أبعاد أخرى لشفافية الموازنة

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

السطور التالية هي بيان افتراضي ، وقد يتشابه أو لا يتشابه مع بيانات رسمية صدرت بالفعل في هذا البلد أو ذاك ، لكن النشر المجرد وبالصيغة المقترحة من الكاتب ، قد يكون اكثر فائدة ويوفر فرصة أوسع للتحليل والتعليق .
“ في إنجاز دولي جديد قالت الحكومة إن مرتبة البلاد قفزت على مؤشر الشفافية العالمية وأكدت أن تحسن ترتيب البلاد في مؤشر شفافية الموازنة الدولية جاء نتيجة  جهود سنوات من العمل الشاق لتطوير أطر الشفافية والإفصاح والمشاركة المجتمعية في صياغة الموازنة ومتابعتها من أجل أن يقفز ترتيبنا في مؤشر الشفافية و يقترب من المتوسط العالمي البالغ 43 نقطة .
لقد جاءت بلادنا – أي بلد عربي – في المرتبة كذا من بين 115 دولة شملها التقرير الذي تصدره شراكة الموازنة الدولية I.B.P) (كل سنيتن ارتفاعا من المرتبة كذا في تقرير العام السابق وبذلك تكون البلاد قد تفوقت في منطقتها أولا ثم بدأت تقترب من المستويات العالمية في الشفافية ثانيا.
وتقوم شراكة الموازنة الدولية، بالتعاون مع المجتمع المدني، وبخاصة الجمعيات المعنية بالمالية العامة وتخصيص الموارد المالية للدولة ، بقياس مستوى شفافية الموازنة في مختلف دول العالم من خلال مسح الموازنة المفتوحة الذي تعتمد فيه على تحليل بيانات الموازنة والتقارير المنشورة المتعلقة بها ، كما تقيس المؤسسة درجة توافر فرص المشاركة المجتمعية في عملية إعداد الموازنة، وقوة جهازي الإشراف الرسميين وهما السلطة التشريعية (البرلمان او مجلس الشورى او مجلس النواب او الدولة او الشيوخ) والأجهزة الرقابية بشكل عام (وعلى رأسها الجهاز الحكومي او القومي للمحاسبات) في الإشراف على العملية بأكملها .
كانت البلاد قد تأخر ترتيبها من قبل نظراً للأوضاع السياسية غير المستقرة أثناء المرحلة الانتقالية للدولة او بسبب ما يحيط بها وبالإقليم كله من نزاعات وتحديات ومصاعب وأزمات ، او نتيجة تغيرات داخلية او شواغل قومية ، بالإضافة إلى تأخر نشر بعض التقارير المهمة الخاصة بالموازنة والتي تشترط المبادرة الدولية نشرها وهي 8 وثائق معروفة تغطي ما قبل إصدار الموازنة وأثنائها وبعدها . لكن بدأت البلاد تعود حثيثا الى المسار التصاعدي في الشفافية والإفصاح والمساءلة والمشاركة المجتمعية ، كما فتحت وتفتح آفاقا جديدة للراغبين في متابعة مشروع الموازنة والإسهام في بلورته ومناقشته وطرح بدائل ومقترحات ثم تعزيز فرص تمريره في البرلمان وتاليا الرقابة على التنفيذ وصولا الى تحقيق ختامي موازنة منضبط ومتوافق ولو الى أبعد حد مع الأهداف المالية المخططة مسبقا .
ومن جانبه قال الوزير او نائبه او مساعده ان الوزارة /‏‏ الحكومة حريصة على استمرار مبادرة موازنة المواطن وتسعى بها الى الجمهور ولا تنتظر مجيئه فقط ، وذلك من اجل إرساء حوار مجتمعي مستمر مع مختلف أطياف المجتمع وفئاته لتعريفهم بالسياسات المالية وخطط الإصلاح التي تنفذها الوزارة خلال المرحلة المقبلة ، وعلى المدى الطويل، تفعيلاً لمبدأ إشراك المواطن البسيط او محدود الدخل بالذات ، في عملية صنع القرار أن مشاركة المواطن في بناء الموازنة العامة وضمان ان تحقق العدالة بين الأجيال وبين المؤسسات والمناطق الجغرافية وان تدعم تمكين المرأة والشباب وتدفع باتجاه تحقيق أهداف الألفية وتكفل افضل واكفأ توزيع للموارد …. تلك المشاركة هي حق أصيل للمواطن لتلبية احتياجاته وتوفير مستقبل أفضل لهم ولزيادة النمو الاقتصادي والتشغيل وتحقيق براح مالي يتيح إنفاق المزيد على الخدمات الأساسية للمواطنين وأبنائهم من بعدهم .
وقال مسؤول مبادرة الشفافية بالحكومة او وزارة المالية او التخطيط والمالية ، إن تحقيق الشفافية ليس هدفاً في حد ذاته، ولكن المهم هو الـتأثير النهائي لهذه المبادرة علي حياة المواطن اليومية وتحسين مستوى الخدمات الحكومية المقدمة له من خلال رفع كفاءة الإنفاق العام ومحاولة أخذ رأيه في الاعتبار عند اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالسياسات العامة وفى القلب منها السياسة المالية .
