السلطنة تشارك في افتتاح مكتبة «البيروني» بطشقند

شيدت بأوامر سامية وتعكس النظرة الشاملة لجلالته لتحقيق التقارب العلمي –
علماء أوزبكستان يشكرون جلالته والسيد هيثم يؤكد الدور الإنساني للمشروع –
طشقند «أوزبكستان» ـ عاصـم الشـيدي:-
احتفل في العاصمة الأوزبكية طشقند صباح أمس بافتتاح المبنى الجديد لمكتبة أبي الريحان البيروني الذي جاء بدعم سام وسخي من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.

ورعى حفل الافتتاح دولة عبدالله أربوف رئيس وزراء جمهورية أوزبكستان ومثل السلطنة في حفل الافتتاح وبناء على التكليف السامي من جلالة السلطان ـ حفظه الله ورعاه، صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد.
وتتبع المكتبة معهد أبي الريحان البيروني للدراسات الشرقية.
وعبر دولة رئيس الوزراء الأوزبكي والمتحدثون في حفل الافتتاح من الأكاديميين والعلماء عن عظيم امتنانهم وشكرهم لدعم جلالة السلطان للمكتبة الذي يدل على اهتمام جلالته بالعلم والعلماء وحفظ التاريخ والتراث الإسلامي.
وقال صاحب السمو السيد هيثم بن طارق: إن افتتاح مشروع مكتبة البيروني بدعم من جلالة السلطان يتجاوز في فكرته توثيق العلاقات بين دولتين، إلى كونه دعما للعلم وللمعرفة الإنسانية التي تخدم الجميع، وتعبيرا عن أهمية التراث الإسلامي في صناعة الحضارة الإنسانية.
وبعد أن أزاح دولة الرئيس الأوزبكي وصاحب السمو السيد هيثم بن طارق الستار عن النصب التذكاري إيذانا بافتتاح المكتبة رسميا تجولوا في أروقة المكتبة وردهاتها، فيما كانت مجموعة من عازفات الأوركسترا السمفونية السلطانية العمانية يعزفن مقطوعة «روندو2» للموسيقار هنري برسل في دلالة على تمازج العلوم والفنون الإنسانية. وأول لوحة تواجه الزائر للمكتبة مستوحاة من حياة البيروني وفيها صورة لخارطة العالم التي رسمها البيروني في القرن العاشر الميلادي وتبدو فيها عُمان واضحة للزائر إلى جوار الحضارات العريقة التي كانت معروفة في تلك المرحلة الزمنية.
وتجوّل الضيوف في الجزء الأساسي من المبنى، وهو مكتبة المخطوطات التي تضم أكثر من 50 ألف مخطوط أغلبها مكتوب بالحرف العربي وأكثر من 80% منها مكتوبة باللغة العربية إضافة إلى التركية والفارسية. كما زاروا جناح ترميم المخطوطات الذي يعتمد على تقنيات عالية في ترميم المخطوطات التالفة وإعادتها إلى الحياة. إضافة إلى جناح تصوير المخطوطات وتحويلها إلى مخطوطات رقمية.
ومنحت أكاديمية العلوم والدراسات الإسلامية صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد الدكتوراه الفخرية تقديرا منها لدور السلطنة في دعم التراث والعلوم الإنسانية وفق بيان مجلس أمناء الأكاديمية.
وبعد جولتهم في المكتبة عقد دولة الرئيس الأوزبكي وصاحب السمو السيد هيثم بن طارق لقاء ثنائيا تناول العلاقات بين البلدين وسبل تعزيزها. حضر اللقاء من الجانب العُماني معالي الشيخ عبدالله بن محمد السالمي وزير الأوقاف والشؤون الدينية ومعالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي أمين عام وزارة الخارجية وسعادة السفير محمد بن سعيد اللواتي سفير السلطنة المعتمد لدى جمهورية أوزبكستان فيما حضره من الجانب الأوزبكي معالي بهزاد يولداشون رئيس أكاديمية العلوم وسعادة بهرام عبدالحليموف نائب رئيس أكاديمية العلوم وسعادة عبدالجبار عبدالوحيوف.
