التباين بين مبدأ ترامب وتفكير شي

وينشان جيا- الصين ديلي –
ترجمة قاسم مكي –

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الجولة الختامية للمنبر الاقتصادي العالمي 2018 بدافوس في يناير الماضي، أن استراتيجيته «أمريكا أولا» لا تعني «أمريكا لوحدها.» لكن على الرغم من ذلك، كرر ترامب موقفه القومي والانعزالي المعتاد وعقلية المجموع الصفري الأمريكية بعد 4 أيام فقط في خطابه عن حالة الاتحاد يوم 3 يناير مؤكدا مرة أخرى على الرسالة التي انطوت عليها استراتيجية الأمن القومي الصادرة في ديسمبر، واستراتيجية الدفاع القومي التي أطلقها البنتاجون في يناير. وقال إن منافسين مثل الصين وروسيا يشكلون تحديا لمصالح الولايات المتحدة واقتصادها. وحين تحدث عن إعادة إنشاء البنية التحتية الأمريكية استبعد أية مشاركة خارجية وقال مؤكدا «سنفعل ذلك بقلوب وأيد وعزيمة الأمريكيين.» وقال إن فترته الرئاسية هي «اللحظة الأمريكية الجديدة.» زاعما أنه لم يوجد قط وقت أفضل منها للشروع في العيش وفق «الحلم الأمريكي.» فأنت إذا استفرغت جهدك، بحسب ترامب، وآمنت بنفسك وبأمريكا «يمكن حينها أن نحقق كل شيء.» وسعى إلى حشد الأمريكيين كفريق واحد وشعب واحد وعائلة أمريكية واحدة. وقال «نحن نتقاسم كلنا نفس الوطن ونفس القلب ونفس المصير ونفس العلم الأمريكي العظيم.» ومن الممكن تعزيز هذه النفس الواحدة وهذا التماثل في نظره «بإعادة اكتشاف أسلوب الحياة الأمريكية» وسيكون المرشد والهادي إليها شعار» في الرب نثق.» لكن رغم أن مبدأ «أمريكا أولا» ظل جزءا من اللغة السياسية للولايات المتحدة لما يقرب من 80 عاما منذ تأسيس «لجنة أمريكا أولا» عام 1940 إلا أنه لم يلعب أبدا دورا رئيسيا في جعل أمريكا عظيمة أساسا دع عنك أن يكون في مقدوره جعلها عظيمة مرة أخرى. والسبب في ذلك أن فكرة «أمريكا بمفردها» يمثل استراتيجية وعقلية انعزالية تترافق عادة مع مبدأ «أمريكا أولا.» يذكرني خطاب ترامب بالملاحظات السياسية التي أدلى بها شي جينبينج حين صار رئيسا للصين عام 2013. فعقب تولي شي الحكم بلور أولا الحلم الصيني بمجتمع ثري ودولة وطنية صينية قوية. واقترح مبادرة الحزام والطريق للعالم كمشروع تعاضدي يحقق نتائج يكسب منها الجميع.
ثم دعا إلى الثقة بالذات في نظام الصين السياسي وثقافتها وكذلك إلى دمج الموروث الثوري والفكر الاشتراكي والثقافة الصينية التقليدية مع علم الغرب وتقنيته. وفي تقريره للمؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي في أكتوبر الماضي ، حدد رسميا مسار تنمية الصين في الـ35 سنة القادمة. فبحلول عام 2035 أو نهاية الخطة الخمسية السادسة عشرة (2031-2035) من المتوقع أن تحقق الصين «حداثتها الأساسية.» وفي عام 2050 ينتظر أن تستكمل الصين «حداثتها الشاملة» وتعيد إحياء نفسها. وفي الأثناء طرح شي مبادرة الحزام والطريق وقدم رؤيته