أسلوب ينبغي التوسع فيه.. لدفع الصناعة العمانية

د. عبد الحميد الموافي –
إن جائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية، التي يتم تنظيمها كل عامين، تشكل في الواقع واحدة من أهم أدوات تشجيع وتحفيز المشروعات والمؤسسات الصناعية، والمصانع بمستوياتها وأحجامها ومجالاتها المختلفة، للارتفاع بكفاءة أدائها، وللالتزام بمعايير الجودة، ولتطوير منتجاتها، وكذلك للقيام بدور أكبر في إطار المسؤولية الاجتماعية حيال المحيط، أو المجتمع الذي تعمل فيه، فضلا عن السعي إلى زيادة نسب التعمين في مؤسسات هذا القطاع.

عندما انطلقت مسيرة النهضة العمانية الحديثة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970، كان الاقتصاد العماني متواضعا إلى حد كبير، وكان يقوم على المهن التقليدية في الصيد والزراعة والتجارة المحدودة، في إطار سد الاحتياجات الأساسية، وبجهود المواطنين انفسهم في المقام الأول، فالدولة كانت تجمع الرسوم وبعض الضرائب الضئيلة، وذلك بحكم تواضع الإمكانيات في ذلك الوقت. ولذا فإنه لم يكن مصادفة أبدا، أن يكون التركيز في السنوات الأولى لمسيرة النهضة العمانية الحديثة، على النهوض، قدر الإمكان، بقطاعي الزراعة والثروة السمكية، بحكم توفر الإمكانات والموارد الطبيعية، والخبرة البشرية في هذين القطاعين من ناحية، والحاجة لتحقيق الأمن الغذائي، واستثمار الإمكانيات والموارد العمانية المتاحة من ناحية ثانية، على أمل ان تكون عمان مزرعة الخليج، وأحد أهم مصادر الأسماك فيه أيضا، بحكم شواطئها الممتدة على الخليج وبحر عمان وبحر العرب والمحيط الهندي (نحو ثلاثة آلاف وسبعمائة كيلومتر)، ومساحات الأراضي القابلة للزراعة، والمنتجات الزراعية التي اشتهرت بها عمان، وبحكم عمل النسبة الأكبر من المواطنين في هاتين المهنتين، وآفاق التطور الأسرع فيهما أيضا .
واذا كان قطاعا الزراعة والثروة السمكية قد حظيا باهتمام كبير، في الخطة الخمسية الأولى (1976 – 1980) والخطة الخمسية الثانية (1981 – 1985) أيضا، فإن التطور الاقتصادي والاجتماعي والدور المحوري للدولة في عمليات التنمية والبناء، فرض الاهتمام بقطاع الصناعة، على الأقل للإسهام في سد بعض الاحتياجات، والعمل على إحلال أكبر قدر ممكن من الواردات، خاصة من المنتجات التي يمكن تصنيعها سريعا، وبخبرات متاحة، وإمكانات متوفرة إلى حد كبير، وتطوير الاقتصاد أيضا، ومن هنا بدأت تظهر بعض المنتجات الغذائية والورقية والصناعات الصغيرة، وبدأ التفكير في إقامة مناطق صناعية وتجهيزها كنوع من الإسهام في توفير البيئة الداعمة للقطاع الصناعي العماني، الذي بدأ بصناعات صغيرة ومتوسطة محدودة، وكانت منطقة الرسيل الصناعية هي باكورة المناطق الصناعية في السلطنة، والتي تم إعدادها لتكون بمثابة حاضنة لهذا القطاع الوليد. وعندما زار جلالة السلطان المعظم منطقة الرسيل الصناعية في التاسع من فبراير عام 1991، تم جعل هذا اليوم يوما للصناعة العمانية، التي حصلت على دفعة كبيرة، عندما أعلن جلالته- حفظه الله ورعاه- عام 1991 عاما للصناعة العمانية، وتمديد ذلك بجعل عام 1992 عاما آخر للصناعة العمانية، للأخذ بيد هذا القطاع ودفعه ليكون إحدى ركائز التنمية الوطنية، وبحكم التطور الاقتصادي والاجتماعي وعملية الانتقال التي جرت في الاقتصاد العماني وتحوله إلى اقتصاد متطور قادر على النمو الذاتي وامتلاك قاعدة تتطور وتتنوع قطاعاتها تدريجيا، وقد شكل قطاع الصناعة، إلى جانب قطاع النفط والغاز، قطاعين رئيسيين، واكثر حيوية وديناميكية، لتعزيز التنمية الوطنية، وذلك لاعتبارات كثيرة .
