السفير الصيني: السلطنة شقت طريق نهضة استثنائيا خلال العقود الماضية وكسبت احترام وثقة العالم

عمان تمتلك إمكانيات هائلة للتنمية وهي محطة مهمة على طول «الحزام والطريق»
أجرت الحوار – أمل رجب –

قال سعادة يو فو لونج السفير فوق العادة والمفوض لجمهورية الصين الشعبية لدى السلطنة ان هناك الكثير من القواسم المشتركة في السياسات الخارجية لكل من السلطنة والصين، وأكد سعادته في حوار مع جريدة «عمان» أنه تحت القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، شقت السلطنة طريق نهضة استثنائيا خلال العقود الماضية، وإضافة إلى ما حققته من منجزات اقتصادية فقد كسبت السلطنة ايضا احترام وثقة مختلف دول العالم أيضا، مشيرا إلى أن الصين تنظر للسلطنة كدولة مهمة في منطقة شمال إفريقيا وغرب آسيا ، وتمنح اهتماما بالغا وتقديرا عاليا لما تنتهجه من سياسات خارجية سلمية، وما تلعبه من دور فريد وبناء في صون أمن وسلامة المنطقة، وإليكم تفاصيل الحوار..

حققت الاستثمارات الصينية في السلطنة تواجدا ملموسا من خلال مشروعات مشتركة ضخمة تجري إقامتها حاليا في منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة. كيف تنظرون لهذه الخطوة من حيث دعم التعاون الاقتصادي بين البلدين؟ وكيف ترون إمكانية الاستفادة المتبادلة بين البلدين من موقع السلطنة كمحطة رئيسية في مبادرة طريق الحرير الذي تسعى الصين إلى إحيائه؟
ترى الصين ان السلطنة لديها إمكانيات هائلة للتنمية وهي محطة مهمة على طول “الحزام والطريق” وتتمتع عمان بمميزات جيوغرافية بارزة منها سهولة النقل البحري ووقوعها على مقربة من العديد من الأسواق الواعدة. وعند التعاون يسعى الجانبان للدمج ما بين مميزات السلطنة وإمكانيات الشركات الصينية لتحويلهما إلى قوة محركة تفيد تنمية البلدين. وانطلاقا من ذلك فإن المدينة الصناعية الصينية العمانية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم تحظى باهتمام بالغ من قبل أوساط الأعمال وحكومتي البلدين، وبعد وضع حجر الأساس للمدينة في أبريل الماضي، تجري أعمال الإنشاء على قدم وساق، وقد تم التصميم العام للمرحلة الأولى للمشروع، وهو قيد الاعتماد حاليا من قبل الجهات المعنية في السلطنة. وتلعب المدينة الصناعية دورا كبيرا في دعم التعاون التجاري بين البلدين عبر الاستفادة من مزايا الشركات الصينية في الصناعة ورأس المال من جانب ومزايا السلطنة من حيث الموقع الاستراتيجي والقرب من الأسواق الواعدة وسياساتها لتسهيل وجذب الاستثمارات إلى منطقة الدقم أيضا، وهذا يساهم في تسريع وتيرة نمو القطاعات غير النفطية العمانية وتحقيق التنوع للهيكل الاقتصادي والدخل الوطني للسلطنة، والمؤكد ان المدينة الصناعية تعد نمطا راقيا للتعاون الاقتصادي والتجاري بين دول العالم، ومركزا يجمع العديد من الصناعات وهو ما يحقق فوائد أعظم بكثير من المشاريع الاستثمارية المنفردة.
