عطر: نفخ عليها تنجلي

رندة صادق –
randanw@hotmail.com –

ظاهرة تدخين “المعسل” اجتاحت العالم العربي الذي يعيش وفق المثل القائل” نفخ عليها تنجلي”، القيم ذهبت مع الريح في مجتمعاتنا، والتي استبدلت بمصطلحات جديدة، تندرج تحت مسمى:” الحرية الشخصية” وفك القيود التي خنقت المجتمع، لم تظهر في مجتمعاتنا بإبداعات فكرية أو فنية، حيث أن جميع المتابعون للحركة الثقافية والفنية يؤكدون أن الإبداع في خطر، وما نراه اليوم من إنتاج فكري أو فني ليس إلا اجترارا للماضي، أو محاولة تحديثه وإعادة إنتاجه برؤية عصرية، وكأن العقل العربي أصيب بخمول ودخل كوما إرادية، جعلته يتصرف وفق فوضى المعرفة، ولا يملك رؤية نهضاوية، تخرج المستقبل القادم من عنق الزجاجة، باستثناء بعض المجتمعات التي حاولت بقوانينها ان تنظم ظاهرة “الشيشة” و”المعسل” تحت شعار: “التدخين يقتل ووزارة الصحة تحذر منه” إضافة الى التأكيد أنه يلوث البيئة، فتم منع التدخين في المرافق العامة وحددت له أماكن مخصصة في المقاهي والمطاعم، لكن هذا لم يفلح فعليا في تحجيم هذه الظاهرة، بل طورت ذاتها وقدمت تسهيلات منها: خدمة توصيل الشيشة المجاني الى المنازل، وقد تفننوا في تقديمها على نكهات وتزيينها على شكل الأناناس أو البطيخ أو البرتقال أو الخ.. وكلما كانت الشيشة طويلة وعلى نكهة معينة ومميزة (علكة أو كولا) كلما دفع المستهلك ثمنا أغلى لها ليتلذذ بها، ويستمتع بإخراج غمامة الدخان الأسود من فمه، التي تحجب الرؤية ويرافق كل ذلك رائحة نفاذة تدمع العيون.

 وطبعا تدخين الشيشة لم يحدد له عمرا معينا، لذا نجد المراهقين والمراهقات يدخنون الشيشة في المقاهي، اعتقادا منهم أنها تمنحهم مظهرا رجوليا أو أنثويا ناضجا، مستندين الى مبدأ الحرية شخصية، رافضين أي نصيحة من أهلهم، بل مستهزئين بأفكارهم الرجعية. ومن المعروف ان العند والجهل عندما يسودان يغلبان العقل، وبالطبع الحالة العامة يحولها المجتمع الى أمر قائم بذاته، ويتعامل معها على أنها الواقع الجديد الذي لا حلول جذرية له.
 اما المظهر الأكثر قبحا هو منظر النساء وهنّ يدخنّ المعسل ( أظن كليوباترا حزينة على بنات جنسها اللواتي يجلسن في المقاهي ويعطرن أنوثتهن بدخان المعسل، وهي التي كانت ترش اشرعة سفينتها بالعطر ليعرف الناس أنها مرّت من هنا ). ولا احد يعلم من أوهمهن أنهن يصبحن أكثر إثارة وجاذبية، وفي الحقيقة اذا كانت السيجارة تأخذ من أنوثة المرأة فكيف بالشيشة ؟
 “المعسل” عبارة عن تبغ ممزوج بالجليسرين والعسل الأسود أو السكر، مضاف اليه منكهات متنوعة، أما مضاره: هو المسبب الأول لسرطان الرئة إضافة الى سرطان الفم والمثانة، طبعا المدمنون و(هنا شئنا أم أبينا أصبح  تدخين “الشيشة” إدمانا لا داعي لتجميله) يبررون بأن الغاية ترفيهية لا أكثر، والبعض يعيد أسبابها الى الضجر والبطالة والواقع الاقتصادي والخ.. في محاولة لربط هذه الظاهرة بقضايا كبيرة، ومنحها بعدا سياسيا وثقافيا.
“ الشيشة “عادة اجتماعية تحولت الى إدمان مجتمعي، غيّر في القيم التربوية، فمن المعروف أن الأبناء كانوا لا يدخنون”السيجارة” أمام أهلهم احتراما لهم، أما اليوم باتت الشيشة شرطا يفرضها الأبناء على الأهل ليجلسوا في المنزل.
هذا الواقع، دفع بالجمعيات الأهلية المناهضة للتدخين الى تسليط الضوء على  مضاره والقيام بحملات توعية لم تحقق أهدافها المبتغاة، لأن المجتمع بات أصما، يعاني خللا في وعيه، وكذلك سمعنا بعض الفتاوي الدينية التي تحرم الشيشة، ومع ذلك ظلت هذه الأصوات المعترضة في واد وملوك الشيشة في واد آخر.
ربما يبقى الحل الأجدى تغريم مدخني الشيشة في الأماكن العامة غرامات مالية كبيرة من قبل الدولة وذلك للحد من هذه الظاهرة، إضافة الى التثقيف الصحي من قبل وزارات الشباب والرياضة والصحة والتربية .