«الجزرة» الأمريكية وحسابات كوريا الشمالية

أ.د.حسني نصر –

الانفراجة المفاجئة التي حدثت الأسبوع الماضي في ملف الصراع الأمريكي- الكوري الشمالي، والتي تمثلت في الإعلان عن قمة مرتقبة خلال شهرين بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري كيم جونج- ين، تؤكد من جديد أن لا ثوابت في السياسة العالمية المتقلبة، وأن كل شيء متغير ويتغير باستمرار، وأن المصالح تتفوق دوما على المبادئ الرنانة، وأن أعداء الأمس قد يصبحوا أصدقاء الغد والعكس صحيح.
تساؤلات وتكهنات وتوقعات عديدة، امتلأت بها وسائل الإعلام العالمية منذ أن أعلنت سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض البيت الأبيض مساء الخميس الماضي موافقة الرئيس ترامب علي عقد قمة مع رئيس كوريا الشمالية خلال شهرين في موعد ومكان يتم تحديدهما لاحقا، للتفاوض حول نزع السلاح النووي الكوري وإحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية والعالم. وبقدر ما كان هذا الإعلان صادما في ضوء الخطاب العدائي المتبادل بين الرئيسين الذي بلغ حد التباهي بحجم الزر النووي الذي يملكه كل منهما، فإن دوائر عديدة في العالم تراهن على نجاح هذه الخطوة التي تعبر عن وصول كل طرف إلى قناعة بقوة الطرف الآخر وصعوبة استمرار الوضع الراهن في شبه الجزيرة الكورية على ما هو عليه. وبين المتفائلين بنتائج هذا اللقاء وما يقدمه من فرص لإنهاء واحد من أقدم الصراعات العالمية وأكثرها تعقيدا، والذي توارثته أجيال عديدة ورؤساء كثر، فإن المتشائمين يخشون من أن يقود أي فشل محتمل لهذه الخطوة العالم كله إلى حافة حرب عالمية نووية قد لا تبقي ولا تذر.
ورغم أن العواصم العربية لم تُبد أية ردة فعل على هذه الخطوة باعتبار أن الأمر- مثل أمور عالمية كثيرة- لا تخصنا ولا تعنينا في شيء، وذلك في إطار حالة الانكفاء على الذات التي نعيشها، فإن المهتمين بالشأن العالمي من رواد شبكات التواصل الاجتماعي، وعددهم قليل جدا- عبروا عن سعادتهم بهذه الخطوة الأمريكية، فقط لكونها أثبتت أن العالم، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لا يحترم سوى الأقوياء، وأن قوة كوريا الشمالية هي من أجبرت واشنطن على الموافقة السريعة على دعوة اللقاء التاريخي التي حملها جونج وي-يونج مستشار رئيس كوريا الجنوبية لشؤون الأمن الوطني، إلى ترامب خلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض الأسبوع الماضي.
أيا كان الأمر فإن نجاح القمة المرتقبة سوف يتوقف على ما يقدمه كل طرف إلى الأخر. في مقابل نزع كوريا الشمالية لسلاحها النووي، الذي أصبح يهدد بالفعل الأراضي الأمريكية وليس أراضي حلفاء أمريكا فقط، ووقف تجارب الصواريخ البالستية التي تهدد القواعد العسكرية الأمريكية في المحيط الهادي، والقبول بالمناورات العسكرية الأمريكية مع الجارة الجنوبية، في مقابل كل ذلك سيكون على الولايات المتحدة أن تقدم الكثير لنظام سبق أن سخرت منه وحاصرته وهددت بمحوه من على خريطة العالم؟
يمكن القول إذن إن سياسة العصا التي اتبعتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع كوريا الشمالية لم تجد نفعا، ولعل هذا ما دفع ترامب، رغم كل تهديداته على مدار العام الماضي، الى تلقف العرض الكوري الشمالي واتباع السياسة المقابلة، وهي سياسة الجزرة التي سيكون عليه تقديمها إلى أعدائه للحصول منهم على ما لم يستطع الحصول عليه بالعقوبات الاقتصادية والتهديدات والخطاب العدائي. السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ما «الجزرة» أو إن شئت الدقة «الجزرات» التي يمكن أن يقدمها ترامب لكيم جونج- اون، خاصة وأن الأمريكيين يعرفون جيدًا أن النظام الكوري لن يمنحهم شيئا بالمجان، تماما مثلما حدث في اتفاقهم مع إيران قبل ثلاثة أعوام؟
