عطر : مراهقون في الخمسين

رندة صادق –
Randanw@hotmail.com –

الخمسون رقم يجب أن نقف عنده لنتأمل الحياة بمسارتها ومستقبلها، مع العلم أن كل مرحلة عمرية تستحق أن نقف عندها لنعيد ترتيب دواخلنا والبحث في أهم أولوياتنا لنقيّم حياتنا ونتعلم منها، وقد ندرك أين أصبنا وأين خاننا العقل في تقدير الأمور ونتائجها؟ أين تعلمنا وأين علّمنا؟ فطبعا رغم أننا نعيش في بيئة واحدة، إلا انه لا يمكن أبدا ان نكون الإنسان نفسه في كل مرحلة من العمر.

  في مرحلة ما قبل العشرين من العمر تأخذنا الحياة الى مسارح الحلم، فنحن فرسان والحياة صولات وجولات، نحن الفائزون فيها دائما، نحلق خارج الكون، خارج الجسد، وقد تضل الروح هدفها، نحن الأكثر جنونا والأكثر عشقا والأكثر قدرة على التهور، واتخاذ القرارات المصيرية، يسكننا نزق تشي غيفارا، ورومانسية روميو، وجنون هتلر، قد يظن البعض أنه عمر الحكمة بتجلياتها والحق بقوته، والعلم بحدود معرفته، نبدل أحلامنا كما نبدل ملابسنا، وتمر بنا الأيام فندخل حقبة العشرينات حيث تبدأ بها الحياة بفرز الأحلام، فمن بعد سقوط الكثير منها صريع الواقع، يغربل القدر تلك الأماني ويبدأ في رسم صورة ضبابية لمستقبل لا أحد يملك دقة تفاصيله، ومن حياة الأحلام الى ملل اليوميات، ومحاولة التفكير في تأسيس نمط موحد من الاستقرار، تهدأ المراهقة ولا تستكين فهي وأحاسيس الطفولة بداخلنا لا يمكن السيطرة عليهما بسهولة، بل يخرجان من تحت ركام الأيام ليداعبوا ذاكرتنا بابتسامة ترتسم على شفاهنا بكل براءة وثقة وشك العمر. وفي الثلاثين تترسخ “تركة” العشرينات، وتتعمق الثوابت مع الأيام، العمل الحب الزواج والأبناء، المال، الحياة، عبارة عن نضال يومي للمحافظة على اختياراتنا التي قد نكتشف أن فيها أخطاء لا يمكن العودة عنها، وكأن العالم قرر طمس الأحلام أو تأجيلها، فالعمر له وحدة قياس لا يمكن عكسها أو قلب عمليتها، فالأيام خسائر الزمن في أعمارنا، وكل ما علينا أن نفعله أن نعيش يوما بيوم وحلما بحلم .
قد تكبر الأنا فينا يوما لنصحو على حقيقة دخولنا في عمر الأربعين، هذا العمر الذي أطلق عليه الحكماء “عمر الحكمة”أو”عمر النضج” ولكنه في الحقيقة هو عمر غضب الهرمونات وثورتها، وجميع من مر بهذا العمر يدرك انه مدخل لعمر الكهولة، حيث يتصرف الإنسان بشكل ناضج ولكن مشكك بالخطأ والصواب، فهو لن يعود شابا ولا يقبل ان يصبح كهلا ( الكهل من جاوز سن الشباب ولم يدخل سن الشيخوخة )، عمر نرغب بأن نفعل فيه أشياء كثيرة ولكن الزمن يحاصرنا بلا رحمة ويختزلنا بلا هوادة .
هو الخمسون يا سادة، عمر صاعق، فكل المراحل السابقة يعيش الإنسان فيها على أمل أن يكون نصيبه من السنين نصف ما وصل إليه، إلا عمر هذا العمر، فالعد العكسي قادم بسرعة ومن النادر أن يعيش الإنسان مائة سنة، فإذا هنا الوقفة أطول وأكثر قلقا وأكثر عمقا وأكثر حيرة، ولكن مع هذا لا يهدأ، وقد يختار نوعا آخر من الجنون فيسقط في مراهقة متأخرة يتخطى جنونها كل المراحل السابقة، وكأنه يريد أن يعوض جوع السنين، هو لا يصدق خطوط التجاعيد في وجهه ولا ثقل جسده الخفيف الخدر، ولا يصغي الى نمو شعوره بالخوف وتراجع قدرته على التحدي والمغامرة، فرغم كل شيء لا ينجو الإنسان دائما من هلوسة العمر والخوف من ضياع السنين.
فيظن أنه سيسترجع الزمن بحب جديد أو حلم كبير أو بمغامرة من تساوت بنظره كل  الحسابات، فيقف ليقول لا شيء مهم وأن الأهمية الوحيدة هي للحظة، وهذا بالفعل خطأ فادح بحق الذات. العمر لا يقاس بالكم بل بنوعية الأداء، العمر ليس مغامرة، بل حياة لا تنفي قوانين القلب والعقل .