نوافـذ :نمتحن ذاكرتنا .. أو العكس

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
عندما يلتقيك صديق قديم استطاعت السنوات العجاف أن تقطع بينكما حبل المودة والتواصل، فيبادرك بذكر اسمك، حيث تقف أمامه مندهشا، وربما محرجا، وربما ضعيفا، حيث لا تسعفك الذاكرة حينها بـ«اسمه» على الأقل، مع أنك تستحضر ملامحه جيدا، عندها تبدأ باللف والدوران من خلال تزحم الأسئلة عن الحال والأحوال والأسرة والأولاد، وأنت في كل ذلك تمتحن ذاكرتك لكي تسعفك بإحضار اسمه، ويصدمك الموقف أكثر؛ عندما يواجهك بسؤاله المباشر: كيف نسيتني، كأنك «شيبت»، فتعتذر منه، حيث لم تسعفك ذاكرتك حينها؛ على الرغم من مجموعة التوسلات التي أرسلتها إلى ذاكرتك في تلك اللحظات، وقد يأتي الاسم فيعفيك من مغبة الحرج الشديدة.

هذه مواقف نتعرض لها بصورة يومية، خاصة إذا كان الطرف الآخر لم تلتقه منذ سنوات عديدة، وهناك من يمارس عليك سطوته فيكيل عليك اتهامات قصور التواصل، أو أنه يريد أن يضعك في الموقف الحرج، لسبب أو لآخر، وإن كان على سبيل المزاح والتندر، كما يعامل الموقف ذاته في بعض الأحيان، وفي كلا الحالتين، حقا هناك موقف محرج للطرفين: السائل والمسؤول، والأكثر إيلاما، عندما تلتقي نفس هذا الشخص؛ بعد مدة من الزمن؛ ويضعك في نفس الموقف.
وفي المقابل هناك أناس كثر، يطلق عليهم أصحاب الذاكرة الـ«حديدية» حيث لا يزالون يحتفظون بكم هائل من المعلومات، والأرقام والأسماء، إلى درجة تجعلك تقول: إن هذا الإنسان غير طبيعي، فالذاكرة تسعف صاحبها في مختلف المواقف، وتعلي من قدره، وترفعه المكان الأعلى؛ ولذلك عندما يراد مسألة ما من مسائل الحياة، خاصة عن مرحلة سابقة قد ولت، تكون الوجهة إلى فلان من الناس، لأنه يحفظ الأحداث، ويذكر المناسبات، وفي كل مجتمع هناك أناس يمتازون بمثل هذه الذاكرة الـ«حديدية».
وبغض النظر عن مستويات القلق التي تلازمنا عادة في مواقف كثيرة تخوننا ذاكرتنا فيها، إلا أن واقع الذاكرة غير ذلك تماما، فهي كما تشير دراسة حديثة؛ كما قرأت النص التالي: فـ«قد كشفت دراسة أمريكية حديثة – حسب المصدر – أن الجانب المسؤول عن الذاكرة في العقل البشري أكبر عشر مرات مما كان يظنه العلماء، استنادا إلى أبحاث سابقة. ويرى الباحثون – بحسب دراسة نشرتها الصحيفة الإلكترونية «إي لايف» – أن العقل البشري يمكنه تخزين ما يفوق مليون غيغابايت من البيانات، وهو ما يقدر بنحو (4.7) مليار كتاب، أو (670) مليون صفحة ويب» – انتهى نص الخبر -.
فهذا القدر الكبير من اتساع الذاكرة بحسب هذه الدراسة يؤكد أن ذاكرتنا أكبر مما نتوقع أو نتخيل، وذلك ليس مستغربا عبر مساحة العمر التي تمتد إلى مائة عام وأكثر، وهي تحمل هذه الكم الهائل من المعلومات والأسماء والأرقام، وما يتناثر من هذه المساحة ربما القليل، وحالة الصدمة التي نواجهها في بعض الأحيان، جراء المواقف التي نتعرض لها هنا أو هناك، يقينا لا تكاد تذكر أمام ما تختزنه ذاكرتنا من هذه الكم الهائل من المعلومات ما (يقدر بنحو (4.7) مليار كتاب، أو (670) مليون صفحة ويب).
تشير بعض المعلومات إلى أن القراءة والكتابة المستمرتين، من العوامل المهمة في محافظة الذاكرة على نشاطها التخزيني، وأن الأفراد كثيرو القراءة تكون حالة ذاكرتهم أفضل بكثير من غير القارئين، ويأتي في الأهمية أكثر قراءة نصوص القرآن الكريم، كما تشير معلومات أخرى، في ذات السياق، فسبحان الله من أبدع في خلقه، وأنزل عليه كرمه وفضله.