ركائز وسياسات ومواقف .. تجمع ولا تفرق!!

د. عبد الحميد الموافي –

من منطلق إدراك أهمية وضرورة الخروج من حالة التردي العربية الراهنة، فإنه لم يكن مصادفة أبدا أن تكون عمان، التي تتمتع بعلاقات طيبة ومتواصلة مع مختلف الأشقاء والأصدقاء، وتمتلك إرادة العمل والقدرة عليه، في مقدمة الدول التي تعمل وتنسق معها مصر لتجاوز الخلافات العربية، خاصة أن مصر أعلنت وبشكل واضح وقاطع على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي أنها «لا تتآمر ولا تعمل ضد أحد ولا تتدخل في الشؤون الداخلية لأحد»
في ظل تعدد وتنوع الظواهر والتطورات والمواقف، التي تشير جميعها، إلى ميل القوى الإقليمية إلى الاستئساد والتمدد والتطاول، على حساب الدول العربية، بصور وأشكال مختلفة، حيث تسعى كل منها إلى لعب دور القوة الإقليمية الأكبر، فإنه من المؤكد ان ما تلتقي عليه كل الأطراف والقوى العربية، الحريصة على الحفاظ على المصالح الجماعية العربية، وعلى الأمن القومي العربي، وعلى مستقبل الأجيال العربية القادمة، هو ضرورة العمل الفعلي، والجاد والصادق أيضا، من جانب الدول العربية، للخروج من هذه الحالة بأسرع وقت ممكن، والعمل على تقصير فترة الضياع العربي التي دخلت فيها المنطقة العربية تحت مسمى وشعار خادع قبل نحو سبع سنوات، حيث تحولت سنوات الربيع العربي إلى «سنوات عجاف»، عادت بعدد من الدول العربية إلى أسوا مما كانت عليه قبل عقود عديدة، والأسوأ ان استمرارها يهدد بجر دول عربية أخرى إلى مسار التفتت والفشل، وخسارة الحاضر والمستقبل أيضا.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن للدول العربية ان تخرج من هذه الحالة البائسة، ومن هي الأطراف القادرة على العمل والحركة والسعي الحثيث لإعادة استجماع الطاقات العربية، والتمهيد على الأقل لاستعادة التضامن بين الأشقاء، ولو في الحد الأدنى؟ وبالنظر إلى ان الحالة العربية الراهنة، ليست فريدة من وجوه متعددة، وإن كانت الأسوأ بالتأكيد، بحكم ما تسعى إليه القوى الإقليمية المتربصة، فإن خبرة العلاقات العربية على مدى السبعين عاما الماضية، تقول بوضوح إن مصر شكلت دوما «عكاز الأمة العربية» كما قال بذلك معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية، خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية للسلطنة، في الرابع من فبراير الجاري، هذا فضلا عن أنها كانت باستمرار عمود الخيمة العربية، الذي تنتصب به وترتكز عليه، لتتسع إلى كل الأشقاء، وهو جهد ودور تعزز دوما بمشاركة الدول الشقيقة التي تلتقي مع مصر في توجهها ومساعيها وحرصها على المصالح الجماعية العربية، وتجاوز الخلافات بين الأشقاء على أسس تتيح الفرصة لعلاقات أفضل وأكثر استقرارا، لصالح كل الأشقاء أيضا. ولعل مما له معنى ودلالة عميقة أن السلطنة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- كانت دوما، ولا تزال، الطرف العربي الثابت والدائم في مشاركته وإسهامه مع مصر، ومن أجلها أيضا في حالات محددة، يقينا وإدراكا أيضا بأهمية وضرورة الحفاظ على مصر قوية وقادرة، ليس من أجلها فقط، ولكن من أجل القضايا العربية والأمن والاستقرار العربيين، ولتستمر الخيمة العربية مشرعة ومتسعة لكل الأشقاء، دوما وفي كل الظروف. صحيح انه كانت هناك دول شقيقة أخرى لها إسهاماتها ومشاركاتها في هذه المساعي والجهود لاستعادة التضامن العربي، في الظروف المختلفة، ولكن الصحيح أيضا هو انه منذ سبعينات القرن الماضي كانت عمان الطرف الدائم، المخلص والمتحمس أيضا، والمبادر كذلك في أحيان مختلفة، عندما يرى ضرورة ذلك، وهذه في الواقع إحدى حقائق السياسة العربية على مدى العقود والسنوات الماضية، وهو ما قد لا يدركه كثيرون، بالنظر إلى أن السلطنة عمدت دوما إلى تجنب الحديث عما تقوم به، أو تسعى من أجله لصالح الأشقاء، على