الاحتفاء بالجديد

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

كيف تستقبل الأمم كل جديد في العلم والتكنولوجيا والابتكار؟ . لا توجد طريقة محددة لقياس هذه المسألة وترتيب الدول تصاعديا أو تنازليا طبقا لمستوى استيعابها وتقبلها وترحيبها لذلك الجديد أو مقاومتها ورفضها . في هذا الصدد تلعب الشواهد دورا في تقدير مكانة كل بلد . الشواهد عادة فيها جانب تقديري وشخصي وربما انطباعي لكن تواترها واعتقاد عدد كبير فيها يجعل لها مصداقية ويرسخ نتيجتها في الأذهان حتى لتصبح خلاصاتها جزءا من الثقافة العامة العالمية، فنقول مثلا إن (س) بلد يحتفى (ب ) بالابتكارات بينما يقاوم الناس في (ص) الجديد غالبا. وقد ينطلق المرء في تقييم موقف الدول من واقع مدى تقدم هذا البلد أو ذاك ومستوى التعليم وعدد براءات الاختراع المسجلة وعوائد حقوق الملكية الفكرية ثم يقول انه حتما يوجد ارتباط شرطي بين تقدم الدولة وبين مستوى شعبها ومؤسساتها في استقبال الجديد واحتضانه.
وبالنسبة للجمهور العام فالجديد ليس شيئا واحدا كما أن درجات وأشكال المقاومة ليست واحدة أيضا. كثيرون منا يذكرون كيف قاوم كتاب كبار حداثيون وعقلانيون في البداية استخدام الهاتف النقال أو الحواسيب الإلكترونية وكانت الحجة هي شدة ارتباطهم بالقلم والورق وبعضهم كان. لا يزال يفرط في التغزل في ورق الكتابة الصحفية الذي كنا نسميه «الدشت» وصوت حفيف القلم ينساب عليه . أغلبية كاسحة تغيرت بعد وقت طال أو قصر لكن بقي هناك من هم على العهد وقد أصبحت تلك صفة لصيقة بهم كأن يقال : الأستاذ فلان الذي يرسل مقاله على ورق حتى الآن . بيد أن المثل السابق يبين أن الرفض أو المقاومة لا يأتي من الأقل تعليما أو ثقافة أو مستوى اجتماعيا وحده بل إن الفئات الأخيرة كثيرا ما تكون سباقة إلى احتضان الجديد والإقبال عليه ولا أدل على ذلك طبعا من الهاتف النقال الذي نراه في كل يد وربما في اليدين الاثنتين لهذا الفرد أو ذاك من بسطاء الناس. ربما يكون انتشار الهاتف النقال بالذات نوعا من التصويت العلني على القيمة النفعية والاجتماعية الكامنة فيه رغم كل ما يقال عن مثالبه ؛ لكن ليست كل التكنولوجيا الجديدة لها نفس المكانة أو القيمة بل إن أشد الناس حماسا للتطور التكنولوجي قد يتحولون أحيانا إلى ناقمين على أنواع جديدة من المنتجات لأنهم يرون أن قيمتها بالكامل تقريبا تصب في جيوب منتجيها ومسوقيها وليس في صالح الإنسان .
من المؤكد ان استخدام المتطرفين والإرهابيين للتكنولوجيا الحديثة وبصفة خاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يثير أسئلة لا تنتهي حول التناقض الصارخ بين العداء للصناعة والحداثة والعقلانية والتقدم وبين الولع بالنوع الذي أشرنا إليه بل والبراعة في توظيف التكنولوجيا في القتل والترويع والتخريب بيد أن ذلك ليس ما يعنيني هنا. نأتي إلى الجماعة الصحفية وموقفها من التقدم التكنولوجي ونتوقف عندها بالذات لأن على الإعلام مهمة ومسؤولية. مهمة التعرف والتعريف بالجديد في العلم والتكنولوجيا؛ ومسؤولية أن يقوم بعمليات تقييم منصفة – وغير منحازة تحت ضغط الإعلانات أو المصالح – للأفكار العلمية الجديدة أولا ثم تطبيقاتها المختلفة سواء بأنفسهم أي الإعلاميين أو من خلال الاختصاصيين الذين يستعينون بهم. والملاحظ انه توجد غلبة واضحة في الوقت الراهن للتغطيات ذات البعد التجاري أو المبتور أو المتحيز ؛ مع ندرة في الكتابات المتوازنة والمعمقة والمسؤولة. يحدث أيضا أن تكون الموضوعات العلمية أو التكنولوجية المطروحة معقدة ما يثير عزوف الإعلاميين عن عمل التغطيات المعقولة . كمحرر اقتصادي أود أن اطرح حلا للمشكلة الأخيرة إلا وهو كثرة تعريض الذات لمشقة متابعة موضوعات معرفية تكنولوجية مختلفة ورويدا رويدا سيجد المحرر أن الأمر أسهل بكثير عما كان يظنه بل وسيجد متعة خفية في هذا النوع من التغطيات وفي ردود الفعل التي تأتيه عليها.
