نحو غد أفضل .. بقدرات وإمكانات عمانية !!

د. عبد الحميد الموافي –
إن النجاح سيظل مرهونا أيضا بمدى كفاءة عمليات التخطيط التنموي، على المستوى الوطني، وعلى المستوى القطاعي، ومدى القدرة على تحقيق اكبر قدر من التنسيق والتكامل بين مؤسسات المجتمع المختلفة، ومن حسن الطالع أن كثيرا من هذه العوامل موجود ومتوفر، بفضل الاهتمام والمتابعة الدائمة من جانب جلالة السلطان المعظم – أبقاه الله – لمختلف مراحل وضع الرؤية المستقبلية «عمان 2040».

عندما انطلقت مسيرة النهضة العمانية الحديثة، في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وبقدر ما كانت التحديات كبيرة، والطريق طويل، كانت الإرادة والطموحات والثقة بالذات، كبيرة وراسخة، وذلك من منطلق أساسي يستند إلى رؤية واضحة، محددة الأهداف والأولويات، وقادرة على أن ترى مختلف جوانب الواقع، ومتطلبات واحتياجات النهوض به، والسير نحو بناء حياة أفضل وتشييد دولة عصرية، ينعم فيها المواطن العماني بحياة كريمة، ويعوض فيها المجتمع ما فاته، ويستطيع اللحاق بركب التطور، والاندماج في قافلة التقدم الحضاري في القرن الحادي والعشرين.
ومن المؤكد أن العزم والتصميم على اقتحام المشكلات ومواجهة التحديات بجسارة، لم يكن مجرد رغبة، أو أمنية، أو تصور في فراغ، ولكن قوته وواقعيته وقدرته على التحول الى خطوات وبرامج وخطط عملية، استندت، منذ البداية وعلى امتداد أكثر من سبعة وأربعين عاما على الدراسة العلمية المتكاملة لمعطيات الواقع العماني، بكل جوانبه، والتعامل معه على أسس ترفض أسلوب الطفرة وحرق المراحل، وتعتمد على التحول والتطور التدريجي، وعلى نحو يحافظ على هوية المجتمع العماني وتراثه وشخصيته المميزة، مع الاعتماد على المواطن العماني بدرجة أساسية، بعد تأهيله وإعداده الإعداد الصحيح والمتكامل ليتحمل المسؤولية الأساسية في عمليات التنمية والبناء، والتحول بالاقتصاد العماني، من اقتصاد أولي، الى اقتصاد قادر على النمو الذاتي، والانتقال بعد ذلك الى اقتصاد حديث، يقوم على المعرفة والتفاعل النشط مع مختلف التطورات الإقليمية والدولية، بكل ما يعنيه ذلك من تحديث على كل المستويات وفي كل القطاعات.
