الرؤية المستقبلية «عمان 2040»

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –
تعتبر السلطنة من أوائل الدول التي قامت بإعداد الرؤية الاقتصادية المستقبلية لها -إن لم تكن الأولى- بين دول المنطقة الخليجية عندما أعلنت عن رؤيتها الاقتصادية (عمان 2020) في عام 1995 حيث تنتهي هذه الرؤية بعد سنتين من الآن.

وقد تم تنفيذ عدة مشاريع ضخمة في هذه الرؤية من خلال الخطط الخمسية التي أطلقتها السلطنة منذ عام 1976. وتسعى السلطنة من وراء هذه الرؤى إلى استشراف مستقبلها التنموي لتحقيق التنمية الشاملة ومواجهة التحديات التي يمكن أن تنجم عن تنفيذ مشاريع مختلفة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، بجانب تحسين مستوى المعيشة والرفاه وتحقيق العدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى تنمية القطاعات وتنويع قاعدة الإنتاج الاقتصادي، وإيجاد مصادر دخل دخل جديدة بجانب الموارد المالية التي تحصل عليها من مشاريع النفط والغاز.
ومن هذا المنطلق، تم في ديسمبر عام 2013م تشكيل اللجنة الرئيسية للرؤية المستقبلية (عُمان 2040م) تستهدف إعداد خطط جديدة للاستفادة من التطورات الاقتصادية والاجتماعية بجانب التقييم للخطط السابقة، مع رسم خطة للنمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة وبمشاركة جميع شرائح المجتمع العماني، وتكون مستوعبة للواقع الاقتصادي والاجتماعي الحالي. وهنا نشير إلى أن السلطنة وبفضل الرؤية السابقة نفذّت عدة مشاريع اقتصادية ضخمة في مجالات المواصلات والصناعة والسياحة التي يمكن الارتكاز عليها لتحقيق بقية المشاريع التي تنوي تنفيذها خلال العقدين المقبلين (2020-2040) في إطار الرؤية الجديدة، مع التركيز على المورد الأهم وهو العنصر البشري الذي يمثّل المورد الرئيسي في تخطيط أي مشروع تنموي. فمرتكزات الرؤية (عمان 2040م) تتضمن تحديد الفرص المتاحة والاستغلال الأمثل للمزايا النسبية وأهمها الموقع الجغرافي الهام للسلطنة، بجانب استغلال كل قطاع اقتصادي آخر يمكن أن يساهم في تنويع مصادر الدخل القومي، مع التأكيد على أهمية التوزيع المتوازن للتنمية في المحافظات العمانية بما يتناسب مع حجم واحتياجات كل محافظة.
الرؤية المستقبلية (عمان 2040) تستهدف وضع الاستراتيجيات والخطوط العريضة والأهداف المستقبلية والخطة الزمنية لتنفيذ مشاريع كل قطاع اقتصادي، الأمر الذي يتطلب توحيد الجهود والانسجام بين جميع المؤسسات، ووضع الاستراتيجيات القطاعية لتوحيد الأهداف لكل قطاع، والمحافظة على الموارد المالية بقدر الإمكان لضمان نجاح هذه الرؤية للمشاريع التي تهم المؤسسات الحكومية، والشركات المملوكة للحكومة، وصناديق الاستثمار، وصناديق التقاعد، والهيئات والمؤسسات الحكومية بجانب القطاع الخاص. فهذا القطاع سوف يظل محورًا رئيسيًا في أي تخطيط مستقبلي في ظل الظروف والتحولات والمتغيرات الكبرى التي يشهدها العالم على كافة الأصعدة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وفي ظل التطورات المتسارعة التي تنقل العالم من حقبة إلى أخرى. والسلطنة تحرص اليوم على مواجهة هذه التطورات بعدة طرق منها التنافسية بين الدول بحيث أصبحت جميع الدول تنظر إلى ذلك كإحدى أهم نقاط الحسم في أي مشروع تنموي في المجتمعات، الأمر الذي يتطلب التخطيط لرؤية ترتكز على الواقع المستقبلي، وتحقيق الجاهزية للتحديات المقبلة، بجانب استثمار جميع الفرص المتاحة لتحقيق التنمية التي نسعى لها، مع ضرورة تسهيل فرص التشغيل للأجيال المقبلة، والقضاء على التحديات والبيروقراطية التي تعاني منها بعض المؤسسات الحكومية لتمكين هذه الأجيال مع العمل الحر ورسم خارطة الطريق للتنمية المستدامة الشاملة التي تضمن لهم المستقبل الأفضل.
