هوامش ومتون: الشاعرُ.. جارحًا وجريحًا

عبد الرزّاق الربيعي –
razaq66@hotmail.com –

وأنا أتصفّح عناوين إصدارات جناح (دار العودة) اللبنانية بمعرض مسقط الدولي للكتاب، لفت نظري كتاب أصدرته الدار عن الشاعر عبدالوهّاب البياتي، للكاتب أحمد سعيد محمّدية، عنوانه (عبدالوهّاب البيّاتي شاعرا جارحا، وجريحا)، احتلّت صورته الغلاف، فسررت لهذه البادرة من الدار التي نشرت له في حياته أعماله الكاملة بثلاثة مجلّدات أذكر أنّني أعدت قراءتها عند صدورها ست مرّات، في وقت كنت مبهورا فيه بتجربته، حتى أن بحث تخرّجي للبكالوريوس كان حول شعره، بإشراف د.جلال الخيّاط، وذات لقاء جمعني به ببغداد عام 1987، كلّمته عنه، فطلبه منّي، وساعد على نشره على حلقات في جريدة (الأنباء) الكويتيّة، ولأنّ الكتب التي كانت تصدر عن هذا الشاعر الكبير الذي له فضل الريادة في حركة الشعر العربي الحديث، وشعره، في حياته، توقّفت بعد وفاته، لأسباب لا نعرف عنها شيئا، ولم تبادر دور النشر بإعادة طباعة دواوينه، ولا يكاد يتذكّره إلّا المقرّبون منه، كلّما مرّت ذكرى وفاته السنويّة في 3 أغسطس 1999م!.
ومنذ الصفحات الأولى من الكتاب فوجئت بأوصاف غريبة ذكرها الكاتب الذي عايشه عن قرب مثلما عايش العديد من الشعراء كونه كان ناشرا لأعمالهم، فوصف البياتي بعبارات بليغة، منها أنّه «من الطيور الجارحة، أو من النمور ذات المخالب التي أدمت كثيرا من الشعراء»، ويرسم صورة شديدة القتامة، والسادية له عندما يقول: «يستمرئ طعم الدم الذي يسيله من أجساد الشعراء عندما يمسك سكّينه، ويطلق عباراته الموحشة، والوحشية، والفاحشة» معتذرا من أسرته عما بدر منه من صراحة جارحة مؤكدا «كانت تفصلني الصعوبة، والحيرة عن نيتي ذكر الحقائق، والوقائع المشهودة، والمخفية المسموعة، والمرئية خشية أن أظهر مفتريا متحاملا أو ناقضا عهود الصداقة، ومتنكرا للصحبة الطويلة، وما كان يخشى منه وقع به، عندما نسف «عهود الصداقة»، والواضح أنّ الذي حفّزه للكتابة مقال نشره د.علي جعفر العلاق في مجلة (الدوحة) فيه «يرسم صورة للبياتي، مهذبة ،ومشذّبة، ولكنها حقيقية، وقاسية» كما يقول، ومن ذلك وصف العلاق له «حالم وهجّاء، شرس وحميم، شهواني، ومتأمل، مباشر وشديد التخفي، غنائي وبذيء»، علما بأن العلاق نال درجة الدكتوراه في شعر البياتي ببريطانيا، حملت عنوان «المشكلات الفنية في شعر البياتي» لكنه لم يترجمها، ولم يطبعها، لضيق البياتي بقضية «المشكلات الفنية»، كما استشفّيت !
وحين يتحدث عن استقباله لمن يلتقي به للمرة الأولى يقول «يبدأ الكلام الحاذق، باللطف المتناهي، وهو يحمل سمة التواضع، ومسوح الشعراء النبلاء الأنقياء، ويذكر فضائل الآخرين، وفضائله، دون أن ينال أحدا بسوء، أو بتجريح حتى يشعر من أمامه أنه إزاء نبي الشعراء .. فيبدأ المتلقي يتقبل البياتي ويؤخذ به كشخصية عظيمة من الكبار المبدعين الأصفياء وهنا يبدأ البياتي بغزل جمله بنعومة وحرص، وطريقة مبطنة يضع الجملة الوصف- في حق شاعر- وتكون الجملة ظاهرة كأنها مديح، ولكنها مبطنة بسعير الانتقاص والحط في الموهبة والشاعرية»، وهي صورة حقيقية يعرفها من جالس البياتي، وأنا منهم .
ويذكر أمثلة طريفة على أوصاف أطلقها على الشعراء منها» هذا شاعر له شهرة الراقصة، وذاك يشبه حشرة أفريقية، وذاك حصان سقط في أول الشوط، ويبالغ كثيرا في تلك الأوصاف حتى نستدعي قول المتنبي: «وعداوة الشعراء بئس المقتنى»، فمثلا يصف قباني بأنه «تاجر بقلاوة يصلح لتنضيد حبات الحلوى، وليس الشعر» ودرويش «لم تصنعه الموهبة، بل الدم الفلسطيني» وحجازي «الأصلع الخرف» والسياب «بلا مبدأ تنقصه الرصانة» وخليل حاوي «شاعر عظيم لكنه أحمق».
ويبدو أنه لم يكن على وفاق تام مع البياتي، فمن واقع معرفته به يقول «كان البياتي يأخذني بالحضن كلما التقيته، وكان يبدي كل المودة، حتى إذا غبت عنه، أنزل بي كل النعوت والصفات المنكرة»، وهذا سبب من أسباب تحامله عليه.
ثم يدوّن ذكرياته معه في القاهرة، وبغداد، ومدريد، ويختتم كتابه بحديث أجراه معه في القاهرة عام 1958م، وملحق برسائل موجهة للمؤلف بخط يده، إلى جانب صور نادرة للبياتي تجمعه بعدد من الأدباء، والشعراء العرب.
كان يمكن للكتاب أن يكون وثيقة مهمة بتفاصيله، وصورة قلمية للبياتي من إنسان جمعته به علاقة دامت سنوات، رغم أن العلاقات بين الشعراء والناشرين تشوبها المنفعة، والتوتر، في أحايين كثيرة، لكنّ الكتاب جاء «جارحا» لسيرة شاعر كبير هو في النهاية إنسان له ما له، وعليه ما عليه، ولا تؤخذ عليه آراؤه في الجلسات الخاصة لتظهر للملأ بعد رحيله عن هذا العالم، فتخدش صورته في أذهان محبّيه فيغدو «جريحا»!