ترجمات: آسيا الصاعدة وخطر الكف عن النمو

جيمس كرابتري – نيكاي آسيان ريفيو –
ترجمة قاسم مكي –

يجب أن تكون لحظتنا الراهنة لحظة تفاؤل عظيم لآسيا. فاقتصاد العالم يتمتع بأسرع توسع خلال عشرة أعوام. وحسب التوقعات، يتسارع النمو الاقتصادي في البلدان النامية بشدة لافتة. لكن حتى إذا وضعنا جانبا التعثر الذي شهدته السوق العالمية للأسهم مؤخرا لا تحكي لنا مثل هذه التوقعات الإيجابية الحكاية كلها. إنها تخفي حقيقة أن البلدان الصاعدة ككل لا تزال تنمو ببطء أشد قياسا بوتيرة نموها قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008. وما هو أهم من ذلك أن التحولات الهيكلية الأعمق، خصوصا الطريقة التي تعيد بها التقنية تشكيل الصناعة العالمية، تهدد الآن أجزاء هامة من نموذج التنمية في آسيا. من أول وهلة، يبدو أن الوقت غير ملائم للشعور بالقلق من وضع الشريحة الدنيا من البلدان المتوسطة الدخل. ونعني بذلك البلدان التي يتراوح دخل الفرد فيها بين 1000 إلى 4000 دولار أمريكي في العام. تشمل هذه المجموعة حوالي 12 بلدا آسيويا تمتد من الهند إلى فيتنام. فالنظرية الاقتصادية توحي بوجوب أن يكون لدى هذه البلدان القدرة على تحقيق نمو سريع للحاق بنظيراتها الأكثر تصنيعا وثراء. (استخدم الكاتب مصطلحconvergence ويعني، بحسب ويكيبيديا، الفرضية التي ترى أن دخل الفرد في البلدان الأكثر فقرا يتجه إلى النمو بمعدلات أسرع منه في البلدان الغنية بسبب تناقص عوائد عوامل الإنتاج وخصوصا رأس المال. هذا إلى جانب استنساخ البلدان الفقيرة لطرق وتقنيات ومؤسسات إنتاجها- المترجم.) وهذا ما يبدو أنه يحدث إذا أجلنا النظر حول آسيا. فأحدث التوقعات التي نشرها البنك الدولي في يناير تشير إلى أن الهند ستتجاوز الصين هذا العام في معدلات النمو كي تصبح الاقتصاد الكبير الأسرع نموا في العالم. ومن المقرر أن تحقق الفلبين وميانمار نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% و6% على التوالي في عام 2018. بل حتى اندونيسيا التي تصارع مؤخرا كشفت عن بيانات تظهر نموا يزيد عن 5% في الربع الأخير من العام الماضي. وهذا أعلى معدل لها منذ عام 2015. إذن ما المشكلة؟ جزء من المشكلة أن هذه الأرقام البارزة أقل إثارة مما تبدو عليه. فنفس تقرير البنك الدولي تنبأ بأن اقتصادات البلدان الصاعدة ستنمو في مجموعها بمعدل 4.3% سنويا خلال العقد القادم. هذا يبدو نموا جيدا. ولكنه أبطأ بحوالي نقطة مئوية واحدة(1%) من متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي تم تسجيله قبل الانهيار المالي في عام 2008. ويلاحظ التقرير «تدهورا كبيرا في إمكانية النمو خلال العقدين الماضيين» حول العالم النامي. ثم يتنبأ بأن هذه الإمكانية ستضمحل الآن أكثر وذلك على خلفية هبوط الإنتاجية والتغير السكاني. وهما نقطتا ضعف في آسيا بجانب شيخوخة سكانها. لكن هنالك أسباب محددة أكثر تدفع للإحساس بالقلق كما أوضح ذلك مؤخرا أرفيند سوبرامانيان، كبير المستشارين الاقتصاديين في الهند. ففي الأسبوع السابق لإعلان الموازنة الهندية استخدم سوبرامانيان التقرير السنوي لمكتبه للتحذير مما أسماه خطر تلكؤ الاقتصادات «المتأخرة »في مساعيها للحاق بمعدلات دخول أفراد البلدان التي تقدمت عنها. فبلدان مثل الهند واندونيسيا تصارع من أجل تقليد نجاحات التنمية النشطة التي تتمتع بها بلدان مثل الصين وكوريا الجنوبية. يلخص التقرير سلسلة من المخاطر التي يمكن أن تسبب مشاكل للبلدان الفقيرة والدنيا متوسطة الدخل. أول هذه المخاطر «الحمائية» وذلك مع تضاؤل احتمال تحرير التجارة في المستقبل وتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية ضد الصين وبلدان أخرى. ثانيها وأكثرها إثارة للقلق يتعلق