أهمية الحفاظ على قيمة العملات الوطنية

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

كما هو معروف فإن لكل دولة عملتها الوطنية الخاصة التي تمثّل وسيلة لإتمام عمليات التبادل النقدي والتجاري بين الأفراد والمؤسسات، وترتبط بعملات أخرى ما يعرف بسعر الصرف الأجنبي مقابل العملة المحلية. وأصبحت جميع دول العالم تستخدم اليوم عملات رئيسية في المعاملات الدولية مثل الدولار والجنيه الإنجليزي واليورو والين وغيرها من العملات، حيث هناك رغبة كبيرة لدى المستخدمين في التعامل مع العملات المقبولة من قبل كل دول العالم لإتمام عمليات التبادل فيما بينها. كما هو معروف أيضا بأن أصبح لسعر الصرف دور هام في زيادة الدول المتقدمة تقدما وزيادة الدول المتخلفة تخلفا، بحيث لا يتم تحقيق رغبات الشعوب النامية إلا من خلال توفير العملات الأجنبية المقبولة لدى الدول المتقدمة، وبالتالي فإن تدهور ظروفها الاقتصادية يشكّل تحديا كبيرا لها ولاقتصاداتها ولعملتها الوطنية.
وتؤدي الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها الدول في العالم أحيانا إلى اتخاذ العديد من الإجراءات المناسبة، ومنها تخفيض قيمة العملة. فتخفيض قيمة العملة يعد من الأمور التي تحظى بأهمية بالغة على صعيد الدول سواء أكانت نامية أو متقدمة، لما لها من آثار ونتائج تؤثر بشكل كبير على المتغيرات الاقتصادية الأساسية مثل الآثار على معدل التضخم والفقر والميزان التجاري وغيرها. كما أن عملية تخفيض قيمة العملة تؤدي إلى تآكل الأرصدة النقدية لكل من الأفراد والشركات والمؤسسات. وفي بعض الأحيان يتم تخفيض العملة في حالة تراكم الديون على الدول، بحيث يؤدي بالمنظمات الدولية أحيانا إلى فرض شروط اقتصادية مالية ونقدية مجحفة في حق الدول، أو فرض سياسات نقدية معينة، منها سياسة تخفيض العملة المحلية لها، الأمر الذي يترك أبعادا سيئة على دخول الاستثمارات الخارجية وعلى اقتصادها الوطني.
وقد طرح مؤخرا عدة تساؤلات حول مدى استقرار بعض دول المنطقة الخليجية وعملاتها الوطنية، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومات الخليجية مكافحة الفساد التي تزيد من مشاكل تلك الدول. وقبل عدة أيام تداولت وسائل التواصل الاجتماعي عن رغبة إحدى الدول الخليجية بإقدام حكومتها على تخفيض قيمة عملتها الوطنية مقابل العملات الأجنبية. ويعزى ذلك إلى الوضع الاقتصادي المتردي في تلك الدولة لأول مرة في تاريخها. ومثل بقية الدول الخليجية التي شهدت صدور عدة قرارات لتصحيح أوضاعها الاقتصادية والمالية نتيجة لتراجع أسعار النفط العالمية، فقد أصدرت تلك الدولة أيضا عدة قرارات تتعلق برفع الضرائب وتخفيض قيمة الدعم والإنفاق والإعانات، إلا أن الأزمة مستمرة في التفاقم لديها يوما بعد يوم، الأمر الذي يجبرها بفك ارتباط عملتها بالدولار، مع أن المحللين المتابعين لشأن هذه الدولة لا يستبعدون خفض قيمة عملتها الوطنية مقابل الدولار. كما أن الكثير من المؤشرات تفيد بأن سلطات تلك الدولة غير قادرة على الحفاظ على ربط عملتها بالدولار نتيجة لسياساتها المالية الفاشلة، وتفشي الفساد المالي، وزيادة الإنفاق العسكري والأمني في ظل غياب أي بوادر في الأفق لحل الأزمات لديها، مع ارتفاع مديونيتها الخارجية بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية، وتراجع في صافي أصولها الأجنبية، الأمر الذي يشكّل خطورة عليها. والكل يعلم بأن معظم الدول الخليجية – باستثناء السلطنة- منهمكة في تمويل حروب تندلع في سوريا واليمن وغيرها من أقطار عربية أخرى، وأن كل واحدة منها ليس لديها نفس طويلة بالنظر إلى مشاكل دولة خليجية أخرى.