وعلى امتداد العقود والسنوات الماضية، تحققت بالفعل الكثير من الخطوات والأهداف، وتفاعلت أيضا معطيات كثيرة، اقتصادية وسياسية واجتماعية، محلية وإقليمية ودولية، أثرت بالتأكيد على حركة التنمية والتطور العماني بأشكال ودرجات مختلفة، وذلك بحكم التفاعل والتأثر والتأثير المتبادل بين ما يجري في الداخل، وما يحدث من تطورات إقليمية ودولية، ولكن الملمح الأساسي والمتواصل، الذي أرساه جلالة السلطان المعظم هو أن تكون عمليات التنمية الوطنية، بكل قطاعاتها، بشرية ومادية، اقتصادية واجتماعية، وبمفهومها الواسع، عملية متتابعة ومترابطة ومتصلة الحلقات، ليس فقط من اجل الاستفادة من التراكم والإنجاز التنموي الذي يتم، ولكن أيضا من أجل الحفاظ على موارد المجتمع والعمل على الاستفادة الأكبر منها، وتجنب إهدارها في تجارب أو خطوات غير مدروسة، أو نتيجة رغبة ما في البدء من جديد وإلغاء ما سبق أو إنكاره أو إعادة تحقيقه بأسماء جديدة. ومن هنا تحديدا، فانه يمكن القول أن التنمية الوطنية في السلطنة تشكل في الواقع تجربة خاصة، تميزت وتتميز بالقدرة على الاستمرارية والتكيف مع مختلف التطورات، محلية وإقليمية ودولية، ولكنها دوما حافظت على أهدافها وأولوياتها ومسارها، دون الانجراف الى دروب فرعية، وهو ما يعود الى الدور الحيوي الذي قام، ويقوم به حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – أعزه الله – في تحديد الأهداف والأولويات لكل مرحلة من مراحل التنمية الوطنية، وذلك عبر مشاركة، تنمو وتتسع دوما أمام المواطن العماني، وبالاستفادة أيضا من الخبرات الوطنية، بل وإعطائها الأولوية، في كل مرحلة، والصبر عليها – أحيانا وعند الضرورة – حتى تنجح وتنطلق بقوة وكفاءة نحو الغايات المحددة. وفي هذا الإطار فانه يمكن الإشارة باختصار شديد، الى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: إنه في الوقت الذي يجري فيه الإعداد لوضع الرؤية المستقبلية (عمان 2040)، وهو ما تقوم به اللجنة الرئيسية برئاسة صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة، واللجان الفرعية العديدة المنبثقة منها، وكذلك المؤتمر الذي سيتم عقده، بمشاركة هيئات ومنظمات وخبراء عرب وأجانب، الى جانب الخبراء والمتخصصين العمانيين، فانه من الأهمية بمكان الانطلاق في ذلك كله من حقائق محددة، تشكل ركائز حيوية، ولعل من أبرزها، أن الرؤية المستقبلية (عمان 2040) التي سيبدأ تنفيذها اعتبارا من أول عام 2021، أي مع بداية الخطة الخمسية العاشرة (2021 – 2025) ليست جديدة تماما، ولا منقطعة الصلة بما تم من إنجازات، وما تحقق من تنمية شاملة في مختلف المجالات، ولكنها بالقطع امتداد واستمرار لما تم، والبناء عليه. ويعني ذلك بالضرورة النظر والتقييم الموضوعي والصحيح، لكل ما تحقق في إطار الرؤية المستقبلية (عمان 2020)، التي ستتكامل نتائجها مع نهاية عام 2020 وبانتهاء خطة التنمية الخمسية التاسعة (2016 – 2020) ولعل أهمية هذه النقطة تتمثل في أن العامين القادمين وحتى انتهاء الخطة الخمسية التاسعة ستدخل مشروعات عديدة، في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، وفي صلالة وصحار والبريمي وسمائل ونزوى وصور ومسقط الى حيز الإنتاج، بكل ما يعنيه ذلك من تعزيز لقدرات الاقتصاد العماني في الفترة القادمة. ولذا فإنه من المهم والضروري أخذ ذلك في الاعتبار عند عمليات تقييم معطيات الواقع العماني، الاقتصادي والاجتماعي والتنموي بوجه عام، كأحد مدخلات عملية التخطيط والإعداد لروية (عمان 2040). واذا كان من المؤكد أن عملية تقييم للرؤية المستقبلية (عمان 2020) التي تمتد خمسة وعشرين عاما، من عام 1996 – حتى عام 2020، هي عملية ضخمة وتحتاج الى كثير من الخبرات، ولا يمكن التعامل معها إلا بجدية واهتمام ومسؤولية، وبعيدا عن أية نوازع ذاتية، فانه من حسن الحظ انه تتوفر الآن إمكانات اكبر لعمليات تقييم موضوعية، يسهم فيها جهات عدة منها المجلس الأعلى للتخطيط والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات، والبنك المركزي العماني، وجامعة السلطان قابوس، وعدد من الوزارات والهيئات والجهات المعنية الأخرى. ومع أن هذه العملية ستحتاج وقتا، فان البدء من الآن يعد أمرا حيويا، لسبب بسيط هو أن الرؤية المستقبلية (عمان 2040) ستبني بالضرورة على نتائج ومنجزات ما حققته الرؤية المستقبلية (عمان 2020)، وهو ما يفرض ضرورة الإحاطة الكاملة بكل معطيات الواقع الاقتصادي والاجتماعي العماني، وهو ما يحتاج الى دراسة متعددة الجوانب.