لدى السلطنة حاليا اهتمام كبير بتسريع التنويع الاقتصادي وهو ما يفتح الباب واسعا أمام جذب الاستثمارات الجديدة.. إلى أي مدى يهتم المستثمرون في الصين بالاستفادة من هذه التطورات؟ وما أهم القطاعات الاقتصادية التي تجذب اهتمام المستثمر الصيني؟
تشجع الحكومة الصينية الشركات ذات الكفاءة العالية للقدوم إلى السلطنة للتعاون الاستثماري بمختلف الأشكال مع الجانب العماني. وفي السنوات الأخيرة، دفعت السلطنة بنشاط تطور استراتيجية التنوع الاقتصادي، وبادرت بتحسين متواصل للقوانين واللوائح والبيئة الخاصة بجذب الاستثمار. وتتابع الحكومة المركزية والحكومات المحلية والمؤسسات الحكومية والخاصة في الصين باهتمام وعن كثب تطور السلطنة، وهناك تشاور مع الجانب العماني بشكل مستمر من أجل كافة أوجه التعاون، وحاليا يركز المستثمرون الصينيون اهتمامهم على مجالات منها الشق العلوي والسفلي للصناعات النفطية والقطاعات اللوجستية والسياحية والسمكية والصناعات الخفيفة والثقيلة وغيرها. وإضافة إلى المدينة الصناعية، فإن مشاريع معالجة أنابيب النفط وتعبئة المشروبات التي استثمرت فيها الشركات الصينية قد أحرزت تقدما ملحوظا أيضا. وقبل فترة ليست بطويلة، شاركت مجموعة من الشركات السياحية الصينية في الملتقى العماني الصيني الأول للسياحة الذي نظمته جمعية الصداقة الصينية العمانية ووزارة السياحة العمانية وشركة الطيران العماني، وتمت زيارة استطلاعية للتعرف عن قرب على سوق السياحة العماني، وبشكل متواصل يكتسب التعاون الاستثماري بين البلدين زخما مطردا.
من جانب آخر يعد تحديد مجالات التعاون أساسا لتعميق التعاون الاستثماري بين الجانبين، وترغب السلطنة في دعم اكبر للقطاع الصناعي، أما الصين فتملك نظاما صناعيا متكاملا يشمل كافة انواع الصناعات، ونرحب بالتعاون في جميع المجالات بناء على متطلبات التنمية في السلطنة. كما ان بيئة الأعمال المواتية تعد ضمانا أساسيا لجذب مزيد من الاستثمارات الصينية إلى السلطنة، ومن ناحيتها فإن الشركات الصينية تهتم بالقيمة المحلية المضافة عن طريق توفير فرص التوظيف والتدريب للعمانيين ورفع معدل الشراء المحلي، والكفاءات العمانية خاصة من فئة الشباب موارد استراتيجية لضمان التعاون الاستثماري بين البلدين، خاصة ان وجود هذه الكفاءات يساهم في خفض التكاليف وزيادة الأرباح للشركات الصينية. ونشير الى أن شركة وان فانج العمانية التي تقوم بتنفيذ مشروع المدينة الصناعية قد أرسلت الدفعة الأولى من 39 شابا عمانيا إلى الصين للتدريب المهني لمدة سنتين.
في السنوات الأخيرة شهدت العلاقات الاقتصادية والتجارية تطورا سريعا.. كم يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين؟ وما هي طموحات الصين لزيادة حجم التبادل؟
تعتبر السلطنة رابع أكبر شريك تجاري للصين في العالم العربي، وقد وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2016 إلى 14.17 مليار دولار، وتصدرت الصين المرتبة الأولى كأكبر سوق لتصدير النفط الخام من قبل السلطنة لسنوات متتالية، وقد شكلت تجارة النفط الخام ركيزة التبادل التجاري بين البلدين. واستوردت الصين النفط الخام من السلطنة بمقدار 35.061 مليون طن في عام 2016 مما يشكل 9.2% من إجمالي ما تستورده الصين من النفط، وبقيمة 11.13 مليار دولار مما يشكل 78.6% من إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين.
ومنذ عام 2017 ومع ارتفاع سعر النفط ، شهدت التجارة الصينية العمانية زخما من النمو، ففي التسعة أشهر الأولى من 2017 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 11.87 مليار دولار بارتفاع 14.3% عن عام 2016، ووصل حجم الصادرات الصينية إلى السلطنة 1.79 مليار دولار بنمو 7.8% عن 2016، وبلغ حجم ما تستورده الصين من السلطنة 10.8 مليار دولار بارتفاع 15.54% عن السنة المنصرمة.
وترتبط تنمية التجارة الثنائية بمتطلبات البلدين للتنمية وهيكل صناعاتهما وقدرة استيعاب أسواقهما وغيرها من العوامل، وخلال فترة معينة في المستقبل، ستظل تجارة النفط الخام تؤثر على نحو حاسم على حجم التبادل التجاري بين البلدين. وستبذل الصين مزيدا من الجهود على صعيدي الاستيراد والتصدير لزيادة حجم التبادل التجاري وتحسين هيكل التجارة المتبادلة، وتستهدف الصين الأسواق المتوسطة والراقية في السلطنة من خلال المنتجات الصينية العالية الجودة والمشهورة الماركة خصوصا المنتجات ذات تكنولوجيا عالية والقيمة الإضافية عالية إلى أسواق السلطنة، ومن جانب آخر فإن أسواقنا مفتوحة لاستقبال وترويج المنتجات العمانية وندعو المنتجين العمانيين للمشاركة في المعارض الترويجية لزيادة تسويق منتجاتهم في الصين التي تمثل أضخم سوق في العالم بعدد سكان 1.4 مليار نسمة وسوقا مفتوح للسلع غير النفطية من السلطنة والتي تلبي متطلبات سوق الصين.
