سلوك طفل مسلم (15) – خلق الحياء

القاهرة: أماني أحمد –

لقد استطاع الإسلام بأخلاقه الطيبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بسلوكه الطيب أن يغير العرب الجاهلين من أمة ترتكب الفواحش، وتظلم، وتكذب، وتقتل، وتتجبر إلى أمة متحابة بنور الإيمان حتى صارت هي أمة الأخلاق الطيبة.
فما أجمل تعاليم الله، ورسوله إلينا، تأمرنا بالخلق الطيب الحسن، فإذا تحلينا به كنا من أحباب الله عز وجل، وتحققت الآمال، وصار مجتمعنا هو خير مجتمع في الأرض، ولم تضع الحقوق فيه.
سئلت السيدة عائشة أم المؤمنين عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:« (كان خلقه القرآن). أي أنه نفذ كل ما في القرآن من خلق طيب رفيع، فكان صادق الحديث لا يكذب. يؤدي الأمانة ولا يخون، يفي بالعهود والوعود، لا يغدر. يعفو عمن ظلمه، ويسامح من شتمه وسابّه، يحفظ السر ولا يبوح به لأحد.
لا يظلم اليتيم بل يعطف عليه ويكرمه، لا يؤذي جاره بل يؤدي إليه حقه، لا ينطق بكلمات الفحش أو البذاءة، بل طيب اللسان لا ينطق إلا بالكلام الطيب، وكان الناس إذا آذوه يصبر عليهم، فكان كالشجر يرميه الناس بالحجر، فيرميهم بالثمر.
وقد كان أنس بن مالك رضي الله عنه غلاما صغيرا بلغ التاسعة من عمره فذهبت به أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبت منه أن يجعله خادما له، وظل أنس – رضي الله عنه- خادما للنبي – صلى الله عليه وسلم- حتى مات، فلما أراد أنس أن يعرفنا بخلق النبي – صلى الله عليه – قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خلقا، لقد خدمته عشر سنين، فما قال قط : أف ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟!
وقد أراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يوصينا بحسن الخلق فقال: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله عز وجل يبغض الفاحش البذيء).
فالخلق الحسن هو الثقيل في ميزان المؤمن، والله عز وجل يحب ذلك، ويكره الرجل الذي ينطق بالكلمات الرديئة غير الطيبة.
وإن النبي – صلى الله عليه وسلم – ليعد أصحاب الخلق الحسن بأنهم معه في الجنة يوم القيامة، ويبشرهم بحبه لهم فيقول: (إن من أحبكم وأقربكم منه مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا).
وهذه منزلة عظيمة حين يحبك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أحبك الرسول – صلى الله عليه وسلم- أحبك الله.
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (الحياء لا يأتي إلا بخير) متفق عليه. وهذه الوصية الأولى يوصينا فيها النبي – صلى الله عليه وسلم- بالحياء، وهو الخلق الطيب في الإنسان الذي يمنعه من ارتكاب الخطأ، أو التقصير في حق الناس، والعودة عن المعصية.
يقول الأستاذ حامد أحمد الطاهر في كتابه «من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم للأطفال»: قد وصانا النبي صلى الله عليه وسلم بالحياء لعدة أسباب منها: أولا، أنه خلق الإسلام، فإن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء. ثانيا، أن الحياء من الإيمان، والإيمان صاحبه يدخل الجنة، فالحياء شعبة من شعب الإيمان. ثالثا، لأن الإنسان إذا تحلى بصفة الحياء، ستر الله عز وجل عليه، وقد جاء في الحكم القديمة: (من كساه الحياء ثوبه، لم ير الناس عيبه). رابعا أن الحياء يحيي القلب، فإذا كان الإنسان حييا – يعنى من أصحاب خلق الحياء – كان شاكرا لنعمة الله عز وجل، صابرا على بلائه، متواضعا للناس، خاشعا في صلاته. خامسا، أن الحياء ينشر الحب والمودة بين الناس.
ونستطيع أن نتعلم الحياء عن طريق اتباع هذه الخطوات: أولا، أن نذكر أن الله عز وجل يرانا فلا نرتكب المعصية أو الخطأ. وقد حكوا أن طفلا كان له أب لص يسرق البيوت، فقال له أبوه: سوف آخذك معي لسرقة بيت من البيوت، فقف على الباب، وإذا رأيت أحدا فناد علي قبل أن يكشف أمري. فذهب الصغير مع أبيه، ثم دخل أبوه اللص إلى البيت ليسرقه، فنادى الصغير: يا أبتاه.. أحد يرانا. فجاء الأب مسرعا، فقال: من الذي يرانا؟ قال الولد: الله يرانا يا أبي!!فعندئذ تاب الأب، ولم يسرق، حينما تذكر أن الله معه ويراه.
ثانيا، أن تذكر نعمة الله عليك، وأنك غير قادر على شكر هذه النعم، وقد قال الله تعالى: (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها). فالله أعطاك السمع والبصر، وخلقك في أحسن تقويم، وهداك، ورزقك، وشفاك من مرضك، فكيف تعصيه؟! ثالثا، أن تذكر أن الله سبحانه سيسألك عن كل ما فعلت من الكبير والصغير، والقليل والكثير.
وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يستحي من ربه عز وجل، فإذا دخل لقضاء حاجته، غطى رأسه. وقال: إني لأستحي من ربى عز وجل.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا أراد أن يستحم أغلق عليه داره، ولم يخلع ثوبه حتى قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة لتستحي منك يا عثمان».
وكانت امرأة مسلمة تلبس الحجاب، فتاهت منها طفلتها، فذهبت تبحث عنها، فقال أحد الخبثاء: تبحث عن طفلتها وهي تلبس الحجاب؟ فقالت: يا هذا لأن أفجع في طفلتي خير لي من أن أفجع في حيائي.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا لا يعجبه احمر وجهه وعرفه الصحابة. فهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم حياؤه أشد من حياء البنت، ولنا فيه صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة. وإذا ترك الناس الحياء كانت الحياة صعبة سيئة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». وهنا يفعل الناس ما يشاءون، فيكذبون، ويظلمون، ويسرقون، ويفعلون كل قبيح من الأمور. وتظهر الخيانة، والفاحشة، فيغضب الله عز وجل علينا، ونستحق النار. وقد قال سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه: إذا أراد الله عز وجل بعبد هلاكا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا كان مقيتا نزع منه الأمانة فكان خائنا، فإذا كان خائنا نزع منه الرحمة فكان فظا غليظا، فإذا كان هكذا صار شيطانا لعينا. ومما لا شك أن صاحب خلق الحياء يحبه الله عز وجل لأنه من المؤمنين، والحياء من الإيمان، والله يحب المؤمنين. يحبه الناس، فيقل أعداؤه، ويكثر محبوه. وينعم بالراحة في القلب والنفس والبدن. وكذلك تسهل الأمور الصعبة عليه، ويحبه الجميع، كما تحبه الملائكة. وأيضا يدخل الجنة مع المؤمنين.