هل يمكنها سداد ديونها مع عودة التضخم وارتفاع سعر الفائدة والدولار؟

الأسواق الناشئة وضغوط ارتفاع الدَّيــن –
جوناثان ويتلي- الفاينانشال تايمز –
ترجمة: قاسم مكي –
على الرغم من مرور عامين شديدي القسوة على قطاع السياحة في تركيا الذي هزه الإرهاب والبلبلة السياسية إلا أن ايرتوجرول، رجل الأعمال الذي يملك خمسة فنادق على ساحل المتوسط، تمكن من الاستمرار في سداد أقساط ديونه. وخلال معظم هذه الفترة الصعبة، باع إيرتوجرول مصنعَ نسيج وقلص حجم الأيدي العاملة التي يتولى توظيفها من 800 عامل إلى 200 عامل تجنبا للإفلاس. وهو يأمل في أن تعين عودة الزوار الروس والأوروبيين في الأشهر القادمة على انتعاش الأسعار. لكنه لا يزال قلقا من أن أي ارتفاع في معدل الفائدة الذي يدفعه (4%) على قروضه (8 مليون دولار) قد يعني له متاعب في المستقبل. يقول “ إذا ارتفعت أسعار الفائدة ستكون الأمور أشد صعوبة بالنسبة لي”.

ديون بقيمة 40 تريليون دولار

أورتوجرول الذي امتنع عن ذكر اسمه بالكامل ليس وحيدا. فالشركات حول العالم الناشئ (وأيضا الأفراد والحكومات) حملت على كاهلها ديونا رخيصة (زهيدة الفائدة) تقدر قيمتها بحوالي 40 تريليون دولار خلال عقد السياسة النقدية الميسرة في العالم المتقدم الذي أعقب الأزمة المالية العالمية. والآن مع اقتراب تلك الفترة من نهايتها ومع استمرار الولايات المتحدة في«تطبيع» سياستها النقدية، حيث من المتوقع أن ترفع سعر الفائدة ثلاث أو أربع مرات أخرى خلال هذا العام، شكك عدة محللين في استدامة «جبل» ديون العالم الناشئ. (استدامة الدين تعني قدرة بلد ما على الوفاء بسداد دينه دون الحاجة إلى إعفاء أو مراكمة متأخرات – المترجم) تقول سونغا جيبس، مديرة أسواق رأس المال الدولية بمعهد التمويل الدولي في واشنطن أن السبب الذي يجعل المقرضين يواصلون إقراض المقترضين مع تزايد مديونيتهم اعتقادهم بأن الأوضاع ستظل حميدة.ومع اشتداد البلبلة السياسية حول العالم تقول جيبس « ثمة إحساس أقوى مما في السابق باحتمال أن نشهد أحداثا تثير تقلباتٍ في الأسواق الناشئة على نحو لم يحدث منذ فترة. (بحسب موسوعة انفستوبيديا السوق الناشئة تعني بلدا أو اقتصادا ناميا في سبيله إلى أن يكون أكثر تقدما من خلال التصنيع المتسارع وتبني اقتصاديات السوق غير المقيدة. ومن بين أكبر هذه الأسواق نيجيريا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وبولندا والمكسيك إلخ…. وهذه البلدان في مجموعها تشكل العالم الناشئ – المترجم). وتمثل حالة البلبلة أو عدم اليقين التي سادت أسواق المال في العالم في أوائل فبراير أحد المؤشرات على أن الظروف قد لا تظل مواتية لفترة أطول. (يعتقد العديدون أن منشأ هذه البلبلة ازدياد عدد الوظائف في الولايات المتحدة الأمر الذي عزز من احتمال ارتفاع التضخم ورفع أسعار الفائدة). لكن السبب في تزايد القلق ليس واضحا. ففي مجموعة تشمل 21 سوقا متقدمة رصدها معهد التمويل الدولي ارتفع إجمالي الديون المستحقة على العائلات والحكومات والشركات والمؤسسات المالية من حوالي 290% من إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي بنهاية أعوام التسعينات إلى 380% عند نهاية عام 2008. ومنذ ذلك التاريخ لم يتغير ذلك الوضع عموما (في البلدان المتقدمة). لكن بداية من الأزمة المالية العالمية عام 2008 تصاعد الدين في الأسواق الناشئة. ففي الصين ارتفع من 171% من الناتج المحلي الإجمالي عند نهاية 2008 إلى 295% في نهاية سبتمبر الماضي. وارتفع مجموع ديون 26 سوقا ناشئة كبيرة رصدها معهد التمويل الدولي من 148% من الناتج الإجمالي في نهاية 2008 إلى 211% في سبتمبر الماضي. هذا ويرى صندوق النقد الدولي وآخرون أن وتيرة نمو الدين غالبا ما تكون بنفس أهمية المستوى العام للدين في الدلالة على حلول متاعب في المستقبل. رغما عن ذلك فإن أناسا عديدين لم يستوعبوا حتى الآن مغزى الارتفاع السريع في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة خلال العقد الماضي (بأكثر من 40% في البلدان الـ26 التي رصدها معهد التمويل الدولي وبأكثر من 70% في الصين). بل بدلا عن ذلك تركز الاهتمام على العوامل الأكثر إيجابية.

