ثلوج نيويورك والاقتصاد التشاركي

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

نقلا عن أمل دنقل – الشاعر الراحل الشهير – قلت عن يوم الأربعاء 21 مارس 2017  : “ ابيض ابيض. لا شيء سوى اللون الابيض “ . كنت أصف بذلك الثلوج التي أحاطت بنا وبالمباني والأشجار والطرق وبكل مكان في مدينة نيوجيرسي المجاورة لنيويورك . كنا مجموعة من الصحفيين المصريين. سمعنا قبلها بيوم ان ارتفاع الثلج سيصل الى 12 بوصة وقلنا ان المجموعة ستقضي اليوم كله حبيسة الغرف لا محالة. بعد ان وضح تراكم الثلوج اكتشفنا ان الطريق الرئيسي أمام الفندق يعمل وكأن شيئا لم يكن. أغرانا ذلك بأن نبدأ التفكير في الخروج وهو ما تحقق بالفعل. أدركت وقتها ان السماع عن الشيء ليس كالعيش فيه . وأن الحياة يمكن ان تستمر بشكل قريب من الطبيعي حتى مع درجة حرارة 3 أو 4 تحت الصفر ( هذا ما كان يومها). بطبيعة الحال أغلقت محال ومدارس ومنشآت ومطاعم لكن كان هناك أخرى تعمل . الكمون لم يكن سيد الموقف فقد كان داخل البيوت أيضا يعج بالحياة ، فمثل تلك الايام هي “ فاميلي داي” بالمعنى الحرفي ، حيث تتجمع فيه الأسر للسمر والمجاملة والتزاور ولتناول الغداء معا كأفضل خيار في وقت الجليد .
أهم ما تعرفت عليه خلال رحلة السير عبر الثلوج في الشوارع الجانبية والكبرى على السواء ، هو شكل لم أكن اعرفه من الاقتصاد التشاركي … انه الاسم الذي بدأنا نسمعه منذ سنوات قليلة، وبعد ان كنا قد عشنا سنين مع ما يسمى التخطيط التشاركي. ما التشاركي الذي اكتشفته في نيوجيرسي المغطاة بالثلج اذا ؟ . كان بالتحديد اتفاق الولاية مع أصحاب سيارات دفع رباعي خاصة- أو نصف نقل – ملك افراد او شركات على القيام بمهام رش مسحوق معين وملح على الطرق الرئيسية والفرعية المهمة بهدف سرعة تسييل الثلج ، إضافة الى إزاحة الثلج المتراكم الى الأجناب بما لا يعيق الحركة. اكثر من ذلك تقوم السيارات، التي ركب كل مالك لها كشاطة أمامية من اجل العمل في هذا اليوم ، بمهمة فتح الطرق الفرعية الخاصة ، أي التي توصل الى مول بعينه او مطعم او منشأة او متجر ولو صغير ، وحسب الطلب، بإزاحة الثلج ايضا على الاجناب لتمكينها من العمل وتمكين روادها من الدخول اليها والخروج منها. كل ذلك ايضا بمقابل محدد وآلية حساب معروفة في الحالتين ، ويعمل مع الكل سيارات مملوكة للولاية ايضا وفق تقسيم واضح للأدوار .
أثارت الفكرة إعجابي بحيوية “ السيستم”  في النظام الفيدرالي الأمريكي، وبقدرة المجتمع على التجاوب الذكي مع المخاطر الطبيعية والتصدي لها ، حتى لا تعطل دورة الإنتاج والتبادل والعمل والحياة ، وقلت ان نظرية توينبي عن التحدي والاستجابة تعمل بكل همة بالفعل في هذه المناخ.
