عطر: التعددية العاطفية

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

التعدد من الناحية الدينية أمر أكبر من وعي وليس هو ما أنا بصدد طرحه، بل هو أمر آخر أكثر تعقيدا، فتعدد الزوجات أمر شرعي له أهله الذين يشرحون أسبابه وغايته وضرورياته، وكل ما يتعلق به، استنادا للنصوص القرآنية والأحاديث، أما موضوعنا اليوم (التعددية العاطفية) هو أمر إنساني لا يرتبط بالدين بل بطبيعة الإنسان ولا يرتبط بالنوع (رجل او امرأة) ولا بجنسيته بل يرتبط بشخصية المتعدد ورؤيته عن ذاته وتعامله مع تقلباته العاطفية وحاجاته، هذا التعدد الذي قد يخرج عن الإطار المسموح به أخلاقيا، ليصبح حالة من الجوع العاطفي التي لا تنتهي.
من المفروض ان لا تقبل الروح القسمة فهي تحب وتكره بثنائية تبادلية ولكن عطش العاطفة والرغبة قد لا يرتويان وقد شاهد جيلنا أنموذجا عن ذلك فيلم (أمرأة واحدة لا تكفي) الذي عُرض عام 1990 وقدمته للسينما المخرجة (إيناس الدغيدي) من بطولة (أحمد زكي، ويسرا، وسماح أنور، وفيفي عبده) حيث يقدم لنا الممثل أحمد زكي أنموذجا للرجل المتعدد والذي لا يعي حقيقة هذا التعدد فنحن نتابع علاقته بالنساء الثلاث بطلات الفيلم، المختلفات شكلا ومضمونا، واللواتي يتقاطعن معه بحبكة درامية توضح حاجته لكل واحدة منهن وتشرذمه العاطفي بينهن، هو يحب في كل واحدة منهن ميزات معينة تشعره بعدم قدرته على الاستغناء عن أي منهن، هذا التعدد ولد صراعات من حوله بينه وبينهن وبين النساء الثلاث ونظرتهن لبعضهن البعض وله، علاقات مركبة قاسية وإنسانية في مكان ما وغير مقبولة في مكان آخر، هذا الفيلم تجرأ على طرح فكرة التعددية المرتبطة بالحاجة، فغالبا لا يمكن أن تجمع امرأة واحدة كل الصفات التي يرغبها الرجل بشريكة حياته أو في حبيبته وهذا ما عالجه الفيلم وكل ذلك جعل المشاهد يتعاطف مع النساء الثلاث لأن كل واحدة منهن أحبته على طريقتها ووقفت بجانبه على طريقتها وأرادته لنفسها على طريقتها.
طبعا يبقى التعدد العاطفي بالنسبة للرجل أمرا مقبولا اجتماعيا، ونجد له تبريرا ونعطيه صكوك براءة رغم أحكامنا عليه بأنه أمر يولد الأذى للجميع، أما تعدد المرأة العاطفي فهو خزي وعار وانحلال، فالمرأة عليها أن تكون أحادية غير قابلة للقسمة، الرقم الصعب الذي لا تهزمه الحاجة ولا تمسه الرغبة ولا يستسلم الى العاطفة، في جوهر الأمر نعم المرأة التي تحب لا تقبل القسمة ولا تستطيع ان تكون الا لحبيبها لزوجها وهي تضغط حاجاتها لتصبح بحجم قدرات شريكها العاطفية والمادية والجسدية، الحب بالنسبة للمرأة لا عواصم له إلا رجلها ولا موانئ له إلا حضن شريكها، طبعا أتحدث عن المرأة التي تحب بصدق والتي اختار قلبها رجل عمرها، التعدد بات غير بعيد عن المرأة التي أضاعت مفهوم العلاقة بين الشريك والتي لوثتها العولمة بانفتاح سرّب إليها شيطان التجربة من شقوق ثغراتها اليومية، فباتت تستهل التجربة، لكن فلنكن موضوعيين وبعيدين عن الأحكام المسبقة. لا يقع اللوم على المرأة وحدها حين تتعدد فالمرأة في الحب ترغب في توازن يقدمه لها شريكها قائم على ثلاثية العلاقة الإنسانية وهي (الحب، والمادة، والجنس) وقد رتبتهم بحسب حاجاتها وهي في داخلها لا تستغني عن أحدها إلا تحت ضغط الضرورة والواجب وهنا يأتي دور الرجل في فهم هذه الحاجات ومحاولة منحها لشريكته بتوازن يشعرها بالرضا.
العلاقات بين الرجل والمرأة تبدو معقدة ولكن هي ليست كذلك إن تمكن القلب والعقل من استيعاب الآخر. ولكن يبقى التعدد العاطفي أمرا غير مقبول ليس للشريك فقط بل للمتعدد نفسه الذي سيعاني من تشويش كبير وضياع البوصلة العاطفية وتوزيع طاقته بين أمزجة مختلفة، عدا الخوف والقلق المرافق لهذا التعدد الذي يدرك أنه لا يحقق السعادة المرجوة منه.