»، وأدركتُ أنَّ ثمة فيروز محجوبة، وأنَّ على مَنْ يريدها أنْ يسعى وراءها. بعد منتصف السبعينات ظهرت أجهزةُ تسجيل الصوت وشرائط الكاسيت، ومُدَّت أسلاكُ الكهرباء إلى ريفِنا، ثم دخلتُ جامعةَ القاهرة، وتعرَّفتُ على زملاء وأصدقاءٍ ذوي علمٍ بدُنيا فيروز و الرحبانية وفيلمون وهبي، وتكوَّنت عندي مكتبة فيروزية كنتُ أتبجَّحُ -ثقةً في ثرائها- بأن لديَّ تسجيلات ليس لدى فيروز، نفسها، مثيلها! وحفظتُ الكثيرَ من أغنياتها ومقاطع مسرحياتها، وأعدتُّ الاعتبار، داخلَ وجداني، إلى أغنية «حبيتك بالصيف» بعد أن لقيتُ سياقَها الفني والزمني.»
وعما إذا كانت فيروز حاضرة حين يكتب، قال: «طقوسُ الكتابة لديَّ ليست على منوالٍ واحد، وأنا أفضِّلُ السكونَ والهدوءَ عادةً لأن الأصواتَ تشغلني وتجذب انتباهي ومن السهل أن تشتِّتُني. وكذلك فأنا أحبُّ أن يكون استماعي إلى أغنيات فيروز، بانتباهٍ كاملٍ، مُكرَّسا لها، لا أن تأتي كخلفيةٍ لشأنٍ آخر. ولو كان لي أن يرافقني صوتُ فيروز أثناء الكتابة فأحبِّذُ أن يأتيني شدوُها، من بعيد، بأغنيةٍ يُسرُّني سماعها على الدوام هي أغنية «على جسر اللوزية».
من جانبها تحدثنا شريفة التوبية – كاتبة عمانية، عن تعرفها على صوت فيروز وكيف سعت وراء الاستماع إليه قائلة: «ما الذي فعلته فيروز بنا، أي شجن تزرعه في الروح وأي باب للحنين تفتحه في القلب، وأي مفاتيح للحكاية تهديها لنا والفكرة كالحلم في ذهن كاتبها؟! فيروز أغنية الصباح وأنشودة المساء وأجمل ما يمكن أن أسمعه وأنا بلحظة جمال أو بلحظة حزن أو فرح، يبدأ صباحي وأنا أستمع إلى صوتها العذب، صوت يخبرني أن الحياة ما زالت حياة وأن الجمال ما زال موجودا بها. صوت فيروز رفيق لحظاتي الحلوة ولحظاتي الصعبة، أتعمد أن أسمع صوتها في دروبي الطويلة لأن المسافات تصبح مع صوتها أقصر والدروب أجمل، أسمعها كلما أغلقت باب مكتبي لأتوحد مع صوتها وأعيش عزلتي عن عالم يدفعني للهروب منه، لأستعيد نفسي وبعدها أيمم قلبي شطر الكلمة. عرفت صوت فيروز في وقت مبكر، حيث لم أكن أعي ما الذي تعنيه الكلمة ولكن هناك شيء من السحر يأخذني لصوتها، فالصوت آسر، كبرت ولم يكبر صوت فيروز ولم يشخ، من هناك وأنا في مزرعة جدي كان صوتها يتسلل إلى روحي، كنت أسمعها خلسة بينما كانت الموسيقى محرّمة في بيتنا، لذلك ربما كان صوتها سبب من الأسباب لأن أكتب وأن أبقى على ما أنا عليه اليوم من عشقي لسحر الكلمة».
