سلوك طفل مسلم (17) :الشجاعة

القاهرة: أماني أحمد –
الشجاعة هي جرأة القلب وقوة النفس عند مواجهة الأمور الصعبة، وهي خلق يجب أن يتحلى به المسلم في تعامله مع الناس. يقول عيد صلاح في كتاب «قصص الأخلاق للأطفال والناشئين»: للشجاعة أنواع كثيرة منها الشجاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، امتثالا لقول الله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)، وامتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «قل الحق، ولو كان مرا».

وهناك الشجاعة في الاعتراف بالخطأ، حيث ينبغي على المسلم الاعتراف بالحق والرجوع إلى الصواب، وألا يخاف في ذلك لومة لائم. وهناك شجاعة القتال، حيث يجب على المسلم أن يثبت أمام الأعداء وألا يجبن، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون). وفي مقابل الشجاعة هناك خلق الجبن، وهو خلق مذموم يجب على المسلم الابتعاد عنه وعدم التخلق به.
وكان من شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصحابة كانوا يحتمون به إذا اشتد القتال. ففي غزوة حنين اغتر المسلمون بكثرتهم، فكانت الهزيمة في أول المعركة، وفر كثير من المسلمين، ولم يثبت في مكان المعركة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة القليلين. وساعتها وقف الرسول صلى الله عليه وسلم بكل شجاعة أمام صفوف المشركين وهو راكب بغلته، وقد رفع صوته قائلا: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». فلما سمع الصحابة قول الرسول صلى الله عليه وسلم عادوا إلى أرض المعركة من جديد، وتجمعوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم حتى هزموا المشركين.
لقد أظهر كثير من أطفال الصحابة الشجاعة أثناء الغزوات مع الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك ما حدث في غزوة بدر، حيث نظر عبد الرحمن بن عوف فإذا به يقف أمام غلامين من الأنصار: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء. وكان الغلامان يريدان قتل أبي جهل لأنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم. ولما بدأت المعركة جرى الغلامان نحو أبي جهل بسرعة، وضرباه بسيفيهما حتى ظنا أنهما قتلاه. ثم ذهبا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبراه بقتل أبي جهل، فقال صلى الله عليه وسلم: أيكما قتله؟ فقال كل منهما: أنا الذي قتله. فقال صلى الله عليه وسلم: هل مسحتما سيفيكما؟ فقالا: لا. فنظر الرسول صلى الله عليه وسلم في السيفين فوجد آثار الدم عليهما، فقال صلى الله عليه وسلم: كلاكما قتله.
وهناك الشجاعة في طلب العلم، فالمسلم يسعى دائما إليه. فذات يوم خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمام الناس، وطلب منهم ألا يغالوا في مهور النساء، حتى ييسر أمور الزواج للفقراء. وكان من بين الجلوس امرأة، فقامت وقالت له في شجاعة: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا؟! أليس الله سبحانه يقول: (وآتيتم إحداهن قنطارا..). وهنا علم أمير المؤمنين أن المرأة أدركت الصواب، وأن رأيها أولى بالصواب، فقال: أصابت امرأة، وأخطأ عمر.
ومن أنواع الشجاعة الاعتراف بالخطأ، فالمسلم إذا أخطأ يسارع بالاعتراف بخطئه. ولذلك يحكى أن رجلا استفتى العز بن عبد السلام رحمه الله في أمر ما، فأفتاه العز، ولما انصرف الرجل عرف العز أنه قد أخطأ في فتواه، فلم يصر العز على خطئه، بل استأجر مناديا ينادي في البلاد: أن من استفتى العز في كذا فلا يأخذ بالفتوى، فإن العز قد أخطأ. يجب أن نربي أبناءنا على الشجاعة منذ الصغر، كما تربى علي بن أبي طالب، فها هو يوم الأحزاب يقف أمام الخندق يمنع عن المدينة المعتدين، ولكن عمرا بن عبد ود استطاع اختراق الخندق، ثم طلب من المسلمين أن يخرجوا إليه من يبارزه. وهنا قام على بن أبي طالب إليه ليبارزه، وقبل المبارزة عرض عليّ على عمرو الدخول في الإسلام، فرفض عمرو. فتقدم إليه علىّ بكل شجاعة -رغم صغر سنه- وبدأت المبارزة بينهما، وما هي إلا دقائق حتى هجم عليّ على عمرو وقتله، وهنا فرح الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون بشجاعة علي. ومن أمثلة الشجاعة النادرة للزبير ما حدث أثناء غزوة الأحزاب، فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن بني قريظة نقضوا عهدهم مع المسلمين، واتفقوا مع قريش على حرب المسلمين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير بن العوام: أنا. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ثانية: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم مرة ثالثة: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. فأعجب الرسول صلى الله عليه وسلم بشجاعة الزبير، وقال للصحابة: إن لكل نبي حواريا، وإن حواريي الزبير. ومن جهة أخرى يقول حامد أحمد الطاهر في كتابه «الأخلاق»: أراد الله تعالى من عباده المؤمنين أن يكونوا أقوياء شجعانا في كل ميدان يقفون فيه، وفي كل مجال هم فيه متسابقون، بل في كل شأن من شؤون حياتهم. ويفهم هذا المعنى من قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون). فالجبن صفة مذمومة في الإسلام، لا يعرفها أقوياء الإيمان، الذين يستمسكون بالعروة الوثقى، وكيف يجبن مسلم يستمد عونه وقوته من القوى العزيز؟!.