المستوى الفردي أو الجماعي، وهى سمة أصيلة من سمات الشخصية العمانية النبيلة. وليس من المبالغة في شيء القول إن الزيارة «التاريخية» التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي للسلطنة، كانت في جانب منها إدراكا مصريا عميقا، واهتماما وتقديرا أيضا، لما قامت وتقوم به السلطنة وقيادتها الحكيمة من جهود، يضفي عليها الصمت قيمة كبيرة، ويمنحها فرصا أكبر للنجاح لصالح كل الأشقاء. هذا فضلا عن الشعور بقيمة وضرورة التنسيق الأعمق بين القاهرة ومسقط في الظروف الراهنة، التي تمر بها المنطقة العربية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولوقف التدهور المستمر والمتزايد للعلاقات بين الأشقاء والتمهيد لإيجاد مناخ أفضل بين الأشقاء، يسمح بالسير نحو إعادة بناء الثقة والعمل على استجماع الجهود العربية للحفاظ على الأمن القومي العربي، ووقف حالات ومحاولات اختراقه من جانب أطراف عديدة. وفي هذا الإطار فانه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب لعل من أهمها ما يلي:
*أولا: إن العلاقات العمانية المصرية، على المستوى الثنائي، هي علاقات قوية وراسخة وعميقة، على المستويين الرسمي والشعبي، وبقدر ما تستند إليه من ركائز ومقومات تاريخية، بقدر ما تمتلكه في حاضرها ومستقبلها من عوامل وقوة دفع وإرادة سياسية قوية ومتبادلة على أرفع المستويات، للسير بها إلى أبعد مدى ممكن، لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة للدولتين والشعبين الشقيقين.
ولأن هذه العلاقات تتمتع ببعد تاريخي وحضاري عميق، فإن كلا الطرفين يدرك في الواقع أهمية وقيمة الطرف الآخر، ويكن له تقديرا رفيع المستوى، دوما وفي كل الظروف، وعلى المستويين الرسمي والشعبي أيضا. ومن هذا المنطلق، فإنه في الوقت الذي يجمع بين الدولتين، عمان ومصر، سمة التسامي والترفع عن الصغائر، في علاقاتها مع الأطراف الأخرى، فإن كلا منهما اعتاد على إن يبني علاقاته مع الأطراف الأخرى، في خطوط متوازية، وليست متقاطعة مع بعضها البعض، فعلاقات كل منهما مع أي طرف من الأطراف، لا تأتي أبدا على حساب العلاقات مع أي طرف آخر، ومن ثم فان صداقاتهما وعلاقاتهما الطيبة تتسع للكثير من الأطراف، لأنهما- مصر وعمان- لا تعترفان بمبدأ «معي أو ضدي»، الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي بوش الابن منذ عام 2001 بعد أحداث 11 سبتمبر، والأكثر من ذلك أنهما- عمان ومصر- برصيدهما التاريخي والحضاري الكبير يعرفان كيف يوظفان علاقاتهما الطيبة مع مختلف الأطراف لصالحهما ولصالح المنطقة من حولهما أيضا، وكيف يمكنهما الإسهام في إطفاء حرائق المنطقة، حتى ولو لم يدرك البعض معنى ومغزى وقيمة مواقفهما، أو غضب منها أحيانا لسبب، أو لآخر.
ولعل هذا البعد المشترك بين السلطنة ومصر، هو ما يضفي قدرا كبيرا من الاستقرار والاستمرارية والثبات النسبي، على الاقل، لسياسات الدولتين الشقيقتين، ولمواقفهما حيال الكثير من التطورات العربية الراهنة، ومن الطبيعي ان يكون هناك من لا يدرك ذلك، أو يختلف معه بدرجة أو بأخرى، أو لأسباب مختلفة، وبقدر ما تعمل كلتا الدولتين، مصر وعمان، على إيضاحه للأشقاء والأصدقاء، بقدر ما تتمسك بقناعاتها ورؤيتها التي أثبتت التطورات كثيرا من قبل صحتها وبعد نظرها، ولو بعد حين.
*ثانيا : إنه بالرغم من أن الدول العربية شهدت من قبل، العديد من الخلافات فيما بينها، إلا انه يمكن القول إن السنوات الأخيرة شهدت ما هو أسوأ، نظرا لأن عمليات خلط الأوراق والخروج على مبادئ وأسس العلاقات بين الأشقاء، وحتى بين الدول وفق قواعد القانون الدولي، ومبادئ حسن الجوار، قد بلغت شوطا بعيدا في الواقع، وزاد الطين بلة، أن الأعلام المنفلت وغير المسؤول ساهم بدوره في الإساءة إلى العلاقات بين الدول والشعوب الشقيقة، وعلى نحو شهد حالات يندى لها الجبين.
