تفكيك الضغوط الأمريكية على الفلسطينيين في عملية السلام

د. عبدالعاطي محمد –

وفقا لعديد الشواهد، لا تكف الإدارة الأمريكية الحالية عن تصعيد الضغوط السياسية على الفلسطينيين للقبول بما يخدم إسرائيل وحدها في أية عملية للسلام قد تتم في الأجل المنظور. ومع أن ذلك كان ديدن الإدارات السابقة، إلا أن إدارة ترامب فاقت الجميع منها في التعامل مع القضية بالضغط والإكراه الصريحين لصالح إسرائيل. وما التهديدات بوقف المساعدات المالية، وكذلك وقف تمويل الأونروا، ومن قبل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلا مقدمات لما تخططه هذه الإدارة للإجهاز تماما على القضية الفلسطينية.
هذه الشواهد ثبتت بمواقف وقرارات صدرت بالفعل من جانب إدارة ترامب طوال الفترة القصيرة الماضية بدعوى أنها أمور تشجع إسرائيل على قبول تسوية نهائية ودائمة للصراع مع الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه تضع الطرف الفلسطيني أمام أمر واقع يجبره على العودة إلى المفاوضات التي ستقود، وفقا لما صدر عن المسؤول الفلسطيني صائب عريقات في يناير الماضي، إلى حل الدولة الواحدة ذات النظامين ، وهو بالنسبة للفلسطينيين مجرد تأسيس لحكم ذاتي أبدي وليس إقامة دولة لهم. وعلى مدى الشهور القليلة الماضية نشطت الإدارة الأمريكية جدا في التعبير عن هذه الرؤية التي وصفتها وسائل الإعلام بما يسمى صفقة القرن. وكان من الطبيعي أن تحدث هذه الرؤية قلقا شديدا ليس عند الفلسطينيين وحدهم سواء فتح أو حماس، وإنما عند كل الأطراف العربية، بل امتد القلق الشديد إلى الجانب الأوروبي نفسه. ورغم كل هذا استمرت الإدارة الأمريكية على موقفها هذا وزادت عليه بإشهار أدوات التهديد والوعيد للفلسطينيين إذا لم يقبلوا به ويعودون إلى مائدة المفاوضات، فقررت وقف المساعدات لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لتقول رسالة مؤداها إن مسألة اللاجئين هذه خرجت من التسوية مثلما خرجت من قبل مسألة القدس، ليبقى الكلام فقط حول الحدود والأمن، وكلاهما يتم التفاوض فيهما وفقا لما تراه حكومة نتانياهو. وبعد كلام كثير تردد في وسائل الإعلام الإسرائيلية والأمريكية حول تفاصيل الصفقة انتهى حديث الإعلام الإسرائيلي إلى أن المسألة تتعلق بمنح إسرائيل 10% من أراضي الضفة مقابل 6% من الأراضي الإسرائيلية إلى الفلسطينيين، مع الإقرار بالسيادة لإسرائيل وهيمنتها على الأمن، والقبول بالقدس عاصمة لا تتجزأ لإسرائيل. وقد زار المنطقة مسؤولان كبيران من الإدارة الأمريكية هما نائب الرئيس الامريكي بنس ووزير الخارجية تيلرسون حاملين نفس الخطاب ولكن بصورة فيها المزيد من الغموض المتعمد، أو ما يسمى لدى الأمريكيين الغموض البناء، ويقصد به ترك مساحات رمادية في المواقف والتصورات لكي تحدث تنازلات من الطرفين في المستقبل، الأغلب بالطبع غير معروفة. وتزامن مع الزيارتين استخداما أمريكيا للأسلوب القديم، أي العصا والجزرة لتليين مواقف بعض الأطراف العربية من ناحية والتهديد للفلسطينيين من الناحية الأخرى. وكل ذلك دون أن تفصح الإدارة الأمريكية عن خطتها، فقط اكتفت بالقول إنها تحت الدراسة!
هذه التحركات أحدثت قلقا بالفعل عند كل الأطراف العربية المعنية. وكان من الطبيعي أن تنتفض الجامعة العربية وترفض القرار الأمريكي بشأن القدس وكذلك فعلت منظمة المؤتمر الإسلامي، وأن يعيد كل منهما التأكيد على المواقف الثابتة بخصوص حل الدولتين وإنهاء الاحتلال وتفعيل الحقوق الفلسطينية المشروعة. إلا أن العناد الأمريكي لم يتوقف فلم يعتد برفض مجلس الأمن قرار القدس عندما أكد على أنها إحدى قضايا الحل النهائي الذي لم يحدث بعد، وخرجت الإدارة الأمريكية تهدد وتتوعد الدول التي رفضت القرار، ثم استدارت إلى الجانب الفلسطيني وهددت بوقف المساعدات المالية وأوقفت مشاركتها في تمويل الأونروا. وأما السلطة الفلسطينية فقد أعلنت بوضوح منذ قرار القدس أن الطرف الأمريكي أخرج نفسه كوسيط من أية مفاوضات للسلام بانحيازه الواضح لإسرائيل.
وفقا لهذه المعطيات أصبحت عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في موضع مختلف إلى حد كبير عما كانت عليه منذ مؤتمر السلام في مدريد 1992. فالمفاوضات الثنائية بين الطرفين انتهت إلى إصرار إسرائيلي على ما يمكن تسميته ترسيخ الأمر الواقع، أي أن يتحول الاحتلال إلى استسلام فلسطيني ثم التخلي عن كل ما ورد في القرارات الدولية التي صاحبت مسيرة السلام منذ ذلك الوقت، وأن يتم التخلي عن حل الدولتين لصالح حل الدولة الواحدة ذات النظامين الثاني فيهما هو حكم ذاتي للفلسطينيين ليس إلا. وبهذا المعنى لا يتعين الحديث عن القضية الفلسطينية من الآن فصاعدا.وجديد الأخطار أن الإدارة الأمريكية الحالية تعمل في هذا الاتجاه.
