كم هي فادحة خسائر الحرب في سوريا !!

د. عبدالعاطى محمد –

دخلت الحرب في سوريا عامها الثامن دون أن تلوح في الأفق أية نهاية، بل موجات جديدة من هذه الحرب العبثية. التحركات السياسية لم تتوقف، ولكنها تفرقت بين مسارات مختلفة. والتحركات العسكرية لم تتوقف أيضا، ولكنها ازدادت ضراوة. والخسائر البشرية وصلت إلى أرقام لا يتخيلها عقل بشر، ونحن في القرن الواحد والعشرين.

مع أحدث فصول المأساة حيث العمليات العسكرية في الشمال والجنوب، سواء في عفرين أو الغوطة الشرقية، وهما مجرد جزء من كل شهد من قبل وعلى مدى 7 سنوات دمارا للبشر والحجر، تتحدث تقارير إعلامية موثوقة عن تهجير جماعي للآلاف من السوريين فرارا من استمرار العمليات العسكرية، برغم كل ما صدر عن المجتمع الدولي من الاتفاق على هدن.
هناك نحو 30 ألف شخص فروا من عفرين هربا من الحرب الدائرة بين تركيا وقوات حماية الشعب الكردية، و 20 ألف فروا من الغوطة الشرقية هربا من الحرب الدائرة بين قوات الجيش السوري (قوات النظام) وفصائل المعارضة المسلحة، والأرقام في تزايد بالطبع في ظل صمت وعجز المجتمع الدولي عما يجري. وهكذا منذ 15 مارس 2011 حيث اندلعت الاحتجاجات ضد النظام السوري وحتى الآن بلغ عدد من شردتهم الحرب ما يقرب من 12 مليون شخص منهم نحو 6 ملايين نازح داخلي ومثلهم خارج سوريا، أي أن الحرب فتكت بحياة ما يقرب من ثلثي الشعب السوري.
لم يعد مفيدا الغوص في مسار كل هذه الأحداث سواء من الناحية السياسية أو العسكرية، فمثل هذه التطورات يجري الحديث عنها ليل نهار وعلى الشاشات الفضائية، ولم يعد هناك شيئا تضيفه يمكن البناء عليه بأن المأساة ستنتهي هذا العام أو غيره، لأنها وصلت من التعقيد حدا لا يقل عن كل ما جرى بين الدول الكبرى التي خاضت من قبل حربين عالميتين.
ما يجرى تغيير كامل لتكوين وشخصية شعب عظيم مثل الشعب السوري عبر حرب متعددة الأطراف يتم تغليفها بشكل سياسي معين، ولأن مخططا جهنميا كهذا يحتاج إلى وقت طويل، تظل الأزمة – الحرب قائمة ولا يستطيع أحد التنبؤ بنهاية محددة لها. لم تعد قضية صراع مسلح بين نظام يحكم في دمشق وجبهات عديدة من المعارضة المسلحة أخذت تسميات مختلفة، ولا حتى حربا ضد الإرهاب بعد أن سقط تنظيم «داعش»، وإنما حرب نفوذ بين قوى كبرى عالمية وإقليمية لإعادة تشكيل ما كان يسمى بالدولة السورية.
في نهاية المطاف ستتوقف التحركات السياسية عند نقطة معينة، ويرفع السياسيون أياديهم عن القضية، وكذلك ستتوقف العمليات العسكرية ويرفع العسكريون أياديهم عن القضية أيضا، ولكنهم جميعا سيكونون قد شاركوا بنسب مختلفة في جريمة إنسانية تصل إلى حد النكبة ضد شعب أراد أن يعيش حياة أفضل مثل بقية شعوب الأرض. هذه الجريمة أو النكبة هي المشهد الأخير الذي تجرى عملية هندسته من خلف الكواليس، وإن كانت دلائله لا تخفي عن نظر المدقق، دولة مركزية تبدو موحدة شكلا من حيث المسمى، على رأس مجتمع ممزق، غارق في ميراث الموت والدمار والانكسار، منقسم إلى مناطق تأخذ قرارها من الخارج عالميا كان أم إقليميا، ومستقطب بين فسطاطين، فسطاط النظام القديم (أو الدولة المركزية الجديدة الهشة) وفسطاط المعارضة المسلحة التي حملت لواء الثورة على نظام الأسد، أو بالأحرى فسطاط الموالاة وفسطاط الممانعة.
بعد أن تسكت المدافع ويتوقف السياسيون عن الكلام، لنا أن نتخيل مشاعر ومواقف الملايين الذين تم تشريدهم سواء النازحين إلى الداخل أو إلى الخارج. هي بالقطع مشاعر ومواقف سوداوية تحلم بوطن ولا تجده، وبحياة معيشية أفضل ولا تجدها، وبترابط اجتماعي، لطالما عاشوه منذ آلاف السنين، وقد تمزق ، حيث الأسر والعائلات كل في مكان سواء في الداخل أو الخارج.من ذهبوا إلى الخارج يصعب إقناعهم بالعودة مرة أخرى بعد أن يكونوا قد رتبوا حياتهم على الأوضاع الجديدة التي يعيشون فيها. ومن ظلوا في الداخل يعودون إلى الأطلال حيث لا حياة كريمة بكل تأكيد. وبافتراض تحقق الاستقرار وبدء إعادة الإعمار، فإن الجائزة سيتم توزيعها على قاعدة الموالاة والمغالبة لا على قاعدة المواطنة الكاملة مما سيحمل معه أسوأ صور التمييز خصوصا أن الأمر مستقبلا سيكون بيد من سيقوم بمهمة إعادة الإعمار من القوى الدولية والإقليمية مع كل ما بينها من انشقاقات وضغائن.
