سياسة ترامب الخارجية لا تزال لغزا !!

ماكس بوت- واشنطن بوست –
ترجمة: قاسم مكي –

الأمن القومي والسياسة الخارجية كانا أساسا موضوعين ثانويين في «خطاب حالة الاتحاد» الذي ألقاه ترامب مؤخرا. وما قاله الرئيس الأمريكي أقل أهمية مما لم يقله. توحي استراتيجية الدفاع القومي التي أطلقها وزير الدفاع جيم ماتيس مؤخرا إلى أن «التنافس بين الدول وليس الإرهاب هو الآن الهم الأساسي للأمن القومي الأمريكي». وتشير إلى الصين وروسيا كمهددين رئيسيين ثم تدرج بعدهما كوريا الشمالية وإيران. وبعد ذلك فقط تذكر الإرهاب. لقد عَكَسَ خطاب حالة الاتحاد سُلَّمَ الأولويات، كما نوَّه بذلك توم رايت الباحث بمعهد بروكنجز . فترامب ذكر «الاتفاقيات التجارية والمهاجرين والإرهاب وكوريا الشمالية» كمهدداتٍ أساسية. أما القوى الكبرى المنافسة فلم تَكَد تُذكَر. وعن روسيا والصين وَرَدَ عنه فقط قوله: «نحن نواجه حول العالم أنظمةً مارقة وجماعات إرهابية.. ومنافسين مثل الصين وروسيا يشكلون تحديا لمصالحنا ولاقتصادنا ولقيمنا. وفي مواجهة هذه الأخطار نحن نعلم أن الضعف هو المسار المضمون الذي يقود إلى الصراع وأن القوة التي لا تضاهى هي أضمن وسيلة لدفاعنا». ثم انتقل ترامب بعد ذلك إلى الدعوة للمزيد من الإنفاق الدفاعي والمزيد من الأسلحة النووية.
ولم يبدُ مدركا، كما في دعوته إلى المزيد من الإنفاق على البنيات الأساسية، أن خططه الطموحة يقوضها مشروع قانون الضرائب «الجمهوري» الذي سيضيف ما يقدر بحوالي تريليون دولار إلى مديونية الولايات المتحدة . لقد عبر ترامب عن ابتهاجه بالنجاح العسكري ضد داعش، وهذا شيء مفهوم، بقوله: «أنا فخور بذِكر أن التحالف من أجل هزيمة داعش حرر 100% تقريبا من الأراضي التي كانت في يد هؤلاء القتلة في العراق وسوريا». لقد فعل ترامب ذلك دون أن يشير بالطبع إلى أن استراتيجيته لمحاربة داعش هي إلى حد كبير نفس الاستراتيجية التي وضعها وطبقها الرئيس باراك اوباما. لقد كان من السهل أن يتوافق الحزبان على مدح سلفه. ولكن ترامب ببساطة لم يكن قادرا على دفع نفسه إلى القيام بذلك. أيضا لم يتطرق إلى شيء قاله وزير الخارجية ريكس تيلرسون مؤخرا، وهو أن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا لبسط الاستقرار في المناطق التي تم تحريرها من داعش. وهذا يبدو مناقضا لكراهية ترامب لفكرة بناء البلدان والانتشار العسكري المتزايد في الخارج. ولكن يظل قبوله أو رفضه لهذه الخطة موضوعا للتخمين .
كما لم يعلق ترامب أيضا على المواجهة المتنامية بين تركيا، وهي حليف للناتو، وبين حلفاء أمريكا الأكراد في سوريا. ولم يلمِّح إلى الكيفية التي يأمل أن يحل بها هذا النزاع العَصِي. كما لم يكن لدى ترامب الكثير الذي يمكن أن يقوله حول الاتفاق النووي الإيراني وهل سينسحب منه أم لا. وكان كل ما قاله هو «أطلب من الكونجرس معالجة الاختلالات الأساسية في الاتفاق النووي الإيراني الفظيع»- على حد وصفه – وذلك دون تحديد التغييرات التي يرغب فيها أو الكيفية التي يأمل أن يدفع بها الأطراف الأخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، إلى التعاون معه في هذا الخصوص. وماذا بشأن كوريا الشمالية؟ ذكر ترامب أن «سعيها الطائش للحصول على الصواريخ النووية يمكن قريبا جدا أن يهدد بلدنا»، وذلك دون أن يقول ما الذي سيفعله إزاء ذلك. وليس مؤشرا جيدا تخلي الإدارة الأمريكية عن تعيين «فيكتور تشا»، أحد خبراء كوريا الأكثر احتراما في واشنطن، سفيرا لها في كوريا الجنوبية، لأنه يعارض شن ضربة وقائية محدودة على الشمال، حسبما ذكر. ولكن لم يبد ترامب أي تلميح في خطاب «حالة الاتحاد»، عما إذا كان يفكر جادا في مهاجمة كوريا الشمالية (وهي فكرة سيئة جدا لأسباب ذكرها «تشا» في صحيفة الواشنطن بوست). والاعتقاد هو إذا كانت الإدارة الأمريكية تفكر جادَّة في الذهاب إلى الحرب (وكل الدلائل تشير إلى أنها كذلك) فيلزم أن يكون الرئيس حينها راغبا في شرح ضرورة العمل العسكري. بدلا عن ذلك انتقد ترامب في قسوة كوريا الشمالية لِسِجِلِّهَا السيئ جدا في مجال حقوق الإنسان.
وعَرَضَ ترامب والِدَيَّ الطالب الأمريكي «أوتو وارمبير» الذي مات بعد احتجازه في كوريا الشمالية و«جي سيونغ هُو» ، اللاجئ الكوري الشمالي الذي فقد ساقيه في أثناء بحثه عن طعام. خاطب ترامب «جي» بقوله: «تضحيتك العظيمة إلهامٌ لنا». ولوح جي بعكازيه في تحدٍّ. لقد كانت تلك لحظة مؤثرة لكن من الصعب معرفة ما تخبرنا به عن سياسة ترامب. هل يعتبر الرئيس سجل حقوق الإنسان المرعب لكوريا الشمالية سببا للمزيد من العقوبات أم ينظر إليه كمبرر لضربة عسكرية؟ لم يقل لنا شيئا في هذا الصدد. لكن ما يفسد لترامب غضبه من انتهاكات حقوق الإنسان في بلدان بعينها حقيقةُ أنه لم يكن لديه شيء يقوله بشأن ذات الانتهاكات في بلدان يبدي إعجابا واضحا بحكامها. لقد أثار ترامب عاصفةً من التغريدات بعد فض المظاهرات في إيران. لكنه كان صامتا حين اعتقل أعوانُ فلاديمير بوتين زعيمَ المعارضة الروسية أليكسي نافالني. لذلك تجعل مواقف ترامب الانتقائية حول حقوق الإنسان من الصعب لأي أحد أن يأخذه مأخذ الجد.
وعموما من الشاق أن نعلم إلى أين يتجه ترامب في سياسته الخارجية بسبب الصراع المستمر بين رغائبه الانعزالية والحمائية وبين نظرة كبار مستشاريه الأكثر اتساعا للعالم. ولم يقدم خطاب «حالة الاتحاد» أي عون في توضيح المسار الذي ستتخذه الإدارة الأمريكية.
• الكاتب زميل أول كرسي جين كيركباتريك لدراسات الأمن القومي بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ومؤلف كتاب «الطريق الذي لم يُطَرَق: إدوارد لانسديل والمأساة الأمريكية في فيتنام».