*ثانيا: إنه اذا كانت المرحلة الأولى للتنمية الوطنية، التي امتدت منذ اطلاق مسيرة النهضة العمانية الحديثة عام 1970 حتى عام 1995، قد شهدت من خلال الخطط الخمسية الأربع الممتدة من عام 1976 –حتى عام 1995 جهدا وعملا دؤوبا من أجل إنشاء البنية الأساسية، من شبكات طرق، وتوفير للمياه والكهرباء، ونشر وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والرعاية الاجتماعية، في مختلف محافظات وولايات السلطنة، وبدء إنشاء بعض الصناعات الخفيفة لإحلال بعض الواردات، والعمل على الانتقال بالاقتصاد العماني مما كان فيه، الى اقتصاد حديث، فان مما له دلالة عميقة أن المصروفات الحكومية عام 1971 كانت 46 مليون ريال عماني، وكانت الإيرادات نحو 50 مليون ريال عماني، وفي عام 1980 كانت المصروفات الحكومية 925 مليون ريال، وكانت الإيرادات 1188 مليون ريال عماني، وفي عام 1994 ارتفعت المصروفات الحكومية الى 2018 مليون ريال عماني، وبلغت العائدات الحكومية 1723مليون ريال، وبالتالي أخذت عجلة الاقتصاد العماني في الدوران والنمو حيث حقق معدلات نمو كبيرة وملموسة. وفي المرحلة الثانية من التنمية الوطنية، التي امتدت الى خمسة وعشرين عاما في إطار الروية المستقبلية (عمان 2020) والتي بدأت عام 1996، فان الاقتصاد العماني استكمل في الواقع قدرته على النمو الذاتي، والتحول الى اقتصاد حديث، يسعى الى تحقيق التنوع الاقتصادي، واستيعاب مخرجات التعليم من المواطنين العمانيين، والتحول الى اقتصاد المعرفة، والعمل على تحديث الخدمات، والحفاظ على مستوى المعيشة الحقيقي للمواطن العماني والعمل على تحسينه، وقد ظهر ذلك بوضوح في إجمالي الإنفاق العام وإجمالي الإيرادات، كمؤشر عام، ففي عام 2016 بلغ إجمالي الإنفاق العام 9،12 مليار ريال عماني، في حين بلغ إجمالي الإيرادات 6،7 مليار ريال عماني، وفي عام 2017 بلغ إجمالي الإنفاق العام المقدر 7،11 مليار ريال عماني، في حين بلغ إجمالي الإيرادات المقدرة 7،8 مليار ريال عماني.
وفي الوقت الذي استطاع فيه الاقتصاد العماني التفاعل مع مختلف التطورات، وخاصة تأثيرات انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، منذ منتصف عام 2014، واستيعاب أعداد اكبر من الباحثين عن عمل، فان جهودا حثيثة تبذل من اجل دفع عملية التنويع الاقتصادي، في إطار مبادرة (تنفيذ) من أجل الحد من الاعتماد على عائدات النفط، التي لا تزال تمثل الجزء الأكبر من العائدات الحكومية، وفي هذا المجال هناك الكثير من الخطوات والبرامج، بما في ذلك تشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير مناخ الاستثمار في السلطنة، والعمل على الاستفادة من مزايا الموقع الاستراتيجي لها، والبدء في إنشاء عدد متزايد من الصناعات الثقيلة، كالحديد والالمونيوم والبتروكيماويات، وتطوير قطاع السياحة بشكل متزايد، وقبل ذلك كله وبعده العمل على تطوير مهارات الكوادر العمانية، من خلال مستويات وبرامج تدريب عالية ومتطورة، سواء على مستوى المهارات الفنية – معهد عمان للنفط والغاز الذي افتتح امس على سبيل المثال – أو على مستوى القيادات الوسيطة – معهد تطوير الكفاءات بديوان البلاط السلطاني – وغيره من المعاهد والكليات التخصصية الرفيعة في اكثر من مجال.