بالصناعة التحويلية التي أتاحت للأجيال المبكرة من الآسيويين الانتقال من المزارع إلى المصانع الأساسية ومن ثم إلى قطاعات التصدير المتقدمة ورفع مستوى الإنتاجية في أثناء ذلك. إن جزءا كبيرا من هذه العملية يواجه تهديدا الآن. فالأتمتة وتقنية الروبوتات الصناعية تجعل دور الأيدي العاملة الرخيصة أقل أهمية في العمليات الصناعية. ويمكن لتقنيات مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد تسريع وتيرة نفس هذا الاتجاه. وتجرى إعادة ترحيل بعض أجزاء سلسلة الإمداد الصناعي العالمية إلى البلدان الغنية. هذا فيما تتزايد أعداد البلدان النامية التي تتنافس كي تكون جزءا من نفس هذه السلاسل أيضا مما يعني احتمال أن تتمتع كل منها بحصة أقل من الكيكة العالمية. وفي المستقبل من المرجح أيضا أن يتم ربط سلع مُصَنَّعَة بسيطة مثل لعب الأطفال والأجهزة الإلكترونية بالإنترنت في حين يتم «حزم» وتسويق المكونات الصناعية مع خدمات معقدة مثل «نصائح ما بعد البيع.» وفي الصناعات الرئيسية تنداح بسرعة إلى الخارج ما يدعوها علماء الاقتصاد بالتخوم التِّقَنِيَّة وتعني مستوى التطوير الذي حققته الشركات الأكثر تقدما. وكل هذا يزيد من صعوبة تمكن رائد أعمال في كمبوديا أو ميانمار من إنشاء مصنع ينتج منتجات ملائمة للاستهلاك العالمي أو حصول فلاح غير ماهر على عمل في مثل هذه المصانع. إن قلق سوبرامانيان بشأن كل هذا لافت لأنه ظل لفترة طويلة ناقدا لفكرة «مصيدة الدخل المتوسط.» وهي الفكرة التي ترى أن النمو يمكن أن يظل ثابتا قبل تأهل اقتصاد صاعد للتحول إلى اقتصاد تام النمو. لكن سوبرامانيان يؤمن الآن أن هذه البلدان المتأخرة في انطلاقة نموها مثل الهند التي بدأت تحرير اقتصادها مؤخرا تلزمها مضاعفة جهودها لإعداد عمال يتمتعون بمهارات عالية تحتاجها الشركات الصناعية العالمية. ويقول سبرامانيان إن «إحدى ملامح لحظتنا الراهنة أن التقنية والتصنيع بحاجة ماسة لرأس المال البشري. فالتخوم التقنية تنأى بعيدا عن الشريحة الدنيا من بلدان اقتصادات الدخل المتوسط التي تجد من الصعب عليها اللحاق بها.» إن مشاعر القلق هذه ليست جديدة تماما. فأستاذ جامعة هارفارد، داني رودريك، أطلق تحذيرات شبيهة حول ما وصفه « بالتفكيك السابق لأوانه للتصنيع» والذي تصارع فيه الآن الاقتصادات الصاعدة لإيجاد قطاعات صناعة تحويلية بحجم كبير مماثل لتلك التي أنشأتها البلدان المصنعة في حقب سابقة. كما لا يلزم أن تكون هذه المشاغل سببا للذعر. فمن الممكن جدا أن يساعد التوسع العالمي المستدام (في حال حدوثه) هذه البلدان على استئناف تشغيل محركات نموها من أجل اللحاق بمعدلات دخل الفرد في نظيراتها المتقدمة. كما تتوافر أيضا سياسات استجابة عديدة ومعقولة. وإذا كانت البيئة العالمية أقل تحفيزا الآن فذلك ليس من شأنه سوى أن يزيد من أهمية تحسين البلدان الصاعدة لظروفها الداخلية من البنيات الأساسية إلى التعليم لتسهيل الاستثمار الأجنبي ومحاربة الفساد.
على أية حال، إذا كان سوبرامانيان على صواب يلزم أن تثير هذه الاتجاهات قلق القادة السياسيين الآسيويين بأكثر مما تقلقهم الوعكات القصيرة الأجل مثل هزة السوق العالمية الأخيرة. فحتى التباطؤ البسيط في متوسط معدلات النمو في الأجل الطويل يمكنه تأخير التقارب مع الاقتصادات المتقدمة لعقود قادمة. كما يعني أيضا أن عددا أقل من البلدان سيكون في الغالب قادرا على اتباع ذلك النوع من نموذج التنمية «كثيف» الصناعة التحويلية الذي ابتدرته بلدان شرق آسيا. ربما كانت هنالك مبالغة في الحديث عن فكرة مصيدة الدخل المتوسط في السابق. لكن الخطورة الآن أن هذه المصيدة يمكن أن تصبح حقيقية.

* الكاتب أستاذ مشارك بمدرسة لي كوان يو للسياسات العامة بجامعة سنغافورة الوطنية.