ومع فرح المواطنين، بكل منتج عماني يطرح في الأسواق، حتى ولو كان منتجا استهلاكيا، كان هناك إدراك حكومي عميق لأهمية وضرورة السير بقطاع الصناعة العمانية إلى الأمام، ليكون احدى ركائز التنمية المستدامة، وليسير وفق رؤية محددة، تجعله بالفعل قادرا على الإسهام بنسبة متزايدة في الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما حرصت الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني (عمان 2020) على التأكيد عليه، سواء عند وضعها عام 1995، أو عند البدء في تنفيذها اعتبارا من خطة التنمية الخمسية الخامسة (1996 – 2000) وبينما كان قطاع الصناعة في ذلك الوقت يسهم بنحو 2.5 % في الناتج المحلي الإجمالي، كان من المخطط ان ترتفع هذه النسبة إلى 15 % عام 2020. ومما له أهمية كبيرة أن جلالة السلطان المعظم- أعزه الله- حدد إطارا للنهوض بقطاع الصناعة العمانية عندما اعلن تخصيص عام 1991 عاما للصناعة العمانية، حيث أشار في خطابه في 18 نوفمبر 1990 إلى «إننا نهدف من وراء تخصيص عام للصناعة إلى ابراز دور هذا القطاع كقطاع انتاجي مهم يساهم في بناء الاقتصاد الوطني، كما نهدف إلى توجيه اهتمام الحكومة والقطاع الخاص إلى ضرورة وضع اسس مدروسة للتنمية الصناعية ضمن اطار يعطي الأولوية للصناعات التي تعتمد على المنتجات الزراعية والسمكية اضافة إلى الصناعات الخفيفة والوسيطة التي تقوم على مواد خام محلية، وتلبي احتياجات اساسية للبلاد وتوفر مزيدا من فرص العمل أمام المواطنين.»
وعندما أعلن جلالته في 18 نوفمبر 1991 تمديد فعاليات عام الصناعة عاما آخر، أكد على الاهتمام «بالكفاءة الإنتاجية والالتزام بمواصفات الجودة ومعاييرها» وعلى التطوير المستمر للمنتج العماني نحو الأفضل والاهتمام بالبحوث والدراسات و«إيجاد قاعدة علمية تدفع عجلة التصنيع قدما إلى غايتها المنشودة.» وفي ضوء ذلك، فانه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: إنه من المعروف، على نطاق واسع ان قطاع الصناعة، هو من اهم قطاعات التنمية الوطنية، بالنسبة للدول النامية بوجه عام وللدول العربية بوجه خاص، وقد لمس جلالته هذه الأهمية على نحو واضح، وعلى امتداد السنوات الماضية نشأ وترعرع بالفعل قطاع الصناعة العمانية، وانتشرت المصانع الكبيرة والمتوسطة، والمؤسسات الصناعية المختلفة، في كل محافظات السلطنة تقريبا، وانتقلت الصناعة العمانية من طور الصناعات الصغيرة والصناعات الغذائية، إلى الصناعات التحويلية، وإلى الصناعات المتوسطة والكبيرة الأخرى، بما فيها صناعات الحديد والألومنيوم والبتروكيماويات والأسمنت، وتكرير النفط، والمنسوجات والأدوية والكابلات والألياف البصرية، وبعض مكونات السيارات ومعدات آبار النفط وغيرها من الصناعات متعددة المستويات، ومن ثم أصبح القطاع الصناعي اليوم من اهم قطاعات الاقتصاد العماني الحديث، والقادر في الوقت ذاته على الاستفادة من التطور التكنولوجي وما يحققه العالم من حولنا من إنجازات علمية وتقنية، في النطاق وإلى المدى الذي يخدم أهداف التنمية الوطنية. وبينما تبلغ مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الاجمالي للسلطنة نحو 4.5 مليار ريال عماني – أي حوالي 14 مليار دولار أمريكي- في نهاية عام 2016 – بالأسعار الجارية – وهو ما يمثل نحو 5.9 % من الناتج المحلي الاجمالي، وكان قد سجل رقما افضل في عام 2015، فان الاهتمام الحكومي بهذا القطاع هو اهتمام كبير ومتواصل، ومتعدد الأبعاد ايضا، ويمتد ذلك ليشمل العديد من التيسيرات والتسهيلات التي يتم تقديمها للمستثمرين العمانيين والأجانب لإقامة مشروعاتهم الصناعية، والعمل على تذليل أية عقبات قد تعترضهم، ولا يتوقف ذلك على المشروعات او على الصناعات الكبيرة، ولكنه يشمل الصناعات الصغيرة والمتوسطة، انطلاقا من ادراك عميق لأهمية هذه الصناعات لتغذية الصناعات الاكبر، وتوفير احتياجاتها من السلع والخدمات الوسيطة من ناحية، ولإعداد وتدريب أجيال من القوى العاملة الماهرة، القادرة على القيام بما تحتاجه الصناعات الكبيرة من مهارات وخبرات من ناحية ثانية. ومن حسن حظ الصناعة العمانية أنها نشأت ونمت واتسع نطاقها بتشجيع ومشاركة ودعم من الحكومة، وحماس من جانب القطاع الخاص والمستثمرين، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، شهد العام الماضي إصدار أكثر من 950 ترخيصا صناعيا جديدا، كما صدر 133 قرارا بإعفاءات جمركية للمشروعات الصناعية، مقارنة مع 54 قرارا فقط في عام 2016 حسبما اعلن ذلك معالي الدكتور على بن مسعود السنيدي وزير التجارة والصناعة في أثناء لقائه من الصناعيين العمانيين الاسبوع الماضي للاحتفال بيوم الصناعة العمانية .
