التقدم الصناعي .. حالة فاصلة بين مرحلتين

عماد عريان –
,, ما يبعث على الارتياح بعد هذه الجهود الضخمة لدعم التنمية الشاملة والمستدامة في السلطنة، وجود قناعة راسخة لدى هيئات ومؤسسات الدولة بأهمية ودور الصناعة على اختلاف أشكالها وأحجامها في نهضة الدولة العمانية وتعدد أنشطتها الاقتصادية ,, .

تبقى الصناعة هي القطاع الأهم على المستوى العالمي في تطوير الدول والمجتمعات والانتقال بها من حالة إلى أخرى، وأكبر دليل على ذلك أن القوى العظمى في هذا العالم هي الدول الصناعية الكبرى، وهي بالفعل حالة فارقة بين حالتين أو مجتمعين عبر التاريخ، من التخلف إلى التقدم ومن البدائية والرعوية والزراعة إلى الثورات العلمية والتكنولوجية والرقمية ودخول البشرية في مراحل غير مسبوقة من الحداثة والمعرفة، ومع كل خطوة إلى الأمام في هذا القطاع تصبح حياة البشر أكثر سهولة ويسرا كونها تنعكس كذلك بشكل إيجابي على مختلف المجالات الحياتية والمجتمعية، فهي المسؤولة في نهاية المطاف عن تطوير الوسائل والوسائط والأدوات الزراعية والبيئية والتجارية والبحثية والتعليمية والصحية والخدمية والمائية والكهربائية والإعلامية والسياحية والترفيهية.. وإلى ما غير ذلك من جميع مناحي الحياة، فليس مستغربا إذن أن تخصص السلطنة يوما للصناعة في التاسع من فبراير كل عام مقرونا بتكريم الفائزين بجائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية،وهي حافز كبير لتطوير هذا القطاع الاقتصادي الحيوي حيث يفتح الباب على مصراعيه أمام الابتكار والتحديث،وفي سبيل تحقيق ذلك فليجتهد المجتهدون.
وفكرة الجائزة في حد ذاتها في جانبيها المادي والمعنوي هي خير تعبير عن قناعة القيادة الرشيدة للدولة بدور الصناعة وحتمية دعمها وتطويرها كأحد أهم أعمدة الاقتصاد في السلطنة، ويتجلى ذلك في كلمات الدكتورة مديحة بنت أحمد الشيبانية وزيرة التربية والتعليم بتأكيدها أن المنشآت الصناعية العمانية حظيت باهتمام كبير من قبل الحكومة، وأن جائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية تأتي كتكريم وتحفيز للمنشآت الصناعية والتي أثبتت قدرتها على التنافس في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية مما ينم عن كفاءة القطاع الصناعي العماني، وأن القطاع الصناعي في المناهج الدراسية يندرج تحت مفاهيم الابتكار وكذلك البعد التطبيقي للمناهج وتتم تغطية هذه الجوانب، بينما اعتبرت المهندسة نهلة بنت عبد الوهاب الحمدية المديرة العامة للمديرية العامة للصناعة بوزارة التجارة والصناعة أن الاحتفال بهذه المناسبة يأتي تأكيدا على أهمية هذا القطاع الاقتصادي لتنويع مصادر الدخل الوطني والنهوض بالصناعات العمانية وتطويرها.
وفي هذا السياق تتعدد الشواهد على حرص الدولة العمانية لدعم القطاع الصناعي بمختلف السبل من أجل أن يكون قطاعا قادرا على النمو والتطور المتواصل والإسهام بشكل متزايد في الناتج المحلي الإجمالي وإحلال أكبر قدر ممكن من الواردات سواء بمنح التسهيلات العديدة والقروض والإعفاءات الضريبية للشركات والمصانع، أو بتشجيع المواطنين على الإقبال على استخدام منتجاتها التي تحمل شعار «صنع في عمان» وانطلاقا من تلك الحقائق فإن «جائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية» التي يتم تنظيمها كل عامين قد تم تطويرها على نحو يجعل منها أداة ووسيلة فعالة لتحقيق مزيد من التعمين في المؤسسات والشركات الصناعية ورفع مستويات الجودة في منتجاتها المختلفة بما يمكنها من المنافسة القوية سواء في السوق العماني، أو في أسواق الدول الشقيقة والصديقة التي تتجه وتتوسع فيها.
ويرتبط بهذه القناعة إجراءات عملية على أرض الواقع حيث حرصت الوزارة على تنظيم ملتقى الابتكار الصناعي يومي السادس والسابع من شهر فبراير الجاري بهدف تطوير القطاع الصناعي من خلال إدخال التقنية والتكنولوجيا في الصناعات المختلفة لتقليل الوقت والجهد وتسريع وتيرة الإنتاج وزيادة جودة المنتجات، وتبني ابتكارات جديدة تساعد في تطوير المؤسسات والشركات الصناعية، وذلك بعد عام على وجه التقريب من الإعلان عنه والإعداد له، وليس بعيدا عن ذلك مشاركة صندوق «الرفد» كافة الجهات بالاحتفال بيوم الصناعة العمانية، الذي يعد فرصة للاحتفال بما تم من إنجازات والوقوف على أهم التحديات التي تواجه القطاع الذي وضع من الابتكار وتوظيف الشباب العماني أبرز أهدافه، ويولي صندوق الرفد أولوية التمويل ودعم المشاريع التنموية للقطاعات الواعدة، والتي أقرتها الخطة الخمسية التاسعة وعلى رأسها قطاع الصناعة، لما يمثله هذا القطاع من أهمية في تنويع مصادر الدخل الوطني، حيث يرتبط قطاع الصناعة بكافة القطاعات الاقتصادية التي لها تأثير على دعم القيمة المضافة لكافة القطاعات الأخرى، لتعكس بذلك منظومة عمل متكاملة في سبيل تحقيق الأهداف المنشودة.