وعن طقوس الكتابة هذه المرة قالت التوبية: «فيروز ليست من ضمن طقوس كتابتي، فحينما أستمع لفيروز أحتاج أن أكون خالية من أي شيء حيث لا شيء يشتتني عن الاستماع لها، أحتاج أن أهبها كل حواسي وليس أذني فقط، وحينما أكتب أحتاج أيضا أن أكون خالية من كل شيء، فأنا حسّاسة جدا تجاه الأصوات، يشتتني حتى صوت دقائق الساعة في الجدار لذلك مكتبي للعلم بلا ساعة ولا أرتدي في معصمي ساعة، الكتابة بالنسبة لي لها ما يسبقها وما يأتي بعدها لكن في تلك اللحظة لا شيء يكون معها وكذلك صوت فيروز فأنا لا أجيد سماعها وسط ضجيج أو ضمن مجموعة، فالكتابة وصوت فيروز شيئان أعيشهما بشكل أناني ومنفرد، إنها الأشياء التي لا تأتي مع شريك ولا يمكن أن يشاركك فيها أحد، إنها لحظة للتجلي والانعتاق والتحرر من عبودية الحياة وروتينها وآلامها وضجيجها.استمع لفيروز لأستريح وأكتب لأستريح أيضا، ولكن لا يأتيان بلحظة واحدة.
وأضافت: «صوت فيروز يستفز روحي وعاطفتي للكتابة، صوتها يخلصني من الشوائب الحياتية العالقة في أجنحة روحي لأكتب وأنا بكامل حريتي ومصداقيتي، لتخلصني الكتابة مما تبقى على روحي من قيود، فالرابط بين فيروز والكتابة أن كليهما يخلصان روحي من قيودها، ويمنحاني القدرة على التحليق فوق آلام الحياة العابرة،الاستماع لفيروز ليس ترفا كما يظن البعض لكنه أصبح حاجة في زمنٍ تلوث وتشوه فيه كل شيء، في زمن نحن بحاجة فيه إلى أن نعيش لحظة نقية مع أنفسنا من خلال صوت فيروز أو كلمة نكتبها».
ومن جهتها أحبت رشا أحمد – شاعرة مصرية، أن تحدثنا في البدء عن الكتابة وطقوسها متدرجة إلى ما تشكله فيروز بالنسبة لها وكيف تحبها قائلة: «للكتابة طقوس وللحياة أيضا طقوس مغايرة. لكن يظل السؤال الرابط بينهما هو: كيف نصنع وعيا خاصا ولذيذا بالحياة والكتابة معا عندما نكتب، ثم هل لدينا طقوس محددة ونهائية، وهل الكتابة تشبه المرض العضال الذي يصعب الشفاء منه. مؤكد أننا نشفى بالكتابة، وفي الوقت نفسه نزداد شقاءً بها. الكتابة فعل حميم وبالغ الخصوصية إنها فعل إنساني لها صلة بعادات وتقاليد صانعيها، ربما تختلف باختلاف البشر لكنها تأتي من وجع إنساني له ملامح تشبه الولادة المتعثرة، محاولات متتالية، والكثير من الدوران، فالشاعر لا يستدعي القصيدة وإنما هي التي تستدعيه، تماما كما يقول بول فاليري. إنَّ الكتابة هي فعل التملص والتمرد الوحيد على العالم، وعلى الآخرين، هي فعل التحقق من الذات، من تفردها، من عدم اختلاطها بالسوي، هكذا بالكتابة رغم مكابداتها يصبح الإنسان وحيدا في مواجهة العالم، وبها يمكنه اكتشاف نفسه بعد أن يكل الجسد عبر مشاغبات النهار، تبزغ فجأة كضوء قاهر أمام عيونك المجهدة، تسلك من الفراش كخيط، وتلقي بك كالممسوس، لتبحث عن ورق وقلم، وكثيرا ما كنت في يصبح العالم حميميا وأكثر إنسانية، ما يشعرني بالتوحد والأسى، أحب الليل والهدوء، أحب صوت فيروز شرط أن يبدو قادما من بعيد، خافتا مجرد همس تمارسه القطيفة، أنا الآن أمام سلطة البياض».