مقصد جاذب للاستثمار

فالاقتصادات (الأسواق)الناشئة تنمو بوتيرة أسرع من أي وقت مضى منذ الأزمة. ويتوقع محللون عديدون ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي لهذه الاقتصادات في مجموعها بما يصل إلى 5% هذا العام. وهو معدل أعلى كثيرا من معدل النمو في العالم المتقدم. لقد تم التخلص إلى حد كبير من مسببات عدم الاستقرار في الماضي مثل العجوزات الكبيرة في الحساب الجاري. وكان أداء أسهم الأسواق الناشئة جيدا في العامين الماضيين. لكن لا تزال أسعارها جذابة مقارنة بأسهم الأسواق المتقدمة. ويوجد إجماع على التفاؤل حول مستقبل الأسواق المالية في العام القادم وسط اعتقاد بأن المستثمرين سيتواءمون مع التطبيع التدريجي للسياسة النقدية الأمريكية وأن الدولار (وهذا شيء حاسم في أهميته) سيواصل ضعفه رغم ارتفاع أسعار الفائدة بالولايات المتحدة. ومع عدم التحاق بنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي حتى الآن ببنك الاحتياط الفيدرالي بالشروع في تشديد السياسة المالية (تقييد الائتمان ورفع سعر الفائدة- المترجم) تظل الأوضاع النقدية العالمية طليقة من القيود. وهو ما يعني أن الأسواق الناشئة ستظل على الأرجح مقصدا مرغوبا للاستثمار. حقا إن استمرار القدرة على الاقتراض بكلفة زهيدة يجب أن يكون مفيدا للنمو. يقول شارلس روبرتسون، كبير الاقتصاديين ببنك الاستثمار رينيسانس كابيتال الذي تتركز أعماله في الأسواق الناشئة، أن هذه الأسواق « تستغل فرصة شروط الاقتراض الملائمة إلى حد بعيد. والأمل أن يكون في مقدورها دعم النمو من خلال الاستثمار عند هذه المعدلات المنخفضة للفائدة». لقد تعثرت الأسواق مرة أخرى في مارس حين أشار تلميحا جيروم باول، المحافظ الجديد لبنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، إلى أن إيقاع رفع سعر الفائدة سيكون أسرع هذا العام.