وفي مايو الماضي أعلن فخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ في منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي بأن الصين ستنظم معرض اكسبو الصين للاستيراد الدولي ابتداء من العام الجاري، حيث يعتبر قرارا استراتيجيا مهما من منظور تفعيل جولة جديدة من انفتاح الصين على الخارج، وإجراء مهما لحكومة الصين لفتح أسواقها أمام العالم، ومن المقرر أن يقام المعرض الأول في مدينة شانغهاي من 5 إلى 10 من نوفمبر 2018 برعاية مشتركة من قبل وزارة التجارة الصينية وبلدية شانغهاي حيث سيجتمع 150 ألف مشترٍ من أنحاء الصين وسيوجه الجانب الصيني الدعوة للشركات العمانية لحضور المعرض استنادا إلى محاوره الرئيسية لترويج السلع والخدمات ذات الخصائص العمانية للمشتريين الصينيين. وتقوم السفارة حاليا بالتواصل مع وزارة الصناعة والتجارة العمانية وغيرها من الجهات المعنية بهذا الشأن، ونأمل أن يساهم حضور الشركات العمانية في إيجاد منفذ لها لتصدير السلع غير النفطية عالية الجودة للصين.
– أصدرت السلطنة مؤخرا قرارا بمنح التأشيرات السياحية غير المكفولة لمواطني عدة دول منها الصين. كيف ترون تأثير القرار من حيث المساهمة في زيادة عدد السياح الصينيين إلى السلطنة؟
إن السياحة بشكل أساسي تتم بناء على اختيار الزوار للأسواق ، أما دور الحكومات فهو تهيئة الظروف المواتية لتطوير القطاع. وفي السنوات الأخيرة، يزداد عدد السياح الصينيين إلى الدول الخارجية باستمرار، الأمر الذي لا يساعد على زيادة الدخل ونمو الاقتصاد في الدول المستهدفة فحسب، بل يدفع إلى تكثيف التبادل الإنساني بين الصين والدول التي تستقطب السياح الصينيين أيضا، والسفارة الصينية في السلطنة تشجع وتتطلع إلى قدوم مزيد من الصينيين إلى السلطنة، ونقدر جهود السلطنة الإيجابية في تطوير العلاقات مع الصين متمنيا أن يواصل الجانب العماني تقديم التسهيلات بشأن منح التأشيرة للسياح والتجار الصينيين القادمين إلى السلطنة الأمر الذي سيساعد على تحسين مستمر للتعاون بين البلدين في مجال السياحة وغيره. ونشير أيضا الى ان هناك أفلاما ترويجية حول السياحة في السلطنة يتم بثها عبر تلفزيون الصين للتعريف بحضارة السلطنة ومواردها السياحية، وأخيرا هناك حاليا نحو 120 مليون صيني يسافرون خارج الصين سنويا بهدف السياحة وينفقون ما يصل الى 170 مليار دولار، وهم يمثلون واحدا من اهم الأسواق المصدرة للسياح.
يعد الابتكار أهم القوى الدافعة لقيادة التنمية في الصين وفي الوقت نفسه تبذل السلطنة العديد من الجهود لإرساء اقتصاد قائم على المعرفة. كيف يمكن تطوير التعاون بين البلدين في المجالات التكنولوجية؟
يعد الابتكار القوة المحركة الأولى لقيادة التنمية كما ان التكنولوجيا عنصر اساسي في مختلف الصناعات، وتهتم الصين بدعم تطور السلطنة في مجال التكنولوجيا، ويسعدنا ما حققته السلطنة من منجزات في السنوات الأخيرة في مجالات مثل توليد الكهرباء بالطاقة الجديدة وغيرها وكافة المشاريع الاقتصادية والتجارية التي يتعاون الجانبان في إنشائها تزخر بالعوامل التكنولوجية، وهناك الكثير من أوجه التعاون في هذا الصدد منها تعزيز تبادل الزيارات بين أفراد الجهات المسؤولة عن شؤون العلوم والتكنولوجيا في البلدين، وتعميق التعارف عن حالة التطور في مجال العلوم والابتكار للجانبين، وتوثيق الاستفادة المتبادلة، واستكشاف فرص التعاون، والتواصل بين الجهات المعنية من الجانبين بشأن إجراء التبادل والتعاون في المجال التكنولوجي.