إنَّ الرؤية المستقبلة (عُمان 2040م) تستهدف تحقيق عدد من الركائز والمحاور منها محور «الإنسان والمجتمع» باعتباره أساس عملية التنمية وغايتها، مع ضرورة وجود مجتمع حيوي يعيش فيه المواطن معتز بهويته العُمانية، وإرثه الوطني ووفق أفضل مقومات الحياة والرفاه الاجتماعي. أما المحور الآخر فيرتكز على «الاقتصاد والتنمية» لبناء اقتصاد ومتنوع يكون للقطاع الخاص دور أساسيّ في إطلاق إمكانات الاقتصاد الكامنة، وتوليد فرص العمل للمواطنين، مع إعطاء فرص العمل الحر للعمانيين، وتقليل إجراءات تسجيل مؤسساتهم والابتعاد عن ممارسة الأساليب الملتوية لإبعادهم عن ذلك كما هو متبع في كثير من دول العالم، بجانب توزيع مقدرات التنمية على مختلف محافظات السلطنة بما يحقق ازدهارها وتنميتها. أما المحور الثالث فهو يركز على «الحوكمة والأداء المؤسسي» لإيجاد مؤسسات نزيهة تحقق مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون، مع العمل على الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وتحسين جودة تقديم الخدمات وسرعة إنجازها في الموعد المحدد، وذلك بالاستعانة بالبرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي «تنفيذ».
وفي هذا الإطار تبدي السلطنة اهتمامًا كبيرًا بالرؤية المستقبلية لتفعيل أهدافها منذ وقت انطلاقتها ودون أية عقبات، الأمر الذي تطلب عقد عدة اجتماعات وتشكيل لجان لمتابعة جميع الأمور المرتبطة بذلك، حيث عقدت قبل عدة أشهر مضت ملتقى استشراف المستقبل، الذي يعتبر جزءًا من هذا المشروع ومُكملاً لمراحله. وقد تم التركيز من خلال هذا الملتقى على السياق المستقبلي للرؤية، والدوافع والمعوقات والفرص والتحديات التي قد تواجهها السلطنة خلال المرحلة المقبلة، بجانب إعداد السيناريوهات المستقبلية لأي أمر محتمل يمكن أن تتعرض لها الرؤية. كما تم مناقشة الاتجاهات المستقبلية الدولية والإقليمية والوطنية لموضوعات قطاعية تهمُّ المجتمع العماني ومعنية باستشراف التوجهات المستقبلية في السلطنة؛ بما يُعزِّز موقعها على الخريطة العالمية. هذا الملتقى كان بمثابة تجمع وطني شارك فيه مختلف أطياف المجتمع العماني، وشملت موضوعاته: «الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية وقوى التحول الاقتصادي»، و«تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا الهادمة»، و«تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ورأس المال البشري»، و«مستقبل تحولات الطاقة والطاقة المتجددة»، و«تحول النفط: تحول الطاقة والبتروكيماويات»، و«ندرة الموارد والبيئة»، و«التغيرات الديموغرافية والاجتماعية»، و«مستقبل المدن»، و«الحوكمة»، حيث تشكّل هذه القضايا محور الرؤية خلال المرحلة المقبلة، وعملا خالصا لتحقيق المشاركة المجتمعية الواسعة في هذا الشأن سواء من المواطنين أو الوافدين من الشباب، والأكاديميين، والإعلاميين، والطلاب، وذوي الإعاقة، وغيرهم، إضافة لممثلي القطاعات الحكومية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني. كما أن المشاركة المجتمعية موجودة منذ انطلاق أعمال هذه الرؤية من خلال اللجان التي تم تشكيلها لهذا الغرض.
وتتابع السلطنة اليوم ذلك من خلال القضايا الرئيسيَّة التي يتم طرحها على الساحة المحلية تتمثل في إعادة هيكلة الاقتصاد، وتمكين القطاع الخاص، وضمان الاستدامة المالية، كأمثلة للأولويات الوطنية، الأمر الذي سوف يسهم في رفاهية المجتمع العُماني، مع أعطاء اهتمام خاص لإعادة هيكلة النظام التعليمي والنظام الصحي، وحماية المرتكزات الاجتماعية، والمحافظة على البيئة وغيرها من القضايا التي تتم إثارتها بين حين وآخر، وذلك بهدف ترجمة تطلعات العُمانيين ورسم صورة واقعية للاقتصاد العماني خلال السنوات المقبلة.
إن الرؤية المستقبلية (عمان 2040) تعتمد على واقع السلطنة الحالي، مع التركيز أيضا على المتطلبات والتطلعات المستقبلية للبلاد، ومن واقع التحولات التي تشهدها المنطقة والعالم أيضا، مع رسم استراتيجية مستقبلية، بجانب الاستفادة من التقارير الدولية المتخصصة في المجالات التي تهم السلطنة، فيما تقوم اللجنة المكلفة بدراسة جميع الأمور المهمة في هذا الشأن.
كما تقوم أيضا بتحليل الإستراتيجيات القطاعية المختلفة للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد التوجهات الإستراتيجية والأهداف للقضايا الرئيسية في كلِّ محور من محاور الرؤية، ومن ثم تحديد جوانب القوة والضعف لكل محور، وصياغتها ومراجعتها، تمهيدًا لعرضها في المؤتمر الوطني الذي سيعقد في هذا الشأن. ويبقى محور الاقتصاد والتنمية الأبرز في هذه التوجهات لا سيما في ظل الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وفي ظل المتغيرات الدولية، والتذبذب الذي تشهدها أسعار النفط العالمية، وانعكاسات ذلك على الوضع الاقتصادي، وكيفية التكيف مع الواقع الجديد الذي ينتج عن ذلك، الأمر الذي يتطلب بناء اقتصاد متنوع قوي وديناميكي، قادر على التفاعل بمرونة مع الأوضاع والتغيرات المقبلة.