نبض المجتمع: تناقض إنساني

خصيب عبدالله القريني –

يمثل التناقض في النظرة لما هو عام وشخصي أحد الجوانب الرئيسية التي تحكم سلوك الشخصية الإنسانية بصورة عامة، تلكم النظرة في اعتقادي الشخصي هي المسؤولة بصورة مباشرة عن مدى التقدم الفكري والثقافي والحضاري لأي مجتمع على وجه البسيطة.
وأتذكر هنا مقولة لأحد المفكرين التي يصف فيها حالة أمة من الأمم بانهم يهتمون فقط بنظافة بيوتهم ويعتنون بها، ولكن لا يكترثون بما هو موجود أمام بيوتهم أو في الشوارع من أوساخ وقاذورات، أي أن الاهتمام ينصب فقط على الجانب الشخصي المغرق في الأنانية دون الاهتمام بالجانب المجتمعي العام، ولا يمكن بالطبع أخذ هذا الوصف كاملا بعلاته، فلا شك أن لكل قاعدة شواذ، وربما ينطبق ذلك على مجتمعات معينة دون غيرها ضمن المجال الجغرافي العالمي وضمن فترات زمنية محددة، وربما ينطبق ذلك أيضًا على الجوانب المادية من حياة الشعوب، لكن هنالك النقيض فيما يخص الجوانب الأخرى سواء الثقافية منها أو الفكرية التي يتعامل معها البعض بصورة عامة.
فمثلا في الجانب الفكري والثقافي، نجد أن الفرد منا يمجد التاريخ والماضي وما حققه أسلافه من إنجازات وبطولات ويفتخر بذلك أيما افتخار ويعده أحد المنجزات البشرية التي يركن لها عندما يتم الحديث عن التطور الحالي في الغرب، وهذا في اعتقادي ليس عيبا خالصا، فوجود ثقافة تاريخية يتم الاتكاء عليها والاستفادة منها دليل على وعي متميز يمكن الاستفادة منه في الحاضر والمستقبل بشرط توافر الظروف المناسبة لذلك، ولكن في مقابل ذكر الجميل لماضي الأجداد على الصعيد العام، نجد ذلك الشخص لا يعبأ أبدا بماضي أي صديق أو أخ عزيز كانت تربطه به علاقة عشرة وصداقة، فالماضي هنا مهما كان رائعا فلا ذكر له بل جحود وصد وعدم اكتراث، فنجده يركز فقط على فعل بسيط صدر من ذلك الشخص ويتعامل معه، وكأن هذا الشخص لما يصدر منه طوال هذه المدة من العلاقة سوى ذلك الفعل القبيح من وجهة نظره.
إننا أمام ظاهرة إنسانية غريبة تتعامل مع الواقع بتناقض تام لا يتماشى أبدا مع المنطق في أحيانا كثيرة، فالاهتمامات بالجوانب المادية هي في الواقع شخصية وفي الجوانب المعنوية تندرج تحت النطاق العام، وربما يستحضرني المثال الذي نكرره ونتذكره دائما في أواخر شهر رمضان عندما يطلب الكثير منا أن يسامحنا الله ويعفو عن زلاتنا، ونحن في نفس الوقت لا نستطيع أن نسامح من أخطأ في حقنا، وحتى لو لم يكن ذلك الفعل يندرج أصلا في خانة الأخطاء.
هل هي طبيعة النفس البشرية أينما وجدت ومنذ وجدت، أم أنها فقط في نطاق وحيز مكاني وزمني معين، لا أدري ولكنني أعبر عن واقع أشاهده وأعايشه وأحيانا أكتوي بنيرانه، فهل هنالك مسببات أو مبررات لكل ما نقوم به من تناقض في حياتنا، أم هي سنة الحياة تتطلب منا ذلك.