وأضافت: «فيروز وفنجان من القهوة السوداء يمهدان الطريق لنص رائق ربما حزين أو مكسور ربما أتلكأ أمام مفردة، أتوجس من التوقف ثم اندفع فوق البياض المناوئ.
الآخرون هم الجحيم هكذا قال سارتر وكم هي صادقة هذه العبارة أستطيع أن أضيف إليها أن أحب الناس إليّ أمام القصيدة هم آخرون! لأن الفعل الشعري أعمق بكثير من كل المواضعات. وحدها فيروز تصنع يومي لأبدأ».
ولأن إسماعيل المحاربي، معجون بالموسيقى، ويعزف لفيروز في أحيان كثيرة قال: «أحب فيروز حبا وأحب أم كلثوم حبا جما، فيروز أحبها وحبي لها أولا بسبب إمكانياتها الصوتية العالية جدا وجمال صوتها وثانيا: بسبب الأداء العجيب والرائع والماتع، فعلاقتي بها علاقة جديدة وقديمة فأنا عشقت الموسيقى ودخلت محرابها منذ سنتين ونصف تقريبا، لكنني أشعر بأنها علاقة قديمة جدا. حينما تغني فيروز في المساء فإنه صباح، وكما تقول أم كلثوم في رائعتها (هذه ليلتي): «كل ليل إذا التقينا صباحُ»». وأضاف: «لا أكتفي بأغنية لها بسماعها مرة واحدة وأعيد وأكرر، لا تجعلك ترتوي من ظمئك لجمالها، صوتها عميق وحساس جدا أشعر به يغوص في أعماقي وأحاول أن أمسكه، تسرق من الدموع من عيني كلما غنت « أنا لحبيبي وحبيبي إلي» و «ذاكرٌ يا ترى» و«أمس انتهينا» و«نسم علينا الهواء» و«رجعت الشتوية» و«ليالي الشمال الحزينة» و«أمي نامت عبكير» و«سألوني الناس عنك يا حبيبي» وترقصني كلما غنت «دقوا المهابيج» «عودك رنان» «يا أنا يا أنا» .. الخ من الأغاني التي لا تعد ولا تحصى.».
تبرر أروى أحمد – شابة عمانية، علاقتها بفيروز قائلة: «فيروز هي لون مختلف يتناسب مع كل المواسم والمشاعر و محطات الحياة، وحاضرة كل الأوقات، تروي حكايا تبصر ملامح أيامك فيها. صوت فيروز يشاطرك اللحظة مهما كانت عذوبتها أو ملوحتها، بطبيعة الحال الأغاني كثيرا ما تُشبهنا. في الغالب الرحلات الفيروزية لا تنحصر في وقت معين، لكن كثيرا ما يكون الليل هو الحقيبة المُثلى لهذه الرحلات، قد تكون محفز للذاكرة والتحولات التي تحدث فيها، رحلة تفكر، حديث من النفس بلغة خاصة، نادرا ما نشعر بالجمال وإن لم نبصره، هي تخلق لحظة سكون مع النفس، دهشة متجددة، نوع من الانتماء غير المعهود، صمت مطبق مخيف، غابة بلا دليل، وحدة!»
وواصلت: «قد تتعدد الأصوات في الفضاء بطبقات مختلفة مُبهرة تارة وتارة مضجرة، لكنها لا تصل للحالة الخاصة التي تجدها في العالم الفيروزي. أرى أن ما يُميز فيروز عن غيرها تعدد أثوابها الغنائية ومرونة وعذوبة الأغنية التي تصل سريعا للروح خفيفة تارة، وثقيلة الأثر تارة أخرى مسرح فيروز يستقبل جميع الأذواق، الفخامة و الرقة، الهدوء، والضجيج، تجمع التناقضات ببساطة!»
نغلق ملف استطلاعنا بهذه الكلمات، وليس عليكم سوى استحضار صوت فيروز وهي تقول:
أنا صار لازم ودعكُن وخبركُن عني
أنا كل القصة لو منكُن ما كنت بغنّي