وقبل عدة أيام ذكر موقع “بلومبيرغ” أن إحدى الدول الخليجية طلبت من حلفائها الخليجيين دعمها ماليا لإعادة ملء احتياطاتها الأجنبية، لتتجنب خفض قيمة العملة، الذي قد يترك أثره على بقية دول المنطقة، ولكن حتى اليوم لم تتلق ردا شافيا وكافيا لهذه المسألة السيادية، الأمر الذي يزيد من مخاوف إقدام هذه الدولة على فك ارتباط عملتها بالدولار، وبالتالي تعويمه، وهي سابقة قد تكون لها تداعيات اقتصادية على دول الخليج الأخرى التي حافظت طوال العقود الأخيرة على استقرار عملاتها الوطنية المرتبطة بالدولار. وفي هذه المعاناة يرى صندوق النقد الدولي إنه قد يتعين على تلك الدولة الخليجية زيادة أسعار الفائدة في السوق لحماية عملتها، واتخاذ المزيد من الخطوات لتقليل العجز من أجل تحقيق الاستقرار بالمالية العامة للدولة ودعم ربط عملتها بالدولار الأمريكي، معتبرا أن زيادة أسعار الفائدة ستقلل من نزوح رؤوس الأموال وتساعد على إعادة بناء الاحتياطيات النقدية لديها.
والكل يعلم بأن تخفيض قيمة العملة في أية دولة تكون له تأثيرات عكسية وسلبية في الكثير من الأحيان، وربما تهوي باقتصادها إلى الانكماش بسبب التضخم الجامح الذي قد ينتج عن ارتفاع أسعار المواد الأولية مثل مصادر الطاقة كالنفط والغاز والمواد الغذائية والأجهزة المستوردة، خاصة الدول التي تعتمد على الاستيراد الخارجي مثل دول المنطقة. ومثل هذه الخطوة في حالة الإقدام عليها ربما ستنعكس ذلك على أسعار المنتجات النهائية التي سترتفع بدورها، وبالتالي سينعكس ذلك سلبا على الطلب الذي سينكمش هو الآخر، وتتراجع المبيعات ويتقلص الإنتاج وتدخل البلاد في وضع اقتصادي سيئ يسهم في المزيد من تخفيض قيمة عملتها. أما في الحالات التي لا ترغب الدول في خفض قيمة عملاتها الوطنية، فإن القادرة منها ماليا واقتصاديا تتجه باستخدام احتياطياتها من النقد الأجنبي للدفاع عن أنظمتها المرتبطة بالدولار مثل ما هو سائد لدينا لدى بعض الدول في المنطقة. كما أنه في حالة إلغاء نظام ربط عملتها، فإن ذلك سوف يؤدي على الفور إلى ارتفاع أسعار السلع بما يؤثر على مستويات المعيشة. ويحذر المراقبون بأن إلغاء نظام الربط يمثل الخطر السياسي الأكبر الذي ربما سوف يواجهه أي بلد، خاصة وأن معظم السلع الواردة إلى دول المنطقة تأتي من الخارج بالدولار. ومن ثم فإن انخفاض سعر العملة سيجعل المواطنين العاديين يشعرون بانخفاض قيمة الدخل من دون تقديم أي مزايا للاقتصاد الأوسع من خلال خفض قيمة الصادرات. وهناك أثر كبير لتراجع قيمة أية عملة في العالم، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث ارتفاع مفاجئ في تكاليف المعيشة وانهيار القوة الشرائية. كما أنه من المحال أن تستنزف الدول احتياطياتها المالية لمدد طويلة لدعم عملاتها الوطنية.
ونحن في السلطنة لدينا تجربة في هذا الأمر عندما أقدمت الحكومة عام 1985 بتخفيض قيمة عملتها بنسبة 10% مقابل الدولار الأمريكي لمواجهة الأزمة النفطية التي مرت بها العالم في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، إلا أنها استطاعت تجاوزها بصورة سريعة نتيجة للإجراءات المالية والتخطيطية التي اتخذتها في وقتها. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم فقد تم ربط الريال العماني مقابل الدولار على أساس 2.58 دولار للريال العماني. كما نجحت السلطنة خلال هذه السنوات في زيادة الاحتياطيات الأجنبية لدى البنوك العمانية نتيجة للسياسات التي تبناها مجلس محافظي البنك المركزي العماني في هذا الشأن، في الوقت الذي تُبذل فيه جهودا متواصلة لدعم توجهات المواطنين نحو تكوين مزيد من الادخارات وتوعيتهم بأهمية قضايا الادخار.