تحديات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

لا يختلف اثنان على أن الرسوم والضرائب على المؤسسات التجارية في أية دولة مشروعة لتنظيم وتقنين أعمال تلك المؤسسات التي تختلف مرتبات سجلاتها التجارية من ممتازة وعالمية إلى درجات أقل منها وهي الأولى والثانية والثالثة والرابعة مثلما هو متبع لدينا في السلطنة. وزيادة هذه الرسوم لأجل تحقيق مقاصد وقتية تؤثر بصورة مباشرة خاصة على أعمال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، في الوقت الذي بدأ الكثير من العمانيين الشباب يتجهون إلى تأسيس مشاريعهم الصغيرة الحرة في الآونة الأخيرة بناء على توصيات المؤتمرات والندوات التي نادت بضرورة تواجد العمانيين في العمل التجاري.
اليوم هناك دعوات عديدة بضرورة إعادة النظر في هذه الرسوم لكي يستمر الشاب العماني ورائد الأعمال في ممارسة عمله التجاري، وأن لا تضطره هذه الرسوم التي أعلن عنها مؤخرا الى التخلي عن ذلك وإلغاء مؤسسته، ليبدأ بعد ذلك في البحث عن عمل مع بقية الباحثين، وبالتالي يزداد عدد الباحثين أمام وزارة القوى العاملة . اليوم هناك عدم ارتياح ليس من الفئة الشابة الداخلة إلى سوق العمل التجاري، بل إن التجار العمانيين الذين يعملون في السوق منذ أكثر من أربعة عقود والذين يملكون المحلات التجارية وممن يمارسون عملهم التجاري في مؤسساتهم الصغيرة أصبحوا اليوم يتوقفون عند هذه الرسوم المطلوب دفعها للجهات ذات العلاقة، في الوقت الذي تعاني فيه الأسواق والمحلات الصغيرة من الركود نتيجة لبناء المراكز والمولات التجارية الكبيرة التي تحتوي على جميع السلع والمنتجات والبضائع التي يحتاج إليها المستهلك. وهذا الموضوع يحتاج بحد ذاته إلى مناقشة طويلة، خاصة وأن هذه المراكز التجارية دفعت الكثير من العمانيين إلى قفل محلاتهم ومؤسساتهم الصغيرة لعدم تمكنهم من مواجهة المنافسة التي خلقتها هذه المراكز خلال السنوات القليلة الماضية. اليوم هناك العديد من النداءات يتوجه بها التجار للوقوف على هذه القضية التي تحتاج إلى إعادة القراءة في قرارات الرسوم التي بدأت تفرضها المؤسسات الحكومية على المؤسسات التجارية. وقبل عدة أيام قرأنا جميعا بيان غرفة تجارة وصناعة عمان على لسان الرئيس التنفيذي للغرفة يؤكد فيه سعي الغرفة ومن منطلق مسؤولياتها في رعاية القطاع الخاص للوقوف على التحديات التي تواجه طريق نمو وتطور المؤسسات التجارية في إطار الشراكة الثلاثية مع الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع، مؤكداً أن الغرفة تتابع وباهتمام خاص موضوع الرسوم الجديدة التي تم فرضها على القطاع الخاص، لا سيما رسوم البلدية دون تنسيق مُسبق مع الغرفة باعتبارها الممثل الرسمي للقطاع الخاص. ويبدو من بيان الغرفة بأن هناك العديد من الاتصالات والمناشدات وردت إلى الغرفة من أصحاب الشركات وخاصة الصغيرة والمتوسطة منها تُطالب فيها الغرفة بالتدخل وأداء دورها تجاه القطاع الخاص ومؤسساته، الأمر الذي يؤكد بأنه في حالة الاستمرار في مثل هذه السياسة، فإنه من الصعب على المؤسسات الصغيرة التي تدار بأيد عمانية الاستمرار في العمل التجاري، الأمر الذي سيؤدي إلى بيع محلاتهم ومؤسساتهم للوافدين الذين يسيطرون على الأسواق العمانية، وبالتالي سوف تزداد حصيلة التجارة المستترة في البلاد، وكذلك التحويلات المالية السنوية لهم إلى الخارج. إن الجميع على علم بالأزمات التي تعيشها الحكومات والشعوب الخليجية في الوقت الراهن نتيجة لتراجع أسعار النفط العالمية وحصول عجوزات كبيرة في الموازين المالية السنوية، الأمر الذي يدفع بالحكومات لاتخاذ إجراءات مالية عديدة منها فرض الجباية ومزيد من الضرائب والرسوم على المؤسسات التجارية بهدف التقليل والحد من أزمة هذا التراجع في بنود الإيرادات المالية، في الوقت الذي يمكن لها إصلاح الأمور وإبداء المزيد من المرونة والتسهيلات لدفع المزيد من المواطنين للتوجه نحو العمل التجاري والتقليل من عدد المؤسسات التجارية التي تدار بالتجارة المستترة. فهذه السياسات الضريبية الجديدة سوف تزيد من معاناة المواطنين ومؤسساتهم التجارية الصغيرة، وتؤدي إلى توقفها بل إلغائها كليا. ومثل هذه القضايا تتطلب المراعاة وتحقيق العدالة بحيث لا تؤثر على العمل التجاري. كما تحتاج إلى إجراء الدراسات من كافة الجوانب وبالتنسيق مع المؤسسات المعنية كالغرف التجارية والصناعية لمعرفة النتائج الإيجابية من السلبية في حالة إقرار رسوم جديدة على المؤسسات التجارية.
