عربيا.. الإعلام الحلقة الأضعف في حروب الجيل الرابع!

د. عبد العاطي محمد –

السيطرة على العقول لتحقيق ما لا يمكن تحقيقه بالسلاح هي الهدف مما أصبح يسمى بحروب الجيل الرابع. والإعلام هو إحدى الوسائل البارزة لتحقيق هذا الهدف؛ لأنه بطبيعته يؤثر سريعا وبشدة على تشكيل الرأي العام. وبما أن منطقتنا العربية أكثر عرضة لهذه الحروب، فقد عملت حكوماتها ونخبها، على قلب المعادلة، وذلك بأن تحول الإعلام إلى مصدر للمناعة ضد هذه الحروب لا سببا في انتشارها.
ولأن القضية ليست سهلة بحكم ما تعيشه المنطقة من أزمات داخلية وما تتعرض له كل يوم من تدخلات وضغوط خارجية، فإن ما تحقق من جهد في هذا الاتجاه قليل حتى أصبحت مسألة تحويل الإعلام إلى مصدر للمناعة، لا سببا في المساعدة على استمرار هذا النوع من الحروب، همّا يوميا وموضوعا للنقاش لا يتوقف سواء من جانب الحكومات أو النخب ومن القائمين على صناعة وإدارة هذا القطاع المهم في العمل الوطني. ولا يغيب عن المتابع للأحداث العربية ملاحظة الاتهام بالتقصير في هذا الجهد، والذي يكاد يتكرر كثيرا على لسان مختلف المسؤولين والقائمين على الفعاليات المعنية بل ويصل التقصير إلى حد الاتهام الصريح بأن وسائل للإعلام العربي تلعب دورا في مساعدة من يقودون حروب الجيل الرابع على تحقيق أهدافهم بدءا من زرع الفرقة إلى تهديد الأمن ومرورا بمشروعات التقسيم وغيرها من المفردات التي ملأت الساحة العربية منذ 2005.
ودون تهوين أو تهويل فإن الإعلام العربي لا يزال عاجزا عن التصدي لهذا النوع الجديد من الحروب لأسباب موضوعية يمكن تفهمها، دون المشاركة في لعبة عض الأصابع وتوجيه الاتهامات المتبادلة بالتقصير من جانب طرف ضد الآخر؛ لأن المشاركة في هذه الحالة تصب في نهاية المطاف في اتجاه الإبقاء على وضع الهوان العربي والاستسلام لمناخ الانقسام العبثي.
في إطار تفكيك المسألة بحثا عن مخرج إيجابي، علينا ألا نعمم فمن المؤكد أن هناك إعلاما عربيا يقوم بدور نضالي حقا في هذا المجال ولا يعمل بنفس القواعد التي يعمل بها آخرون ممن يشاركون عن قصد أو بلا وعي في المساعدة على تحقيق أغراض حروب الجيل الرابع، وهم للأسف كثر في الحقيقة حتى لا نخادع الرأي العام. وعلينا أن نسمي الأشياء بمسمياتها أي أن نفسر ما يجري وفقا لعناصره اللصيقة والحقيقية، فبه تنجلي الرؤية أكثر ونضع أيادينا على نقاط الضعف الحقيقية ثم يتجه الجهد المخلص للتعامل معها والنجاح في التغلب عليها.
الفضاء الإلكتروني، وما أصبح يسمى بالإعلام البديل، مصطلحات ومفاهيم جديدة فيها من الغموض أكثر مما فيها من الوضوح، والسرعة في التغير أو التطور في الأدوات المستخدمة، والتداخل الشديد بين مختلف مجالات الحياة والعمل الوطني سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا، ألقى كله بمزيد من التعقيد والتشتت في النظر إلى الإعلام ودوره في صناعة المناعة الوطنية الطبيعية التي تصد الأمراض التي جاءت بها منجزات العصر في التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك فإن الاستغراق في خلط كل هذه العناصر ليتم التعامل بها مجتمعة لبحث قضية أو محور مهم هو الإعلام في هذا المقام، لن يجدي سوى إلى البكاء على اللبن المسكوب إن جاز التعبير لا إلى حل حتى وإن كان جزئيا، فالحل دائما هو خطوة جادة وحقيقية على طريق طويل.
لا يجوز مطلقا أن نزج بالأشياء على بعضها البعض خصوصا إذا كانت هناك فوائد واضحة جلية من بعض عناصرها، وإذا كانت متميزة عن بعضها البعض وليس بالضرورة أنها متداخلة. فلا أحد ينكر أهمية ما أتاحه الفضاء الإلكتروني من منجزات للتوسع الاقتصادي وتحقيق المزيد من الرخاء لكل شعوب العالم وتمكين الحكومات من تطوير أدائها إلى الأفضل. وهنا الكل يتسابق للحصول على أفضل المتاح من هذه المنجزات. ولا يجوز أن نصب جام غضبنا على ما يسمى بالإعلام البديل جملة وتفصيلا والتعامل معه على أنه شر تام يجب التخلص منه. فواقعيا هو تطور حاصل على مستوى العالم وجزء مما يسمى بالعالم الافتراضي (إشارة إلى أن العصر يفرض باضطراد وجود عالم غير تقليدي نعرفه من حكومات وشعوب وأرض وسيادة يعمل تلقائيا بذاته موازيا لعالمنا التقليدي مستفيدا أساسا من الفضاء الإلكتروني)، ومن ثم لا يصح تجاهله حتى لو كان مؤلما!. كما أن هذا الإعلام البديل يضم أنواعا شتى ويضاف لها الجديد كل يوم تقريبا في سياق خدمات التواصل والحصول على المعلومات والأنباء.. إلخ، وهو يبدأ بالصحافة الإلكترونية والمواقع الإخبارية إلى تويتر وفيس بوك مرورا بالمدونات. ومن هذه الآليات ما يستخدمه المسؤولون السياسيون في قيادة الدول، بل الحكومات ذاتها لها حساباتها الرسمية، والجيوش أيضا!.