وصمم مبنى المكتبة على شكل كتاب مفتوح الصفحات في دلالة على أهمية العلم في حوار الحضارات والثقافات. وصممت المكتبة باستخدام هياكل خرسانية مسلحة تستطيع تحمل الزلازل حتى قوة 9.5 درجة وفق مقياس ريختر باعتبار أن منطقة أوزبكستان منطقة زلازل قوية. ويشتمل مشروع المكتبة على برنامج طويل الأجل للتعاون الثقافي يهدف إلى تطوير المركز ليصبح مؤسسة على الطراز العالمي.
بعد ذلك توجه الجميع إلى قاعة المحاضرات وقدمت بعض الكلمات من الجانبين وعرض فيلم وثائقي عن المكتبة.
ورفع رئيس معهد أبي الريحان البيروني للدراسات الشرقية بهزاد يولداشون عظيم شكره وشكر علماء أوزبكستان لجلالة السلطان قابوس بن سعيد -حفظه الله- «لتكرمه بتبني مشروع بناء المكتبة الذي يعتبر في أوزبكستان مشروعا داعما للحضارة الإنسانية جمعاء وليس داعما لأوزبكستان فقط».
وأدرجت اليونسكو مكتبة المخطوطات ضمن لائحة التراث الإنساني نظرا لأهمية المخطوطات التي تضمها وندرتها.
ووصف رئيس المعهد مشروع بناء المكتبة بأنه «جسر تعاون بين سلطنة عمان وأوزبكستان، وهو بادرة تعاون لا تقف عند المكتبة فقط ولكنها تتجاوزها لتأييد الكثير من الجوانب العلمية والثقافية والمعرفية». وأكد رئيس المعهد أن المكتبة تضم مخطوطات تعود للقرنين الثامن والتاسع الميلاديين، وتشمل جوانب مختلفة من المعرفة. مشيرا إلى أن نقل المخطوطات للمبنى الجديد سيتيح للعلماء والباحثين فرصة الاطلاع عليها والاستفادة منها بشكل أوثق. بعد ذلك ألقى معالي الشيخ عبدالله بن محمد السالمي وزير الأوقاف والشؤون الدينية كلمة السلطنة في الحفل، وتساءل في كلمته: بماذا تتميز الأمم في أزمنة نهوضها الكبرى أو بماذا يتميز علماؤها؟ وأجاب بعد سؤاله باقتباس من جورج سارتون في مؤلفه الشهير «تاريخ العلم» بالقول إن علماء أزمنة النهوض الحضاري يتميزون بأمرين: الوعي الكبير الجامع لمتطلبات التقدم العلمي، والسعي الحثيث لاستكشاف منجزات الحضارات الكبرى الأخرى القديمة منها والمعاصرة. مضيفا: في الأمرين تميز أبو الريحان البيروني تميزا كبيرا، فقد دفعه وعيه المبكر بضرورات التقدم ومتطلباته إلى إتقان العلوم التي نهضت في البيئات الإسلامية، فمنها الديني والفكري والفلسفي والبحت والتطبيق.
وقال السالمي إن البيروني أراد أن يبعث للمسلمين عدة رسائل منها رسالة المعرفة، ورسالة إن التاريخ الحضاري الإنساني هو تاريخ لحوار الحضارات وتساندها، وليس لصراعها أو قتلها، والحروب تجري بين الدول ولكنها لا تجري بين الأمم والحضارات، بل الذي يجري بينها هو الائتلاف والاكتمال والتنامي، والإفادة من بعضها البعض.
ومن رسائل البيروني التي تحدث عنها الشيخ السالمي هي أن العوالم الحضارية الآسيوية كما امتلكت ماضيا بالغ الازدهار في بناء المدن الكبرى والحواضر، بوسعها أن تشارك من مراكز قيادية في مستقبل البشرية.