وهنا يجب التفرقة بين كل من الشركات العالمية والضخمة والشركات العائلية الكبيرة وبين المؤسسات الصغيرة التي ما زالت بعضها تحبو على نفسها. فإذا كانت الكبيرة تحقق الملايين من الأرباح وتتهرب من الإفصاح عن حساباتها السنوية، فهذا لا يعني بأن الصغار منها تحقق نفس هذه النتائج الإيجابية، وبالتالي فأية زيادة على الرسوم تمثل بالنسبة لها أمرا مستعصيا وتؤدي بأصحابها إلى ترك هذه المؤسسات بأية طريقة للتخلص من الالتزامات المالية التي يمكن أن تنتج من الزيادة على الرسوم.
إن القطاع الخاص العماني ومن خلال مؤسساته الكبيرة والصغيرة يقدّر حجم التحديات الاقتصادية التي تمر بها البلاد بسبب تراجع أسعار النفط العالمية منذ منتصف عام 2014 والآثار المالية المترتبة على هذا الانخفاض، ولكن هذا لا يعني بأن تتعامل المؤسسات التجارية الكبيرة كالصغيرة من حيث الالتزامات التي تقع عليها، خاصة وأن هناك اليوم عددا لا بأس به من المؤسسات يحمل أصحابها بطاقة “ريادة”، وهؤلاء يحتاجون حتى هذه اللحظة إلى دعم وحوافز ليستمروا في العمل، ويلتزموا بالمبالغ المالية التي حصلوا عليها من صندوق الرفد ومن البنوك التجارية تجاه توجههم لممارسة الأعمال التجارية في البلاد. ومن هنا طالبت غرفة التجارة وصناعة عمان في بيانها الأخير بضرورة التنسيق معها ودراسة أي قرار يعنى بالشأن الاقتصادي من خلال تشكيل جهة مركزية في الحكومة تتكون من الوزارات المعنية بالشأن الاقتصادي وبمشاركة وحضور الغرفة حتى يتم الوصول إلى قرار يخدم الهدف المنشود منه.
إن الفترة الحالية تحتاج إلى معرفة التحديات والصعوبات التي تواجهها الشركات والمؤسسات في مختلف المحافظات العمانية، خاصة وأن بعض التجار المواطنين في بعض الولايات امتنعوا عن دفع الرسوم الجديدة للمؤسسات الحكومية لعدم قدرتهم على ذلك وبسبب الالتزامات المالية الأخرى التي تقع عليهم ، وهذا بالتالي يخلق نوعا من التحدي للمؤسسات ولأصحابها، الأمر الذي يتطلب إيجاد حل سريع لهذه الرسوم والتوصل إلى صيغة يرضي الجميع، مع الاستمرار في تسهيل مهام التجار وجذب المزيد منهم للاستثمار في بلادهم بدلا من التوجه للخارج. فهذه الرسوم بالنسبة للحكومة لا تمثل رصيدا كبيرا، في الوقت الذي تمثّل فيه للتاجر الصغير عبئا ثقيلا تزيد من إحباطه في الاستمرار في العمل التجاري. وأخيراً إذا كان هناك أي تفكير بالاستمرار في فرض مثل هذه الرسوم فيجب تهيئة الساحة العمانية من خلال الإعلانات في الوسائل المحلية بأنه سيتم في ظرف سنتين من الآن فرض رسوم على تلك الخدمات، بحيث يستوعب كل شخص يرغب في ممارسة العمل التجاري بهذه الأمور، ويهيئ نفسه تجاه هذه الالتزامات المالية. أما رفع رسوم بهذه الصورة من 30 ريالا على سبيل المثال لخدمة معينة إلى 200 ريال لنفس الخدمة بين ليلة وضحاها، فهذا سوف يؤدي إلى نفور العمانيين وأصحاب الاستثمار بالاستدامة في التجارة. الجهات الحكومية يجب عليها تقدير جميع هذه الالتزامات التي تأتي في الوقت الذي تعمل فيها بتسهيل الأمور لجميع المواطنين لممارسة الأعمال التجارية، وتقوم فيه بتأسيس الصناديق الوطنية لدعم هذه التوجهات، وتمكين العمانيين من الخوض في العمل الحر.