لقد نجحت البلاد في تطوير مستوى الشفافية من خلال عدد من الجهود المبذولة أهمها نشر تقارير دورية ولأول مرة مثل البيان المالي التمهيدي وموازنة المواطن، بالإضافة إلى تقرير الأداء الاقتصادي والمالي النصف سنوي بعد توقفه لفترة .
وقد نظمت الحكومة /‏‏ المالية مؤتمرات لموازنة المواطن والبيان المالي التمهيدي بالتعاون مع وزارات أخرى وعلى رأسها التخطيط والتجارة والصناعة والبنك المركزي.
كما تم إطلاق موقع إلكتروني تفاعلي خاص بموازنة المواطن وصفحات على تويتر وفيس بوك ولينكد ان لإتاحة الفرصة للمواطنين للتواصل وإبداء الرأي والاطلاع على البيانات والتقارير .
هذا بالإضافة إلى نشر رسوم بيانية مبسطة وصور ووثائق وفيديوهات على صفحة الوزارة على مواقع التواصل المجتمعي.
كما يتم إصدار استطلاع رأي ومسوح ومقابلات ميدانية لمعرفة ردود فعل المواطنين على موازنة المواطن من خلال الفعاليات التي تنظمها الوزارة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني المعنية بالشفافية ، كما يتم مناقشة طلاب الجامعات وتجمعات العمال والموظفين والفلاحين والمهنيين حول ذلك الأمر . اننا ننطلق – أي الحكومة او وزارة المالية – من ان تقرير شفافية الموازنة تتم قراءته على نطاق واسع من قبل مؤسسات دولية وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدوليين، بالإضافة إلى وكالات التصنيف الائتماني وكيانات/‏‏ صناديق الاستثمار الكبيرة والصناديق الإقليمية المختلفة بل والقوى السياسة في
الداخل واتحادات الغرف التجارية والاستثمارية ، كمؤشر فرعى دال على حال الاستثمار الآمن، وعلى مدى حرص وزارة المالية على إتاحة معلومات وافية وكافية وشافية عن كل من السياسات المالية والضريبية والجمركية بشكل شفاف ومستقر و دوري مسبقاً مما يحفز معدلات الاستثمار ويزيد من معدلات النمو ويخلق فرص عمل اكثر ويهيئ لرخاء اجتماعي ولتقديم خدمات أرقى وإقامة بنية تحتية حديثة ومتطورة وهكذا “ .
انتهى البيان الافتراضي والآن يبدأ التحليل والتعليق .
لا ينكر احد حرص المسؤولين في الحكومات ووزارات المالية المختلفة في عالمنا العربي على ترفيع مكانة بلادهم او كل بلد على حدة في التقارير والمؤشرات الدولية حتى لو كانت هناك قناعة بأن منهجية بعضها ليست عادلة بشكل كاف او تحتاج الى مراجعة وتعديل معاييرها او جعلها أوقع وهكذا .
لا يجب ايضا ان ننكر ان المباراة الدولية التي يجب ان تلعبها أجهزتنا الحكومية في هذا الملعب – ملعب المؤشرات الدولية – جديدة على أجهزتنا الحكومية فلم يكن هنالك عناية تذكر بمثل تلك المؤشرات قبل عقدين من الزمان لكن الاهتمام زاد بصفة خاصة بعد ان تم فتح الاقتصادات و الأسواق العربية للاستثمار وانتقال رؤوس الأموال والسلع والخدامات والانخراط في المنافسة بقواعدها في الداخل والخارج
وعليه فإن أمام مؤسساتنا وقت لتصل الى الطموحات المطلوبة ويجب ايضا ان نعطيها الوقت والفرصة والموارد والمساندة .
وفيما يتعلق بشفافية الموازنة فإنه والحق يقال ان عناية المواطن العربي بأهم وثيقة من وثائق الدولة الحديثة الا وهي الموازنة العامة لا تزال اقل من المطلوب بكثير ولا أريد ان أعيد التذكير هنا بما هو كائن في بريطانيا او غيرها من الدول وعلى ذلك فإن اهتمام المواطن بجانب شفافية الموازنة هو الآخر ضعيف ويحتاج الى تنمية وعي والى عمل شاق بالفعل للوصول الى تفاعل وطني جيد .
واذا كنا نؤمن كما قال البيان الافتراضي او كما يقال عادة في دوائر وزارات المالية ان شفافية الموازنة ليست هدفا في حد ذاتها فيجب ان تكون التوعية مستديمة لا موسمية وان نؤسس كيانات مستقلة للتحقق من مدى تحقيق الأهداف التي من اجلها نسعى الى إشراك المواطنين في وضع الموازنة والرقابة عليها ومن استفادتهم من موازنة المواطن وما يشببها من وثائق وهل تم بالفعل تمكينهم بما يجعلهم يستطيعون تتبع الإنفاق والموارد في قراهم ومدنهم وأحيائهم ام لا وما نواحي القصور الواقعية لكي نغطيها واقصد بصفة خاصة القصور الذي قد يكون موجودا بقوة رغم تحسن مؤشرات البلد في شفافية الموازنة .
وادعو بشكل خاص الى التعلم من تجربة جنوب إفريقيا في هذا المجال ومن تجارب في امريكا اللاتينية وفى بعض الدول العربية ذاتها ، فهي الأقرب الينا . والله المستعان.