ويتضافر ذلك كله من أجل توفير أرضية صلبة للرؤية المستقبلية «عمان 2040».
*ثالثا : انه ليس من المبالغة في شيء القول بأن الظروف والمقومات الوطنية المتوفرة للرؤية المستقبلية «عمان 2040» هي افضل بالتأكيد مما توفر للرؤية المستقبلية «عمان 2020»، وذلك بحكم فارق تطور اقتصادي واجتماعي للدولة والمجتمع وللمواطن العماني امتد على مدى خمسة وعشرين عاما، وبقدر أهمية ذلك، فانه من المهم والضروري الاستفادة بكل الوفورات والإنجازات التي تمت، وفي مقدمتها الآن توفر كوادر عمانية متخصصة وطموحة ولديها القدرة على الإسهام الحقيقي في وضع ملامح وعناصر الرؤية المستقبلية «عمان 2040»، وذلك في ضوء المحاور الرئيسية، والأولويات المحددة لها بالطبع. ولعل من الأمور ذات الدلالة في هذا المجال انه يجري الآن ما يمكن تسميته بحوارات واسعة النطاق، عبر اللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية «عمان 2040» من اجل إتاحة الفرصة لمختلف قطاعات المجتمع، وفي مقدمتها الشباب للإسهام والتعبير عن رؤيته وتوقعاته وطموحاته في هذا المجال. غير أنه من المهم والضروري التأكيد على أن الرؤية المستقبلية «عمان 2040» هي بمثابة خطة توجيهية وطنية ، أو كتالوج – اذا جازت التسمية – لتحديد أهداف وأولويات التنمية الوطنية في المرحلة الثالثة التي تبدأ عام 2021 وتستمر حتى عام 2040 وعلى ذلك فانه مع التقدير الكبير لحماس الشباب وتفهمه، فإن الأمر لا يتطلب المبالغة على أي نحو، ولا حديث الأماني، لأن الأمر هو وضع خطوات وعناصر تحكم عمليات التنمية في المجالات والقطاعات المختلفة خلال السنوات العشرين بين عامي 2021 و2040 ولذا فان الأمر يتطلب اكبر قدر من الموضوعية والتفكير العلمي والرؤية الواقعية لما هو قائم، ولما نريد الوصول إليه، وفق الإمكانات المتاحة، خاصة وان تحقيق ما هو مأمول، سيظل مرهونا الى درجة غير قليلة، بمدى القدرة على حشد الموارد والطاقات العمانية، بشرية ومادية أيضا، اذ ستقع مسؤولية التنفيذ العملي في المقام الأول على عاتق الموارد البشرية العمانية المؤهلة والمدربة جيدا، والتي تتطلع الى أخذ مواقعها في مفاصل العمل في مختلف القطاعات، كما أن النجاح سيظل مرهونا أيضا بمدى كفاءة عمليات التخطيط التنموي، على المستوى الوطني، وعلى المستوى القطاعي، ومدى القدرة على تحقيق اكبر قدر من التنسيق والتكامل بين مؤسسات المجتمع المختلفة، ومن حسن الطالع ان كثيرا من هذه العوامل موجود ومتوفر، بفضل الاهتمام والمتابعة الدائمة من جانب جلالة السلطان المعظم – أبقاه الله – لمختلف مراحل وضع الرؤية المستقبلية «عمان 2040».