تريليوني دولار في سنتين

لكن إصدار السندات بواسطة الحكومات والشركات في الأسواق الناشئة يتواصل بوتيرة سريعة حيث بلغ أكثر من تريليون دولار سنويا في العامين الماضيين إذ يبدو أن المستثمرين لم تردعهم مفاوضات موزمبيق حول دينها قبل عامين أو احتمال حذو أنجولا حذوها قريبا. يقول أحد المصرفيين إن الناس «سيشترون أي شيء طالما يقدم لهم (هذا الشيء) عائدا (على استثماراتهم) وتنويعا (في استثماراتهم)». ويحث البعض على التحلي بالحذر ويرون أن الأسواق الناشئة ستكون أكثر حكمة حين لا تفترض استمرار الظروف المالية المتيسرة اليوم في المستقبل. يقول بول جرير، مدير محفظة ديون الأسواق الناشئة في شركة فيدالَتي إنترناشونال، إن التفاوتات في توقعات معدل الفائدة بين الولايات المتحدة وأوروبا توحي بأن الدولار مقوم بأقل من قيمته مقابل اليورو خلال الأشهر الستة إلى السبعة الأخيرة وأن الوقت قد حان لإجراء تصحيح في سعره. كما يشير أيضا إلى الظروف المالية المتغيرة في الأسواق الناشئة نفسها. وقياسا على موقف أعضاء مؤشر جيه بي مورجان للسندات المتنوعة المتداولة عالميا بالأسواق الناشئة سنجد أن التضخم يتجه إلى أسفل في الأسواق الناشئة خلال الأعوام الستة الماضية وأنه لا يزال يمضي في هذا الاتجاه (يهبط) . لكن إذا قيست توقعات التضخم بنفس الطريقة سنجد أنها تتجه إلى أعلى منذ نوفمبر. وفي حين سيستمر التضخم في الهبوط في بعض البلدان إلا أن بول جرير يتوقع تحوله إلى الإيجاب بالنسبة للأسواق الناشئة في مجموعها. ويحذر أن من يشترون سندات الأسواق الناشئة المقومة بالعملة المحلية والذين كان أداؤهم جيدا أثناء ارتفاع الأسعار في العامين الماضيين حين سعى المستثمرون للاستفادة من تحسن النظرة المستقبلية للنمو « لن يستفيدوا». ويرى آخرون أنه إذا كان «التيسير الكمي» هو القوة المحركة لارتفاع أسعار الأصول العالمية فمن المعقول أن يترتب أثر معاكس عن «التشدد الكمي» الذي بدأ في الولايات المتحدة وسيبدأ عما قريب في بلدان أخرى. ويرى معظم الناس أن الأسواق الناشئة أفضل استعدادا بكثير لمواجهة تلك الصدمات قياسا بالماضي ولا يعود السبب في ذلك فقط إلى حساباتها الجارية الأفضل حالا. لقد فطمت حكومات عديدة نفسها من الديون المقومة بالعملة الصعبة واتجهت أكثر للاستفادة من أسواق رأس المال المحلية بإصدار سندات مقومة بعملاتها الوطنية مما يمنحها قدرة أكبر للتحكم إذا ساءت الأحوال.