عدت الى مصر لأسمع تفاصيل اكثر عن حكم المحكمة بوقف شركتي “ اوبر” و” كريم” عن العمل. المشكلة كانت متوقعة، فلم تقم الحكومة بواجب تقنين عمل الشركتين من البداية، رغم ان الأمر كان مطلوبا وتمت المناداة به ، ويبدو لي ان الحكومة رأت مع ضغوط السائقين من جانب ، وضغوط العاملين بالشركتين ومعهم المستنفدون من الخدمة من جانب آخر ، ان من الافضل ان يتم وقف العمل من خلال حكم القضاء بدلا عن الوقف بقرار حكومي تفاديا لعواقب سياسية ، وبعد الحكم – هكذا فكرت الحكومة فيما أرى – يبدأ العمل على حل المشكلة . بدأ بالفعل الحديث عن قانون لتنظيم عمل النقل باستخدام منصات رقمية، ويشمل النقل ليس الأفراد فحسب بل والبضائع والمنتجات أيضا، وفي تلك الأثناء سمعت ولأول مرة من وزير/‏‏‏‏‏ وزيرة ، غير وزير التخطيط في مصر، عبارة “ الاقتصاد التشاركي “ ، واصفة بذلك نهج عمل شركتي اوبر وكريم وانهما البداية . كان المتحدث وزيرة الاستثمار التي عددت خصائص ومزايا هذا النوع من الاقتصاد داعية النواب في البرلمان الى سرعة الموافقة على مشروع القانون حتى يتسنى إطلاق طاقة الأفراد والشركات الصغيرة وكذا الأصول غير المستغلة بأنواعها او المستغلة بكفاءة اقل في الاقتصاد ، وتحقيق منافع مشتركة للأطراف المنخرطة في العملية بما فيها الحكومة التي ستحصد ضرائب اكثر وتحقق رضا المجتمع من خلال توفير فرص ووظائف، ومع صدور القانون سيتم تقنين وضع شركتي اوبر وكريم. الاعتراض الذي أبداه سائقو التاكسيات في مصر على عمل الشركتين أمام القضاء – وتم قبوله – كان بالأساس عدم عدالة المنافسة لأن من يعمل بسيارته او بذاته او هما معا مع اوبر وكريم والشركة التي تدير المنصة الرقمية ذاتها ، لا يدفعون ضرائب ولا تأمينات اجتماعية ولا رسوم تراخيص او تجديد تراخيص كما يفعل سائق التاكسي او مالكه او هما معا ايضا . بالمصادفة فإن الذين بحثوا الاقتصاد التشاركي منذ وقت مبكر حددوا بوضوح ان واحدا من مشاكله الأكبر هو عدم وضوح الإطار القانوني للعمل وغياب آلية واضحة للتحاسب الضريبي وللالتزام بالقوانين العمالية . لا شيء جديد اذا، غير أننا بدأنا نواجه المشكلة التي كنا نعرف أنها ستنفجر بل واردنا توظيف المناسبة في تحقيق نقلة اقتصادية الى الأمام . الطريف ان قطاعات من الطبقة المتوسطة في مصر والتي تبدو كسولة في أوقات ونشطة في أخرى عند التعبير عن مصالحها المشتركة عبرت عن اعتراضها على وقف الشركتين  بصوت عال لأنه مس خدمة حققت لها قدرا من الراحة واليسر والطمأنينة الأعلى على البنات والنساء ، وبه قدر من الانضباط . هذا أمر طيب ففي الاقتصاد التشاركي أيضا لن يحدث تقدم كبير إلا اذا عرفت الأطراف بوضوح حجم ما سيتحقق لها من منافع وعدالة تقسيم تلك المنافع وضمان الا يستولي من يسمى بـ “ الراكب الخفي” – أي الذي لم يبذل أي جهد او بذل جهدا بسيطا – على ما لا يستحق من العوائد . أيضا لا غنى للنجاح عن تقديم خدمات بمعايير عالية وبجودة مقبولة وضمان عدم النزول عن مستوى معين ووجود طرف يفرض المعايير ونشاط الجمهور المستفيد في التعبير عن رأيه هو أداة مهمة لضمان ان تعمل المصفوفات التشاركية بشكل فعال وناجز بالتأكيد .
لقد سبق المجتمع الحكومة في هذا الأمر، وقد شهدنا في الأعوام الأخيرة كيف نشأت منصات لتقديم خدمات الصيانة المنزلية وإصلاح الأجهزة وعلاج أعطال السيارات على الطريق وزرع الأشجار وتصميم البيوت والأفراح والحفلات !،  بل وتسويق منتجات فلاحية لم يكن احد يتصور ان تطالها يد التنظيم الرقمي مثل الفطير او الحمام المحشي او العسل او المطبوخات الشعبية . كل ذلك يعمل تشاركيا وبطريقة واعدة وان كان يحتاج كما قلت للتنظيم الذاتي والرسمي من جانب والدعم الفني والتنسيقي والمعياري من جانب آخر . ولا يمكن للاقتصاد التشاركي ان يعمل بقوة الا مع ايجاد آليات جديدة للتصدي للمشكلات التي يعاني منها قطاع المشروعات الفردية والصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر عموما. من ابرز تلك المشكلات كما رصد أحد المراكز البحثية المرموقة مؤخرا: التمويل والتسويق والإجراءات الطويلة وضعف نشاط التخصيم وقلة إقبال المشاريع الصغيرة عليه لأسباب مختلفة. وأيضا ضعف نظام التأجير التمويلي اذ رغم انه اصبح متاحا للشركات الصغيرة والمتوسطة ولكنه يشترط أن تكون الشركات منضبطة ماليا ولديها مراقب حسابات معتمد من البنك المركزي لضمان قدرتها على الاقتراض والسداد.
كما ان من أهم مشكلات الشركات الصغيرة والمتوسطة تتعلق بالإدارة؛ حيث تدار بعقلية الرجل الواحد ، وميزانياتها غير حقيقية عادة. ورغم وجود قوانين للتخصيم والتأجير التمويلي والضمانات المنقولة ومشروع قانون جديد للشركات الصغيرة والمتوسطة يشجع الكيانات على تأسيس وإقامة شركات الشخص الواحد ويحل مشكلة التسجيل العقاري كشرط لحصول الشركة الصغيرة على تمويل بضمان العقار، لأن أغلب العقارات في مصر غير مسجلة، ورغم ذلك كله فان أهم التحديات يكمن في كيفية تطبيق هذه القوانين وتحقيق الاستفادة منها رب ضارة نافعة . التشاركية ستزدهر لأنها لغة العصر المقبل فى ظني . والله اعلم.