يبدو إنهاء العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية، التي تزايدت بعد وصول ترامب إلى السلطة، هي الجائزة الكبرى والمكافأة الضخمة التي يمكن أن تحصل عليها كوريا الشمالية في مقابل التزامها بالتجميد والتفكيك الفوري ليس فقط لأسلحتها النووية، ولكن أيضا لبرنامج الصواريخ البالستية طويلة المدى الذي تعمل عليه منذ سنوات. ومن الممكن أن يصاحب ذلك إقرار بعض المساعدات الاقتصادية السريعة التي تحتاجها بيونج يانج بشدة، وهو الأمر الذي قد يضمن استمرار التفاوض للوصول إلى معاهدة سلام تنهي الحرب الكورية، والتي سيكون ثمنها الأكبر هو تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو ما يعني عودة كوريا الشمالية إلى العالم كله. ولعل من أهم المكاسب التي ستعود على كيم يونج-اون هو الحصول على الاحترام والمصداقية الدولية اللذين يبحث عنهما منذ سنوات، ولذلك فإن وقوف ترامب إلى جانبه في الصورة سيمثل نصرا عالميا كبيرا له ومكافأة كبيرة لم يكن يتوقعها.
هذا السيناريو رغم بساطته قد يواجه بعض العقبات، التي قد تعصف به، خاصة وأن القمة المرتقبة ستضم زعيمين لهما تصوراتهما الخاصة حول نفسيهما وحول العالم . ولعل أهم هذه العقبات هو موقف حلفاء الولايات المتحدة الذي قد يكون الاتفاق على حسابهم، خاصة اليابان التي تواجه تهديدات حقيقية من النظام الكوري الشمالي، ومع ذلك ظهرت كأخر من يعلم بشأن القمة المرتقبة، وذلك على خلاف كوريا الجنوبية التي تقود جهود الوساطة بين واشنطن وبيونج يانج. صحيح أن رئيس الوزراء الياباني «شينزو آبي» رحب في اليوم التالي بالقمة واكد انه سيلتقي ترامب الشهر القادم للتشاور قبلها، إلا أن هذا الترحيب البارد يؤكد مخاوف اليابانيين الذين يرغبون في الإبقاء على الضغوط الدولية القوية على كوريا الشمالية، وعدم تخفيفها بأي شكل حتى نهاية التفاوض وإجبار كيم جونج- اون على اتخاذ «خطوات ملموسة نحو نزع السلاح النووي بطريقة مثالية يمكن التحقق منها ولا رجعة فيها»، حسب ما قال « آبي» . وتعلم اليابان جيدًا أن الخطر الأكبر في تلك المغامرة التي أقدم عليها ترامب دون إعداد مسبق وتنسيق كامل مع الحلفاء، يتمثل في احتمالات فشل التفاوض مع زعيم عنيد، وهو ما قد يعني قيام الحرب.
هي مغامرة إذن حسب وصف اليابانيين، أو مقامرة حسب وصف نيكولاس كريستوف كاتب الأعمدة الشهير بصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، الذي يرى أن قبول ترامب دعوة كيم جونج-اون مقامرة خطرة وفكرة سيئة، رغم أنه كان دائما من دعاة الحوار مع كوريا الشمالية وكان- نتيجة لزياراته المتعددة لبيونج يانج- يقول إذا خُيرنا بين التفاوض وبين الصواريخ فإنني أختار التفاوض.
في جميع الأحوال دعونا لا نسبق الأحداث ولا نعبر النهر قبل الوصول إليه، فلننتظر كما تعودنا لنرى ما ستؤول إليه هذه القمة .. إلى سلام ينزع فتيل إحدى أهم أزمات وصراعات العالم المعاصر، وينقل الاهتمام الدولي إلى حل أزمات وصراعات أخرى، أم إلى حرب عالمية ثالثة لن نكون بالطبع بعيدين عنها!!