ومع ذلك فان قطاع الصناعة العمانية يظل قطاعا واعدا، سواء بحكم قدرته على النمو والتطور في الكفاءة والأداء، او بحكم قدرته على استيعاب اعداد اكبر من الباحثين عن عمل، خاصة اذا تم تدريبهم وتأهيلهم بشكل يتناسب واحتياجات الوحدات والمؤسسات الصناعية، وهو ما تقوم به مؤسسات صناعية كبيرة من خلال التدريب على رأس العمل . وهناك أمثلة طيبة في هذا المجال تستحق أن يحتذى بها.
*ثانيا : إن جائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية، التي يتم تنظيمها كل عامين، تشكل في الواقع واحدة من أهم أدوات تشجيع وتحفيز المشروعات والمؤسسات الصناعية، والمصانع بمستوياتها وأحجامها ومجالاتها المختلفة، للارتفاع بكفاءة أدائها، وللالتزام بمعايير الجودة، ولتطوير منتجاتها، وكذلك للقيام بدور اكبر في إطار المسؤولية الاجتماعية حيال المحيط، او المجتمع الذي تعمل فيه، فضلا عن السعي إلى زيادة نسب التعمين في مؤسسات هذا القطاع، والذي اكد معالي الدكتور وزير التجارة والصناعة على أنها نسبة لا تزال لم تصل إلى ما هو مقرر ومأمول، اذ لم تزد النسبة كثيرا عن نحو 10 % تقريبا على مستوى القطاع الصناعي (حوالي 26 ألف مواطن عماني من بين نحو 250 ألف موظف وعامل في منشآت القطاع). ولعل ما يدفع بشكل حقيقي نحو تحقيق الأهداف المشار إليها ان جائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية تم تصميمها، ووضع معايير التقييم والمفاضلة والفوز بها على نحو يشجع المشروعات والمؤسسات الصناعية على الارتفاع بكفاءة الأداء، وعلى الالتزام بمعايير الجودة العمانية والعالمية، وعلى تطوير نظم الإدارة والتسويق، وعلى زيادة نسب التعمين، وخفض تكاليف الإدارة، وتم إدخال مجال الابتكار الصناعي بالنسبة لجائزة عامي 2017 – 2018 ليكون مجالا آخر للتنافس بين الشركات والمؤسسات العاملة في هذا القطاع، الذي لا يتوقف عن التطور، تقنيا وإداريا وتسويقيا كذلك . وقد تم تحديد تسعة معايير للتقييم والمفاضلة بين المصانع المشاركة، خمسة معايير منها تتعلق بالممكنات وهي القيادة، والموظفين، وعمليات التصنيع، والسلامة والبيئة، والمسؤولية الاجتماعية، وأربعة معايير تتعلق بالنتائج التي يتم تحقيقها بالفعل. ومن المؤكد ان حافز التنافس، والرغبة في نيل شرف الفوز بهذه الجائزة، والاستفادة من ذلك تسويقيا ودعائيا بالنسبة للمؤسسات الفائزة، يدفع المؤسسات المشاركة إلى الإجادة والتطوير، ومن ثم النهوض بذاتها، والعمل على استيفاء كافة المعايير والتفوق فيها، وهنا فإن الفائدة الحقيقية تعود عمليا على مؤسسات وشركات القطاع الصناعي، التي تحقق خطوات ونتائج افضل، وعلى المجتمع والاقتصاد العماني كذلك. وكان تخصيص جائزة خاصة بالابتكار الصناعي هذا العام خطوة مهمة وذكية لتشجيع الشركات والمصانع على العمل على التطوير المستمر، وابتكار ما يفيدها ويفيد المجتمع من حولها أيضا.
*ثالثا: أنه بالرغم من ان المؤسسات التي شاركت في التنافس لنيل شرف الفوز بجائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية لعامي 2017 – 2018 كانت 19 مؤسسة فقط، من بين اكثر من سبعمائة منشأة صناعية، فإن الآثار الإيجابية للجائزة لا تتوقف فقط عند المؤسسات المتنافسة، وعلى عند فرق التقييم، التي تكتسب مزيدا من المهارات والخبرة مع كل دورة من دورات الجائزة، ولكنها تمتد إلى كثير من المنشآت الصناعية ذات القدرة والرغبة في تطوير ذاتها، تنظيميا وإداريا وإنتاجيا أيضا. ولذا فلعله من المفيد اكثر ان تتاح الفرص لأكبر عدد من الشركات ومنشآت القطاع الصناعي للتنافس، وفق المعايير المحددة والمعلنة، حتى لا يكون التنافس والفوز من نصيب الشركات الكبيرة، والقادرة على الإنفاق، لسبب بسيط هو ان الشركات الأصغر تمثل قطاعا كبيرا ومهما ويحتاج إلى دفعه لتطوير إمكانياته وقدراته التصنيعية والتطويرية، ولعل ذلك يكون مدعاة للتفكير في صيغة للتنافس بين الشركات الصناعية الأصغر لحثها على التطوير الذاتي.