منظمات الإرهاب.. والشكل الحديث للمرتزقة

عاطف الغمري –
يتوقف الباحثون في الغرب منذ فترة، أمام التشابه بين ما يحدث من تكاثر منظمات الإرهاب في أنحاء العالم، بتمويل يتجاوز حدود قدراتها، وبتسليح لا تقدر عليه سوى الدول ذات الميزانيات العسكرية الهائلة، وبين تشكيلات المرتزقة، التي عرفتها القوى الاستعمارية، وهي تشكيلات منظمة تقاتل لحساب من يدفع أجرها.

وربما يكون من أسباب هذا الاهتمام ما أصبحت تندرج فيه المجموعتان، تحت مسمى واحد يستخدم في الغرب خاصة في بريطانيا والولايات المتحدة كمصطلح يتم تعريفهما به وهو Auxiliary Force، هذا المصطلح نشأ كما جرى تعريفه في القواميس الإنجليزية، على أنه يطلق على مجموعة منظمة تتكون من مدنيين، تجمعهم ميليشيات، ويتم إما تجنيدهم لخدمة جيش دولة أخرى، أو تأجير مقاتلين. (وهو ما ينطبق عليه وصف المرتزقة).
كانت بداية استخدام هذا المصطلح، مع قيام الجيوش الأجنبية في مستعمراتها بتجنيد أفراد غير نظاميين محليا، ليكونوا في خدمة احتلالها.
وفي الفترة الأخيرة تردد مصطلح Auxiliary Force، في إطار خطوات التطور الاستراتيجي لشكل الحروب الحديثة، والتي تستهدف مناطق في العالم، بعيدا عن حدود الدولة التي تحرك هذه الحروب، وضمن ما أصبح يعرف بحرب الجيل الرابع.
وأصبح يقصد بهذا المصطلح تنظيمات من وكلاء محليين من دول أخرى، يلعبون دور الوكيل لخدمة مصالح دول أجنبية، حتى ولو كان ذلك داخل دولهم، وضد مصالحها الوطنية.
وقد شهدت السنوات القليلة الماضية، اتساع المفهوم بدخول مخابرات أجنبية تلعب دورا منظما في دعم هذه الميليشيات، التي تضخمت بفعل المساندة المخابراتية والمعلوماتية، والتمويل، والتسليح. وهو ما نجده – على سبيل المثال – في التدفق على سوريا لمئات المنظمات المسلحة، التي تسللت إليها من أفراد أجانب، واحتلت مساحات من أراضيها.
وطبقا للتقييم العسكري الأمريكي لعام 2014 ومثيله في بريطانيا عام 2010، فإن زيادة الاعتماد على هذه القوى المحلية الخارجية كان أحد الدوافع إليه هو تناقص أعداد القوى البشرية المجندة في الدول الكبرى، مما دفعها إلى الاستعانة بميليشيات محلية من بلاد غيرها، وكذلك جماعات متمردة في دولها، لديها استعداد لتحمل أعباء القتال، وتدعمها مساندة غربية بالمواد، والعتاد، والاتصالات، وربما الضربات الجوية، وهو الحل الذي سعى الغرب لتنفيذه في ليبيا والعراق منذ 2014.
وطبقا لدراسة البروفيسور سيبيل سيبرز بجامعة سانت أندروز، والمختصة بالشئون الدولية، فإن الاتجاه قد زاد نحو تأجير مقاتلين أجانب، بسبب الضغوط المالية الراهنة على الموارد العسكرية، وخفض الإنفاق على الجيوش بالإضافة إلى ما هو معروف من ضغوط الرأي العام الأمريكي على حكومته، لعدم إرسال أمريكيين يقتلون في بلاد بعيدة، وذلك بعد التعثر والخسائر في العراق. ورافق هذا امتناع الغرب عن إرسال قوات برية إلى دول عربية، تدور فيها معارك بين الدولة ومنظمات إرهابية.
إن مفهوم المقاتلين المحليين، أو الميليشيات المستأجرة، قد تطور خاصة في فترة حكم أوباما، وظهر بوضوح في طريقة إدارة الولايات المتحدة لقيادتها للتحالف الدولي المخادع للحرب ضد داعش، والذي لم يكن يعمل للقضاء على داعش، بل كان يطيل أمد بقاء هذا التنظيم، وهو ما كشفته وسائل إعلام أمريكية، واعترف به الرئيس دونالد ترامب بقوله إن داعش صنيعة أوباما على حد قوله .
والحقيقة إن داعش وغيرها من المنظمات الإرهابية التي تملك ميليشيات مسلحة، استخدمت كأدوات لخدمة مشروع الفوضى الخلاقة، لتفتيت دول المنطقة وتقسيمها من الداخل، إلى دويلات متصارعة.
لقد تلاقت المجموعتان حول أهداف مشتركة، منها ضرب الدولة الوطنية، واستهداف جيش الدولة، لتحل محله ميليشيات، كثير من أعضائها أجانب، وانسلاخ أقاليم معينة عن الدولة القومية، لتستقل بذاتها، حتى ولو لم تكن تملك مقومات الدولة المستقلة القادرة على الاعتماد على نفسها.
وهي تؤدى نفس الدور الذي تؤديه شبكات المرتزقة المحترفة.
ليس هذا فحسب بل إن قوى كبرى تستخدم الوكلاء المحليين، سواء كانوا مرتزقة محترفين، أو منظمات إرهابية، في أعمال أخرى بعيدا عن دولهم، يكون للقوى الكبرى أطماع فيها، لكنها محجمة عن التورط في أحداثها، إما خشية اتهامها بالتدخل في شؤون دول أخرى، أو تفاديا لرد فعل داخلي فيها، رافض لإراقة دماء مواطنيهم في حروب في مناطق بعيدة.