وقد رأيت في أيام متتابعة كيف يمكن الانتقال من ندوة فنية عن «البيتكوين» و«البلوك تشين» إلى أخرى عن بناء وإدارة قواعد البيانات إلى ثالثة منذ أيام عن الاستشعار عن بعد وتحلية مياه البحر والتغيرات المناخية وعلوم المياه والأراضي . في الأخيرة والتي نظمتها وزارة الهجرة والمصريين بالخارج واستقدمت لها خيرة علماء مصر في الخارج في تلك الموضوعات ونظراء لهم بالداخل مع حشد من الإعلاميين ورجال السياسة والعمل العام تعلمت ما أود أن أشارككم إياه . جرت المحاضرات ظاهريا باللغة العربية لكن عروض الباحثين كانت بالانجليزية وقد تخلل كلامهم الكثير أيضا من المفردات والجمل الأجنبية ، أي كان شاقا بالفعل التركيز والحفاظ على التيقظ الذهني لوقت طويل مع مثل هذا النوع من الورش أو الندوات ؛ ولا أدعي أن لدي ميزة ما في اللغة أو التركيز غير أن ما خرجت به وأفدت منه كان وافرا .
أهم ما يحفزك على المتابعة في ظل تلك الحالات هوانك بت تعلم أن آخرين استوعبوها وهم غير مختصين مثلك؛ وأن لتلك التخصصات تطبيقات تكنولوجية يعمل بها أو عليها الآن عمال وفلاحون ومهندسون في موزمبيق أو الهند أو فيتنام أو هندوراس الخ ، ثم انه يسهل – وقد فعلت ذلك والجأ إليه كثيرا -أن تتكلم بعد كل محاضرة إلى الباحث نفسه وتسأله عما غمض عليك . الطريف انه ازاء حديث البعض عن كيف يستوعب الفلاح الأمي غالبا مثل تلك التطبيقات الصعبة ؟ رد عالم مصري مقيم بالإمارات حاليا أن الفلاح يتعلم من الفلاح فإذا ساعدنا كعلماء عددا من الزراع على تبني تطبيقات بعينها ورأى غيرهم كيف أنها ضاعفت المحاصيل أو وفرت في المياه أو الطاقة فسرعان ما يستعملونها ويستوعبونها بالطبع.
وهناك فائدة أخرى للمحرر الاقتصادي من وراء متابعة مثل هذه الأحداث العلمية التكنولوجية المضنية ألا وهي تجديد قدرته على طرح الأسئلة وتزويده بمفاتيح لطرح أسئلة جديدة . لقد رأيت مرارا حالات الملل التي تعتري بعض المحررين الذين يغطون جهة حكومية أو كيانا خاصا بعد عدة سنوات من العمل اذ يعتقد الواحد منهم أن لاشيء جديد وان كل ما يمكن أن يقال قد كتب ؛ لكن مع إضافة خبرات علمية ومعرفية متجددة فان المرء يجد دوما أن هناك ما يريد القراء او المشاهدون أن يعرفوه وما يريد هو نفسه قبلهم أن يفهمه. المعرفة تجدد الأسئلة حتى لو استمر المرء يغطى نفس المؤسسات ؛ ومع التداخل الشديد للتكنولوجيا مع كل ما هو مالي أو نقدي أو اقتصادي أو زراعي أو صناعي أو تجاري اصبح عدد الأسئلة الجديدة لا نهائيا. التكنولوجيا لا ولن تغير العالم وحدها لكن تأثيرها حاسم على صناع السياسات وعلى الميديا والجمهور . بدلا عن أن تلعنوا الجديد أوقدوا شمعة معرفة به ونقد وتقييم له.