إذا كان هذا هو الحال، فلماذا تحدث المشاكل إلى حد الهلع حقا؟. وواقع الأمر فعلا أن هناك أخطاء تصل إلى حد الجرائم، بل والتدمير لكل الإنجازات التي تحققها أمة من الأمم وبالأخص عندما يجرى تدبيرها وفق قواعد حروب الجيل الرابع. هنا فإن الداء لا ينحصر تحديدا في هذه الآليات خصوصا عندما تقع في مجال الإعلام بصوره المختلفة، وإنما في الاستخدام السيئ لها من ناحية، وفي غياب المناعة الوطنية الطبيعية التي تتصدى لهذا العبث المميت، تلك المناعة التي لا تتحقق إلا بتضافر الجهود بين المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية من ناحية أخرى.
لقد أدى التوسع في الآليات الإعلامية المعتمدة أساسا على ما يوفره الفضاء الإلكتروني والتكنولوجيا الرقمية إلى تراجع دور المؤسسات إلى حد أنها أصبحت بديلا له، وهو أمر جد خطير لا يمكن السكوت عليه لأنه يهدم منجزا بشريا لطاما قامت عليه حضارة الأمم. ولا يقف الأمر عند تحطيم المؤسسات الرسمية حكومية كانت أم تمثيلية (برلمانات ومجالس شورى) أم حزبية أم نقابية، بل أي نوع من العمل المؤسسي. والأمر يمضي مع كل توسع كهذا بينما المؤسسات تناضل من أجل البقاء! وكما قال المفكر الأمريكي الشهير فرانسس فوكاياما مؤخرا: الوضع الاجتماعي (أي النتائج الاجتماعية التي أفرزتها السوشيال ميديا) يتقدم والمؤسسات عاجزة عن المواكبة. التفريط في دور المؤسسات يعني مباشرة صعود الشعبوية حيث الحكومات التي تريد أن تعمل بعيدا عن المؤسسات وتتعامل مباشرة مع الشعب مستغلة مشاعره المتقلبة وخلافاته المجتمعية الطبيعية، وذلك تطور مناهض تماما لتوجه الحكومات والأمم إلى الديمقراطية بغض النظر عن صور تطبيقها وفقا لطبيعة كل مجتمع. كما أدى طوفان هذه الآليات الإعلامية إلى كارثة غير مسبوقة تهدر الحق الطبيعي لأي مواطن معاصر في أي مجتمع كان، في الحصول على المعلومة الصحيحة، وتتمثل هذه الكارثة في نشر الأخبار الكاذبة وكذلك في الحروب
السيبرانية حيث الاختراق لمواقع وحسابات الغير ونشر معلومات مغلوطة تضر بأمن ومصالح الحكومات والشعوب، ثم يتم توجيه اتهامات عدائية ضد من وقعوا ضحية الاختراق. زِد على ذلك الاعتداءات اليومية المتكررة على الحياة الخاصة للناس عبر تويتر وفيس بوك، بل وعبر المواقع الإلكترونية بكل ما يترتب على ذلك من مشاحنات قانونية وغير قانونية واغتيال للشخصية وقد امتدت العدوى للبرامج الحوارية في بعض الفضائيات استغلال للمناخ العام المتعلق بضعف المؤسسات عن المواجهة وعن القيام بدورها التقليدي المعروف على الوجه الصحيح. القليلون هم الناجون من هذه الكوارث، ولكن الأغلب الأعم وقعوا فريسة للشرور التي جاءت بها الآليات الإعلامية غير التقليدية.
وحتى لا نقع في خطأ جلد الذات، فإن العالم الغربي المتقدم يعانى من نفس هذه المشاكل ويواجه نفس ما يواجهه عالمنا العربي حول ما يسمى بحروب الجيل الرابع بالقياس مع الفارق، حيث لا يزال صلبا ولديه الإمكانيات التي تعينه على إجهاض كل ما قد يصدر من صور لهذه الحروب. والحروب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين وأوروبا ذاتها مثال على ذلك.
تصحيح المسار ليس بعيد المنال كما يتصور البعض، والرسالة هنا ليس للإعلام المقروء حيث لا يزال قابضا على الجمر دفاعا عن الثوابت الوطنية وملتزما إلى حد كبير، ولا إلى الفضائيات ووكالات الأنباء الرسمية، وإنما إلى كل صور الإعلام الجديدة التي تزداد انتشارا، ابتهاجا بالفرص التي يتيحها الفضاء الإلكتروني. لقد باتت الحاجة ماسة للغاية إلى الحفاظ على المؤسسات والتوسع فيها وفقا لمتغيرات العصر والاحتياجات المجتمعية؛ لأنها وحدها القادرة على تقديم المعلومة الصحيحة والتصدي لكل صور ممارسة حروب الجيل الرابع، وكذلك على نزع المواطن من دائرة الفردية إلى دائرة العمل الجماعي. هذا بجانب الاهتمام الشديد بالتعليم والثقافة (القوى الناعمة)، مع انتظار أن يتوصل العالم إلى صيغ قانونية للتعامل مع أي انحراف فيما يخص الآليات الإعلامية المنتمية إلى عالم الفضاء الإلكتروني.