وقد أتت هذه الإجراءات والخطوات العملية بثمار واضحة، عبر عنها الدكتور علي بن مسعود السنيدي وزير التجارة والصناعة بكشفه عن دخول المنتجات العمانية العديد من الأسواق العالمية خاصة في آسيا وإفريقيا وإيران واليمن، مشيرا إلى أن المجتمعين في البرنامج الوطني (تنفيذ) قد حددوا ممكنين أساسيين هما الابتكار الصناعي والذي يعد أهم الركائز التنافسية للقطاع الصناعي، ومساندة المصانع المحلية من خلال تقديم الدعم الفني للمصانع لمواجهة التحقيقات ورسوم مكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية ضد صادراتها من قبل الدول الأجنبية ، إضافة إلى قيام وزارة التجارة والصناعة بمعالجة الشكاوى المقدمة من قبل الصناعة المحلية ضد الممارسات غير العادلة التي يترتب عنها ضرر للصناعة الوطنية.
وتعد الأرقام التي أعلنت في تلك المناسبة مؤشرا مهما على سير السلطنة على الطريق الصحيح للتنمية الصناعية من خلال مشروع المدينة الصناعية الصينية -العمانية في المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم باستثمارات متوقعة تناهز عشرة مليارات دولار حتى عام 2022 ، بينما تشير الإحصاءات المعلنة حتى النصف الأول من عام 2016 إلى أن حجم الاستثمارات للقطاع الخاص بالمناطق التابعة للمؤسسة العامة للمناطق الصناعية بلغ حوالي ستة مليارات ريال عماني ، بلغ الاستثمار المحلي منها 3110 ملايين ريال عماني وهو ما يعادل 52% كما بلغت المشاريع 1688 مشروعا بمختلف المناطق وبلغ العامل منها 1062 مشروعا و277 مشروعا قيد الإنشاء والبناء و349 مشروعا بمرحلة الحصول على التراخيص، مع تقدم كبير في نسب التعمين في المصانع. وسعيا لتحقيق مزيد من الإنجازات والبناء على ما تحقق بالفعل قد يكون من المناسب طرح بعض النقاط أو المقترحات المتعلقة بدعم الطموحات الصناعية وفتح آفاق أرحب وتوسيع نطاق الجائزة لزيادة التنافسية والحوافز أمام الصناعيين بشكل عام، ومن بينها:
أولا: توحيد معايير ومقاييس الجودة ما بين المنتجات الصناعية المحلية وتلك المخصصة للتصدير، حيث يشير بعض الخبراء المتخصصين في هذا المجال الى أن هذا المبدأ كفيل برفع معدلات الإنتاج ورفع درجات التنافسية مع المنتج الأجنبي، بل ورفع معدلات التصدير، حتى ولو كانت هناك في بعض الأوقات ضرورة لمراعاة ما يسمى « أسواق السعر» و«أسواق الجودة»، فالحفاظ على معدلات جودة مرتفعة وقياسية كفيل بفتح الأسواق على مصراعيها أمام المنتج المحلي داخليا وخارجيا.
ثانيا: تفعيل آليات ومؤسسات حماية المستهلك سواء الرسمية أو الممثلة للمجتمع المدني حفاظا على جودة السلع والمنتجات الصناعية والتصدي لأي محاولات لإغراق الأسواق بسلع ومنتجات غير مطابقة للمواصفات القياسية بما يؤدي في نهاية المطاف لحماية المنتج الجيد.
ثالثا: دعم الصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر في إطار أشمل من خطط وبرامج ريادة الأعمال لما لها من دور كبير لدعم التنمية الصناعية وتوفير مزيد من فرص العمل للشباب، وإدراج أعمالهم كسياق مستقل ضمن «جائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية» بما يحفز الشباب نحو مزيد من الإبداع.
رابعا: الابتكار والبحث العلمي وحتمية ربطهما بالعملية الصناعية بمفهومها الشامل وتشجيع جميع الوحدات والمنشآت الصناعية الخاصة والعامة على إنشاء وحدات مستقلة بداخلها لدعم العملية الابتكارية وتشجيع البحث العلمي المستقل بما يعود بالنفع على مستوى المنتجين بشكل عام أو ابتكار أفكار جديدة للمنتجات من الأساس، وليس خافيا في هذا الإطار أهمية تبني مفاهيم الذكاء الاصطناعي باعتبارها لغة المستقبل، وفتح آفاق التوظيف وتوفير مزيد من فرص العمل أمام الشباب, وحبذا لو تم إدراج الابتكارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتوظيفها لخدمة التنمية الصناعية ضمن «جائزة السلطان قابوس للإجادة الصناعية».