الاقتراض بالعملة الأجنبية

لكن في حين هبط حجم الدين المُقَوَّم بالعملات الأجنبية كحصة من إجمالي الدين إلا أنه استمر في الارتفاع بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي للأسواق الناشئة. وتبلغ نسبته الآن حوالي 30% إلى هذا الناتج. وفي حال ارتفعت قيمة الدولار سيتعرض مقترضون عديدون إلى مخاطر سداد الدين المقوم بالعملة الأجنبية من إيراداتٍ (يحصلون عليها) بعملات محلية تنخفض قيمتها. يقول روبرتسون من رينيسانس كابتال «على المستثمرين الاهتمام باحتمال ضعف الدولار . فإذا شهدنا ارتفاعا في أسعار الفائدة الأمريكية وفي قيمة الدولار سيشكل ذلك ضربة مزدوجة لأولئك الذين اقترضوا هذا القدر الكبير من الدين المقوم بالدولار». وتقول جيبس إن أكثر ما يثير القلق الدينُ السيادي لبعض البلدان الإفريقية. لكنها تضيف أن ثمة قادمين جدد «غير مألوفين» إلى سوق السندات استفادوا من ميزة انفتاح شهية المستثمرين لركوب المخاطر بإصدارهم سندات كانت ستجد مشقة في اجتذاب مشترين في أوقات أقل انتعاشا من الوقت الحاضر، كما لا يجب أن يشعر المستثمرون بالرضا عن ارتفاع حجم الدين بالعملة المحلية الذي تصل نسبته الآن إلى 181% من الناتج المحلي الإجمالي لمقترضي الأسواق الناشئة. وكما نوَّهت كارمن راينهاردت وزميلها كينيث روجوف في كتابهما المشترك الذي صدر عام 2009 تحت عنوان (هذه المرة مختلفة – تحليل لأسباب الأزمة المالية العالمية) فإن الحكومات كثيرا ما تُعِيد هيكلة ديونها الخارجية أو تتخلف عن الوفاء بسدادها رغم أنها عند مستويات منخفضة إلى حد مدهش بسبب ارتفاع حجم الدين الداخلي والذي لا ينتبه إليه المقرضون في الغالب وبالتالي لا يضعونه في حساباتهم. وفي تَوَازٍ مع ذلك، خفضت أسواق ناشئة عديدة من مستوى الدين الحكومي كحصة من إجمالي دينها مع اقتراض المزيد بواسطة القطاع الخاص. هذا التحول مرحب به عموما لأنه يبعد الدين عن السياسة المالية العامة ويوزع المخاطرة على كامل الاقتصاد الوطني. لكن هذا الرأي أيضا سيختبر على الأغلب في الأوقات الصعبة. وكما ذكرت راينهارت وزميلها روجوف فإن عجز الشركات عن السداد غالبا ما كان نذيرا بعجز الحكومات التي تميل إلى تحمل ديون القطاع الخاص. بكلمات أخرى، حين تسوء الأمور فإن كل بلد يكون له مركز مالي واحد فقط. وجعل محو الفارق مؤخرا بين القطاعين العام والخاص وبين المؤسسات المالية وغير المالية هذا الموضوع أكثر إلحاحا. لقد أَعَدَّ بنك التسويات الدولية في بازل (الذي يسمي البنك المركزي للبنوك المركزية) ورقة تلقي الضوء على الدور المتزايد لمؤسسات الأعمال ليس فقط كجهات مقترضة ولكن أيضا كجهات مُقرِضة. تشير ورقة البنك التي نشرت في فبراير إلى الدور المتنامي للشركات الصينية التي تتكدس لديها النقود سواء المملوكة للدولة أو للقطاع الخاص في ضخ الائتمان في نظام مصارف الظل بالصين (المؤسسات المالية التي لا تخضع معاملاتها للإجراءات التنظيمية- المترجم). ورد في التقرير أن حجم الائتمان المقدم من قطاع الشركات لنظام بنوك الظل تضاعف تقريبا في الفترة بين 2013 و2016 من 7.2 تريليون رينمنبي إلى 14 تريليون رينمنبي(من 1.1 تريليون دولار إلى 2.2 تريليون دولار بالأسعار الجارية.) وفي ورقة منفصلة في العام الماضي درس هيون سونج شين من بنك التسويات الدولية وفالنتينا برونو من الجامعة الأمريكية في واشنطن ازدياد حجم إصدار شركات الأسواق الناشئة للسندات المقومة بالعملة الأجنبية. لقد وجدا أن مثل هذه الشركات تميل إلى الاقتراض أكثر بالدولار الأمريكي حين تكون لديها سلفا كميات كبيرة من الأموال النقدية. وفي العادة تستثمر هذه الشركات حصيلة إصداراتها في الإيداعات المصرفية وأدوات سوق المال للاستفادة من الفرق بين معدلات الفائدة الأمريكية والمحلية. وتزيد هذه الإصدارات من حجم الاقتراض المتاح محليا. وتشير دراسة أخرى من بنك التسويات الدولية إلى دور الدولار الضعيف في تشجيع الاستثمار في الأسواق الناشئة لأنه يجعل التمويل أرخص وأكثر توافرا. بل يمكنه دعم صادرات الأسواق الناشئة. وكل هذا سيكون عرضة للخطر في حال شروع الدولار في تعزيز قوته. لقد كانت البرازيل التي خرجت في العام الماضي من أعمق انكماش في تاريخها «معشوقة» المستثمرين الأجانب، على الأقل في العام الماضي، على أساس أن أمورها لا تمضي إلا نحو الأحسن. لكن نك دونبار، مؤسس الموقع الإلكتروني « ريسكي فاينانس »، ذكر في يناير الماضي أن البرازيل التي ستجري انتخاباتها في أكتوبر ستكون في حاجة إلى احتياجات تمويلية تساوي 15% من ناتجها المحلي الإجمالي هذا العام. إن القطاع الخاص (البرازيلي) ليس محصنا. فشركة الإنشاءات أوديبريشت التي لحقت بها فضيحة مالية تصارع للوفاء بمدفوعات سنداتها. وحسب محمد العريان، كبير المستشارين الاقتصاديين بمجموعة آليانز، نحن «لسنا في توازن مستقر وجيد». فنحن «نشهد نهاية نموذجٍ بين المال والاقتصاد يتزايد اضطرابه». وهو يتصور نتيجتين محتملتين. في إحداهما يكون دَين الأسواق الناشئة أقل وطأة لأن النمو يستمر. أما في النتيجة الثانية فيرى مستقبلا تكف فيه الأسواق المتقدمة عن النمو. وتشاطره سونغا جيبس هذه النظرة. فهي تقول يبدو كأننا عند نقطة تحول. لقد طال إحساسنا بالهدوء. لكن السياسة النقدية لبنك الاحتياط الفيدرالي «أكثر تشددا» الآن وسياسات البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان أقل «تيسيرا».