ويمكن دراسة إمكانية التعاون بين مؤسسات البلدين في المشاريع الابتكارية ذات التكنولوجيا العالية حيث تأتي الصين في مقدمة دول العالم من حيث مستوى التطور في مجالات السكك الحديدية والاتصالات والأقمار الصناعية والطاقة النووية والتعدين وغيرها من الصناعات، بما يتناسب مع الحاجات التنموية للصناعات في السلطنة و زيادة مدى التطبيق للتكنولوجيا التطبيقية في السلطنة، حيث تملك الصين نتائج تكنولوجية متعددة في مجالات الوقاية من التصحر ومعالجته، والزراعة على الأراضي الجافة، واستزراع الأسماك وتربية المواشي والدواجن وغيرها بما يلبي متطلبات السلطنة. ويوجد بين الجامعات الصينية وجامعة السلطان قابوس تعاون في تجربة تكنولوجيا الري الذكية في الأراضي الجافة وقد حققت نتائج مرضية مستحقة لتعميمها، وان الصين حريصة على إبقاء الاتصال والتواصل مع السلطنة بخصوص التعاون في مختلف المجالات، ويرحب الجانب الصيني بقدوم الجهات المسؤولة والمؤسسات المعنية العمانية إلى الصين للدراسة الميدانية والتشاور عن أوجه التعاون.
كيف ترون آفاق تطور العلاقات بين البلدين في المستقبل؟
إن علاقات التعاون بين البلدين في مختلف المجالات لها آفاق مشرقة في المستقبل في ضوء الصداقة الراسخة التي تربطهما وتمتد إلى ما قبل 1200 سنة منذ أن أبحر البحار العماني العظيم أبو عبيد بسفينته إلى الصين في عام 750 الميلادي، وقد مضت 40 سنة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1978، ورغم التغيرات الكبرى التي شهدها العالم في هذه الفترة تظل الدولتان تتبادلان الثقة والاحترام والدعم ويجمعهما سجل من التعايش والسلام رغم اختلاف النظام السياسي.
وفي السنوات الأخيرة، خاصة بعد أن طرح فخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة “الحزام والطريق”، يتشارك البلدان في هذه المبادرة واصبحت محورا لتعميق الثقة المتبادلة و التعاون العملي وتوسيع التبادل الإنساني في الحاضر والمستقبل، مما دفع بالعلاقات التقليدية الصينية والعمانية للولوج إلى عصر جديد يتسم بسمة التنمية المتسارعة والآفاق الرحبة. ويحرص البلدان على هذه الصداقة وتوثيق التعاون واقتناص الفرص الجديدة، ويمثل العام الجاري الذكرى الـ40 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وهو ما يعد فرصة جديدة للانطلاق نحو مزيد من التطور في العلاقات الصينية العمانية.
شهدت الصين مؤخرا انعقاد المؤتمر الوطني الـ١٩ للحزب الشيوعي الصيني، من وجهة نظر سعادتك ما هي أهم النتائج التي خرج بها المؤتمر وسيكون لها تأثير على الصين في المستقبل؟
هناك نتائج وآثار مستقبلية نتجت عن المؤتمر الوطني منها إرساء قواعد لأفكار شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد وإدراجها في ميثاق الحزب الشيوعي الصيني. وثاني النتائج هو العصر الجديد لتصبح الصين دولةً اشتراكيةً حديثةً قويةً ومزدهرةً وديمقراطيةً ومتحضرةً ومتناغمةً بحلول أواسط القرن الحالي، وذلك على أساس إنجاز بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل. وفي هذا العصر الجديد، التناقض الرئيسي في المجتمع الصيني هو بين حاجة الشعب المتزايدة إلى حياة اكثر رفاهية وبين التنمية غير المتوازنة ولا الكافية، فمن الضروري لنا التمسك بالفكرة التنموية القائمة على اعتبار الشعب محورا لها في سبيل مواصلة دفع التنمية الشاملة للإنسان والرخاء المشترك لجميع أبناء الشعب.