عند هذا المنحنى الخطير كان من الضروري عربيا وفلسطينيا اتخاذ تحرك يجهض مخطط كهذا من ناحية ويقدم بديلا للعالم من ناحية أخرى. وفي هذا الإطار جاءت زيارة معالي يوسف بن علوي بن عبدالله الوزير المسؤول عن الشئون الخارجية الى رام الله وبتوجيهات من جلالة السلطان قابوس لتمثل أحد أفضل التحركات لدعم الفلسطينيين وهم في محنتهم السياسية المعاصرة ولطرح رسالة سياسية للعالم كله تتضمن المبادئ التي يتعين العمل بها للوفاء بمتطلبات القضية الفلسطينية وكيفية إقرار سلام عادل في الشرق الأوسط. وصفها الإعلام الفلسطيني بأنها زيارة تاريخية، فهي تستحق هذا الوصف لما تمثله من شجاعة سياسية وحكمة دبلوماسية في ظروف بالغة الصعوبة على الجانب الفلسطيني، كما أنها تعبير عملي عن التضامن مع الشعب الفلسطيني خصوصا أن الحديث العربي عن التضامن لم يتحول في كثير من الأوقات من الكلام إلى الفعل. وكعادتها تحركت سلطنة عمان اتساقا مع مبادئها التي لا تحيد عنها في كل المواقف والأزمات العربية. وتأكيدا لذلك زار معاليه المسجد الأقصى وكنيسة القيامة ليعطي للزيارة معناها من حيث التضامن الصادق مع القضية.
والرسالة هنا أن القدس التي قررت إدارة ترامب الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل هي عربية وإسلامية ووراؤها من يتمسك بهذه الهوية. ولا شك أن الزيارة من شأنها أن تدفع بقية الدول العربية إلى القيام بما قامت به سلطنة عمان تلبية للدعوة التي كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد نادى بها من قبل بأن يزور المسؤولون العرب فلسطين للتأكيد على أن الشعب الفلسطيني ليس وحده وأن الشعوب العربية كلها تقف خلفه. والوقت الراهن بما فيه من ظروف صعبة وفارقة في تاريخ القضية الفلسطينية هو الوقت المناسب للتعبير عن التضامن.
وكان من اللافت أيضا ما قاله بمعالي يوسف بن علوي عند وصوله إلى رام الله: ان «إقامة دولة فلسطينية أصبحت ضرورة استراتيجية للعالم.. كانت هناك رغبة عالمية لإقامة إسرائيل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وقامت إسرائيل، فالآن إقامة دولة فلسطينية أصبحت ضرورة إستراتيجية لكل العالم.. إن العالم لا يتحمل المزيد من العنف والتدمير».. وفي تصريحات أخرى قال معاليه :«لا يمكن تحقيق الاستقرار والتطور وبناء ثقافة التسامح إلا بقيام دولة فلسطينية بكامل أركانها لتكون في مقدمة الركب في محاربة ما يعاني منه العالم.. هذه الرؤية التي نعتقد أنها الطريق الصحيح لتحقيق الهدف المنشود».
هذه التصريحات تجسد رؤية تضع يديها على موضع الداء وتقدم الدواء بعبارات شديدة الإيجاز ولكنها في الصميم تماما. هي موجهة للعالم كله وليس للفلسطينيين أو العرب وحدهم، والإشارة المهمة إلى العالم، وفقا لقراءتنا لهذه التصريحات، تعني أن الحل يجب أن يكون مسؤولية العالم كله لأن القضية تؤثر عليه مثلما تؤثر على الفلسطينيين والعرب، ثم يجب أن تكون هناك مقاربة جديدة لعملية السلام بالبحث عن تصور دولي عبر مجلس الأمن مثلا بإصدار قرار دولي جديد فيه ملامح الحل ومتطلبات تنفيذه والتزام العالم بذلك، ولتكن الولايات المتحدة طرفا فيه جنبا إلى جنب مع بقية الأعضاء الدائمين في المجلس. وألبس الاستقرار والتطور وبناء ثقافة التسامح في الشرق الأوسط هو من مصلحة العالم كله وليس الفلسطينيين والعرب وحدهم؟، ألم تتحدث كل ديباجة القرارات الدولية ذات الشأن عن هذه المفاهيم بما يعني أن العالم كله مؤمن بأهميتها لمنطقة ساخنة ومضطربة مثل الشرق الأوسط. وقد أثبتت التجربة على مدى السنوات الطويلة الماضية أن ما وقع من أزمات في المنطقة انطلق من عدم قيام الدولة الفلسطينية بكامل أركانها, وحيث الأمر كذلك فإن قيامها بهذا الشرط كفيل بتحقيق الأمن والسلام للعالم كله. الرسالة التي يجب أن يعيها المجتمع الدولي اليوم بعد كل ما جرى من أزمات وما يجرى من معاناة للجميع بمن فيهم إسرائيل هي أنه قصر في القيام بواجبه نحو إقامة الدولة الفلسطينية وأوكل المهمة لطرف واحد هو الولايات المتحدة التي لم تنجح حتى الآن في هذه المهمة .ويبدو أنه حان وقت تصحيح المسار.