وقال السالمي في كلمة السلطنة: إن جلالة السلطان -أعزه الله- أولى اهتمامه بنشر رسالة السلام والتعارف والقيام بمبادرات كبيرة وكثيرة في الشرق والغرب لكي تكون رسالة النهضة العمانية هي رسالة التقدم العلمي والإنساني. مشيرا إلى أن المكتبة التي يحتفل بافتتاحها اليوم تتحدث عن تواصل حضاري وتآلف وتقدم.
وشدد الشيخ السالمي على أن تكون «رسالتنا ألا نخاف من العالم، ولا أن نخيفه، وإنما نريد أن نكون جزءا منه، وأن نشارك في تقدمه وأمنه ومستقبله». وقال مدير مشروع المكتبة وممثل الحكم في العاصمة طشقند: إن أهمية المكتبة تبرز في كونها تلعب دورا مهما في الحضارة الإنسانية، وفي التقارب بين الشعوب، وتدل على عمق الحضارة التي أنجزها المسلمون. وتضم المكتبة مخطوطات يعود بعضها إلى 1000 عام بينها نسخة من القرآن الكريم يزيد عمرها عن ألف عام، كما تضم مخطوطا نادرا لكتاب الخانات.
وأشار مدير المشروع إلى أن علينا أن نعرف ماضينا من خلال هذه المخطوطات من أجل أن نستطيع النظر إلى المستقبل، وبدون علم وقراءة الماضي لا نستطيع ولوج المستقبل أبدا.
يذكر أن أبا الريحان البَيْرُوني أحد أهم العلماء المسلمين الذين عاشوا في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، وكان عالما موسوعيا حيث ألف في الفلك والجغرافيا والجيولوجيا والرياضيات والطب والصيدلة، إضافة إلى كونه فيلسوفا ومؤرخا ومترجما لثقافات الهند.
وله في الأدب شرح لديوان أبي تمام، ووصفه الكثير من العلماء في عصره والمتأخرين عنه بأنه من بين أعظم العقول التي عرفتها الثقافة الإسلامية، وهو أول من قال: «إن الأرض تدور حول محورها» وبلغ عدد الكتب التي ألفها وترجمها ما يزيد على 120 كتابا.
وشيد مبنى المكتبة على أرض مساحتها 10 آلاف متر مربع، فيما بلغت مساحة المبنى نفسه 7227 مترا مربعا، واستغرق المشروع، رغم فخامته، 9 أشهر حتى اكتماله. ويدخل الزائر للمبنى المكون من ثلاثة طوابق إلى بهو مفتوح على شرفات مكسوة بالخشب وعليها نقوش يتمازج فيها المعمار العماني والأوزبكي. وجميع أعمال الجبس والأخشاب المستخدمة في بناء المكتبة فيها مزج بين الفنون المعمارية العمانية والأوزبكستانية إلا أن الأقواس الخارجية للمكتبة هي أقواس من المعمار العماني الخالص، إضافة إلى الرخام المستخدم في البناء فهو رخام عماني.
والبيروني بلغة خوارزم تعني «الغريب أو الآتي من خارج البلدة». يذكر أن أوزبكستان تحرص من بعد استقلالها عن الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينات القرن الماضي على استعادة هويتها وثقافتها الإسلامية، لذلك ينتشر تعليم اللغة العربية، والبحث وراء التراث الذي خلفته المرحلة الإسلامية. وتملك أوزبكستان اليوم أكثر من 300 ألف مخطوط تعود أصولها للحقبة الإسلامية. وللبيروني العديد من الكتب في مختلف صنوف العلم، وهو أهم من كتب عن تاريخ الهند، وترجم الثقافات الهندية. وكتب البيروني أغلب كتبه باللغة العربية.
ويذهب البعض للقول إن البيروني أول من تحدث عن الجاذبية حين قال: «إن الأجسام تسقط على الأرض بسبب قوى الجذب المتمركزة فيها»، وهذا التعبير فتح الآفاق لنيوتن ليعطيه معنى أكثر شمولية.