هذا التهجير المناطقي الجماعي المسخم بالضغائن، نتيجة ما تعرض له من تشريد وأذى، هو أخف وطأة من حالة اللاجئين، ربما من ذهبوا إلى الخارج يتمتعون بالمزايا التي يتم منحها للاجئ، ولكن من نزحوا إلى الداخل لا يتمتعون بشيء من هذا القبيل وينتظرون فقط المعونات التي تصلهم عن طريق المجتمع الدولي، وفي غالب الأحيان لا تصل. وهو نوع من العقاب يضرب كرامة الإنسان في مقتل، ليس فقط لأنه أجبره على ترك موطنه وخسارة ممتلكاته قهرا، وإنما لأنه يجعله في وضع مزرٍ إنسانيا، وما أقساها مشاهد الآلاف من السوريين البسطاء وهم يقطعون الممرات سيرا على الأقدام حاملين على أكتافهم بقايا من بقايا ما يسترون به أجسادهم . ولا حديث هنا عن الوطنية بما تستحقه هذه الكلمة الغالية على النفوس. فالوطنية دون إرهاق للقارئ في تفاصيلها وتعريفاتها المختلفة، انتماء لبقعة جغرافية تمثلها دولة ذات سيادة تفرض القانون وتوفر الأمن والمتطلبات الحياتية للجميع.. هي واجبات وحقوق. وإذا كانت الواجبات معروفة ولا تحتاج تفسيرا وتتلخص في احترام سلطة الدولة التي تمارس وحدها حق استخدام القوة المشروعة، والالتزام بالعهود والقوانين وإتقان العمل، فإن جانب الحقوق هو الأكبر في موضوع الشعور الوطني، حيث يصبح الوطن هو المصدر الذي يوفر لمن ينتمي إليه الحقوق الطبيعية والسياسية أي السكن والعمل والصحة والتعليم والأمن الشخصي وغيرها من الخدمات المتعارف عليها، وإما الحقوق السياسية فتتلخص في كل صور السماح بالمشاركة في صنع واتخاذ القرار والتمثيل (أو الإنابة) في مؤسسات التشريع. فإذا غابت هذه الملامح كما هو حادث في المأساة السورية لا يستقيم الحديث عن أن ما يجري من تهجير قسري جماعي لا يضر حاضرا ومستقبلا بالشعور الوطني عند السوريين من ضحايا هذه الحرب العبثية في المستقبل.
من بيدهم أمر الأزمة سواء كانوا من السياسيين أو العسكريين داخل وخارج سوريا مشغولون دائما بحسم الصراع على الحكم وشكله مستقبلا، وهذا صحيح ولا تثريب عليه، ولكنهم لا يضعون في حساباتهم النتائج المستقبلية لتداعيات ما بعد انتهاء الأزمة, مع أن هذه التداعيات هي الفصل المؤجل من الأزمة الذي سيفرض نفسه لا محالة على الجميع. التهجير الجماعي وتغيير التركيبة السكانية بالقوة لا يقل ألما وحزنا من حجم الضحايا الضخم الذي جعل ثمن هذه الحرب باهظا إلى حد الجنون (وصل عدد القتلى على مدى 7 سنوات نحو 400 ألف شخص وفي تقديرات أخرى 500 ألف شخص).
هؤلاء يتعاملون مع الموقف بدم بارد ولا يأخذون العبرة مما حدث لشعوب أخرى عاشت حربا أهلية أو تعرضت للتدخل الأجنبي المسلح. وقد يكفي مثال العراق اللصيق للتدليل على خطورة تكرار نفس الأخطاء، حيث عاش التجربة ويدفع الآن ثمنا سياسيا باهظا أبرز ملامحه عدم الاستقرار السياسي ، واهتزاز ما يسمى بالتكامل الجغرافي أو تكامل الإقليم. وإذا ذهبنا بعيدا فلهم فيما حدث في بوروندي وغيرها من دول إفريقية من حروب دموية عبرة لا يجب أن تمر مرور الكرام، وكذلك في بعض دول جنوب شرق آسيا.
الخطأ في صمت المجتمع الدولي أو تقاعسه ليس أخلاقيا فقط. وإنما سياسي أيضا على عكس ما يتصور من يخططون في هذه العاصمة أو تلك لمستقبل سوريا، لأنه بافتراض التوصل في النهاية إلى حل، سواء كان سياسيا محضا أو عسكريا بطعم السياسة، لا يمكن تجاهل المشكلات الكبرى التي تترتب مستقبلا على تغيير التركيبة السكانية لسوريا لأنها مشكلات اجتماعية واقتصادية شديدة الصلة بحياة الناس بعد أن تسكت المدافع، فمن خلالها تنتقل الحرب من أطرافها القديمة إلى أبناء المجتمع ذاته الذين لم يكن لهم يد في المأساة من الأصل. ومثل هذا النوع من التداعيات لا يستطيع أحد أن يزعم بأن لديه حلا سحريا للتغلب عليه. ومن هنا سيجد المجتمع الدولي نفسه في خضم أزمة أخرى لا تقل خطورة عن الأزمة الحالية وهى كيفية تحقيق التعايش بين السوريين مستقبلا بالقدر الذي يمنع تكرار المأساة.