ومن منطلق إدراك أهمية وضرورة الخروج من حالة التردي العربية الراهنة، فانه لم يكن مصادفة أبدا أن تكون عمان، التي تتمتع بعلاقات طيبة ومتواصلة مع مختلف الأشقاء والأصدقاء، وتمتلك إرادة العمل والقدرة عليه، في مقدمة الدول التي تعمل وتنسق معها مصر لتجاوز الخلافات العربية، خاصة أن مصر أعلنت وبشكل واضح وقاطع على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي أنها «لا تتآمر ولا تعمل ضد أحد ولا تتدخل في الشؤون الداخلية لأحد»، وهي هنا تلتقي تماما مع ما تؤمن به السلطنة وتتبناه في سياساتها ومواقفها.
ومن ثم فإن هذا الالتقاء الواضح والصريح والملتزم أيضا، يعطي قوة وفاعلية للتنسيق والتحرك المصري العماني في محاولته إيجاد مناخ أفضل لتجاوز الخلافات العربية الراهنة، خاصة أن الدولتين الشقيقتين، تؤمنان بشكل تام بأهمية وضرورة الحل السياسي للخلافات العربية، وبأهمية التعجيل بوقف الحروب والمواجهات المسلحة، في اليمن وسوريا وليبيا، والعمل على تخفيف معاناة شعوبها الشقيقة اليوم قبل الغد.
ولعل ما يزيد من أهمية العمل والتنسيق العماني المصري المشترك، ان الدولتين كانت لهما إسهامات إيجابية مختلفة خلال الفترة الماضية، من اجل العمل على حل الأزمات في اليمن وسوريا وليبيا، ووضع حد للخلافات العربية الأخرى، إنقاذا للمصالح العربية، الفردية والجماعية أيضا.
وعلى ذلك فإنه ليس من المبالغة في شيء وصف القمة التي جمعت بين حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر العربية، بأنها قمة الحكمة، في بحثها عن حلول سلمية لخلافات الأشقاء، وفي إيمانها بأهمية وضرورة الخروج من الوضع المأساوي العربي الراهن.
*ثالثا: إنه مع الوضع في الاعتبار أن أي من الخلافات العربية الراهنة، يحتاج إلى تعاون وتضافر جهود العديد من الأشقاء، إلى جانب مصر وعمان بالطبع، كما أنه يحتاج بالضرورة أيضا إلى الالتقاء والالتزام بشكل واضح وحقيقي ومسؤول على مبادئ معينة كأرضية وأساس للعمل في ظلها، لتجاوز الخلافات ولحلها سلميا، فان إطار العمل يكتسب بالضرورة أهمية بالغة، بحكم ضرورة القبول به من جانب كل الأشقاء. وهنا تحديدا فان المبادئ التي تأخذ بها جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمم المتحدة، والتي استندت إليها العلاقات العربية كثيرا، والمتمثلة في احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار، واعتبار أنظمة الحكم في الدول الشقيقة من شؤونها الداخلية، والالتزام بالحل السلمي للخلافات، والحفاظ على الوحدة الإقليمية للدول الشقيقة، وغيرها هي مبادئ أساسية وضرورية أيضا، وينبغي الالتزام الحقيقي، وليس اللفظي بها.
وحتى لا يتعرض الأمن العربي الجماعي إلى مزيد من الاختراق، فانه من المهم والضروري ان تلتقي الدول الشقيقة على الإطار الذي ستعمل فيه لحل الخلافات، وللسير نحو استعادة تضامنها، وسواء كان ذلك من خلال جامعة الدول العربية، التي تحدث أمينها العام «احمد أبو الغيط» قبل أيام عن الجوانب العشرة لرؤيته للخلافات العربية، أو كان ذلك من خلال «منصة جديدة»، فإن المهم هو التوصل إلى خطوات عملية، وفي أسرع وقت ممكن لوقف التدهور الراهن في العلاقات العربية، ولإعادة لملمة عناصر الأمن القومي العربي، والحيلولة دون اختراقها، والعمل على سد الثغرات التي ظهرت، يقينا بأن الأمن القومي العربي، هو كل لا يتجزأ، وأنه يكفل امن كل دولة عربية على حدة، وفي الإطار الجماعي أيضا.
ومن أجل ذلك فإن مصر وعمان يمتلكان بالفعل، بما بينهما من اتفاق وتوافق، وما يجمعهما من الإرادة سياسية، ومن الإخلاص في تحركهما، القدرة على الدفع بالعلاقات العربية نحو الخروج من حالتها الراهنة والسير بها نحو علاقات أفضل تحقق أمن واستقرار وازدهار كل الدول والشعوب الشقيقة، وتضع حدا للابتذال الإعلامي والسياسي غير المسبوق، الذي تشهده المنطقة، والذي يضر بالتأكيد حاضرها ومستقبلها.