لمجتمع بشري يشترك في مستقبله. كل هذه الأفكار وأفكار أخرى إضافية تشكل العناصر الجوهرية لفكر شي جينبينج. لقد حاول كل من ترامب وشي «وَسْم» وتعيينَ حدود عهدٍ جديد لبلديهما وللعالم. ويبدو مبدأ ترامب الذي طرح بإيجاز في خطاب حالة الاتحاد محاكيا (مقلدا) لبنية خطاب شي ولتفكيره الإستراتيجي. لقد صاغ شي الحلم الصيني أولا ثم اقترح أربعة ركائز للثقة بالذات (ثقة بالذات في المؤسسات الاشتراكية وفي الطرق والنظرية والثقافة.) ثم اقترح مبادرة الحزام والطريق لإنشاء البنية التحتية كأداة أساسية للعولمة حول العالم. ومثَلَه مثَل شي، وظف ترامب «الحلم» كنداء لحشد الأمريكيين ، ودعا ناخبيه إلى الثقة بالنفس والثقة في أسلوب الحياة الأمريكية وفي ذاتهم الواحدة وتماثلهم. إلى ذلك استحضر ترامب نمط الحياة الأمريكية الذي كان «ناجحا» في الأيام الخوالي لتعزيز مصير واحد ورسم المستقبل لكل الأمريكيين.
لكن هنالك اختلافات أساسية بين الاثنين. فأولا، يتبني ترامب الحمائية فيما يدافع شي عن عولمة جديدة ذات اتجاهين. ثانيا، يحتفي ترامب بالقومية لكن شي يحتفي بمزيج من القومية والكوزموبوليتانية (النظرة العالمية.) ثالثا‘ في السياسة الدولية يتبنى ترامب الواقعية والثنائية (تعامل الدولة مع الدول الأخرى كلا على حدة) إلا أن شي يؤمن بالمثالية وتعددية الأطراف (الجماعية بين الدول.) رابعا، في جانب الأمن يؤمن ترامب بمفهوم المجموع الصفري للأمن لكن شي يؤمن بالمجموع الإيجابي للأمن المشترك. وفيما يخص الثقافة يؤمن ترامب بثقافة ذكورية بيضاء انجلوساكسونية ويهودية –مسيحية وذات مقاس واحد للجميع (تنفي التعددية.) أما شي فيؤمن بعولمة جديدة أو تعددية ثقافية لادينية وعالمية. أخيرا، وهذا أكثر أهمية، يؤمن ترامب بإيجاد أو إعادة تكوين مجتمع أمريكي يتقاسم مصيرا مشتركا. لكن الرئيس شي أكثر اهتماما بالمساهمة في إيجاد مجتمع بشري له مصير مشترك يتيح جعل الصين وأمريكا عظيمتين مرة أخرى. لذلك يمكن، على نحو ما، وصف ترامب كرئيس دولة قومي يحاول المحافظة على الوضع الأمريكي الراهن. لكن شي يعتبر باطراد زعيما صينيا عالميا يسعى إلى تحديث الصين وإحداث تحول في العالم من أجل مزيد من السلم والازدهار للجميع.
وفي حين يعتبر مبدأ ترامب أقل أمريكية وأقل عالمية باطراد إلا أن فكر شي يعتبر أكثر صينية وأكثر عالمية على نحو متزايد. لذلك يبدو التعامل مع الصين برئاسة شي جيبنيج كمنافس للولايات المتحدة موقفا دون كيشوتيا (صراعا مع عدو وهمي- المترجم) في أفضل الأحوال. ولن يكون عزل أو احتواء الصين فاشلا فقط ولكن أيضا إضرارا بالنفس. لذلك سيكون التعاون الوسيلة الوحيدة للولايات المتحدة والصين كي تكونا عظيمتين مرة أخرى وذلك ما سيجعل البشرية عظيمة مرة أخرى كذلك.

* الكاتب أستاذ بجامعة تشابمان وزميل باحث بالأكاديمية الوطنية للتنمية والإستراتيجية بجامعة رينمين الصينية.