سوريا … على مذبح المطامع الإقليمية والدولية !!

د. عبد الحميد الموافي –

أن الأوضاع في سوريا ، لا تزال قابلة لتطورات ومضاعفات عديدة ، خاصة اذا تأكد حصول جبهة النصرة على صواريخ «مان باد» الحرارية المضادة للطائرات ، التي استخدمت احدها في إسقاط «السوخوي 25» الروسية ، فإنه من المؤكد ان وضع سوريا موضع الضحية على مذبح المطامع والصراعات الإقليمية والدولية ، هو مأساة شاركت فيها ، ليس فقط السلطات السورية وفصائل المعارضة بمشاربها وألوانها المختلفة ، ولكن شاركت فيها أيضا قوى إقليمية ودولية تتصارع على سوريا ، ومن منطلق المصالح الخاصة بكل منها ، قبل قرن من الزمن ، تم تقسيم المنطقة العربية ، في نهاية الحرب العالمية الأولى ، بين أكبر قوتين دوليتين في ذلك الوقت ، وهما بريطانيا وفرنسا ، وذلك من خلال اتفاقية سايكس بيكو ، وفي ذلك الوقت ، أو بمعنى أدق ، بعده بسنوات قليلة أعلنت كلا الدولتين ، ان وضع الدول العربية تحت الانتداب ، أو تحت الوصاية ، انما يهدف الى الأخذ بيدها وتهيئتها للحصول على الاستقلال وتقرير المصير ، وذلك بعد أن تنصلت بريطانيا من وعودها للعرب خلال الحرب . وفي ذلك الوقت ، وبرغم كل مساوئ الاستعمار الغربي ، الا ان الصراع على الغنيمة ، أو الضحية العربية ، كان صراعا ثنائيا ، بريطانيا فرنسيا . والآن ، وبعد قرن من الزمن ، وبعد نحو سبعين عاما من عمر حركة التحرر الوطني العربية ، منذ أواخر الحرب العالمية الثانية ، وبرغم نحو خمسين عاما من استقلال الدول العربية ، فان الدول العربية ، أو على الأقل بعضها ، تجد نفسها الآن ضحية ممدة على مذبح المطامع والمصالح ، ليس فقط الدولية ، ولكن الإقليمية أيضا ، بعد أن طرأ تغير كبير على ميزان القوى الإقليمي ، وبفعل فاعل بالتأكيد ، وهو ما أدى الى ما نعيشه الآن ، وما تمر به سوريا ، التي تعد مجرد نموذج ، مع قليل من الاختلاف في التفاصيل ، لما جرى ويجري في اليمن وليبيا ودول عربية أخرى للأسف الشديد .
وفي هذا المقام تقفز الى الذهن عبارات قالها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – قبل نحو أربعين عاما ، عندما حذر في ذلك الوقت المبكر ، من مخاطر الصراع الدولي في المنطقة ، ومن خطر إتاحة الفرصة لحدوث مثل هذا الصراع على الأرض العربية ، لأننا ببساطة سنكون الضحية . ومما قاله جلالته « إن الدول الكبرى اذا وجدت مصالحها في خطر ، فلن تستأذن أحدا منا بالتدخل ، لن يسألوننا اذا أرادوا ان يتصارعوا عندنا ، ونحن لا تريد أن نجر الى صراع الدول الكبرى لأننا سنكون الضحية . « والمشكلة الآن ان الدول الكبرى لم تعد وحدها التي لا تستأذن ، ولكن القوى الإقليمية أيضا ، التي باتت تقلد ، أو تمارس دور الدول الكبرى الإقليمية ، في تعاملها مع الدول العربية ، مستغلة التغير في ميزان القوى لصالحها ، وكاشفة أيضا عن مطامع كانت مستترة ، أو مدفونة في خلفية عقولها ، لأن الدول العربية كانت في العقود الماضية على الأقل ، قادرة على وقف التمدد على حسابها ، اما الآن ، فإن الضعيف يدفع الثمن والويل للضعيف !!. ومن مفارقات القدر أن يصل الأمر الى الحد الذي يصبح فيه غصن الزيتون ، الذي يرمز الى السلام ، عنوانا لعمليات عسكرية تستهدف مدينة عفرين السورية ، بل وهددت أنقرة بأنها قد تصل بعملياتها الى الحدود السورية العراقية ، أي بامتداد الشمال السوري . واذا كانت عملية « غصن الزيتون « التي بدأت في العشرين من شهر يناير الماضي ، هي في الواقع تطوير لعملية «درع الفرات» ، وقد بررت تركيا ذلك بحماية امنها القومي ضد مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري ، وجناحه العسكري المتمثل في قوات حماية الشعب الكردية السورية ، لمنعها من إقامة كيان كردي على الحدود السورية التركية ، أو التعاون مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني المعارض لأنقرة ، وكلاهما تصنفهما تركيا ككيانات إرهابية ، وإذا كان من حق تركيا قانونا ان تحمي امنها القومي ضد أية تهديدات ، ولا سيما إذا تم ذلك عادة داخل حدودها ، باعتباره حقا مشروعا لها ، فإنه من المعروف ان تخطى الحدود عبر عمليات عسكرية وشن عمليات داخل أراضي الدول المجاورة ، يفتح المجال عادة لمضاعفات عديدة ، خاصة وان الحروب الوقائية عبر الحدود ، تسمم العلاقات بين الدول المتجاورة ، وتؤدي الى فجوات ثقة وشكوك في العلاقات لا تنتهي بسهولة ، بكل ما يمكن ان يترتب على ذلك من سلبيات ومضاعفات لا تخدم علاقات حسن الجوار في الحاضر والمستقبل ، سواء تم ذلك بين تركيا وسوريا ، أو بين أي دولتين جارتين ، فعلاقات حسن الجوار لها أسسها ومبادئها ، وأهميتها بالتأكيد للدول المتجاورة ، بغض النظر عن تغيرات موازين القوى في فترة ، أو في ظروف أو أخرى .
وعلى أية حال فإنه يمكن الإشارة الى عدد من الجوانب ، لعل من أهمها ما يلي :
*أولا : انه مع الوضع في الاعتبار أن تصريحات التباهي بدور القوة الإقليمية الأكبر في التعامل مع الدول العربية ، حتى وان كان موجها للاستهلاك المحلي ، على هذا الصعيد ، أو ذاك ، إلا انه يظل ذو أهمية ، في دلالته السياسية على الأقل . وإذا كانت تركيا قد استطاعت ان تستثمر علاقاتها الإقليمية والدولية ، من أجل إيجاد قدر من التفهم الدولي الحذر لعملية عفرين داخل الأراضي السورية ، وآخر ذلك ما اعرب عنه الرئيس الفرنسي ماكرون من تفهم مشروط للعملية التركية للحفاظ على الأمن السوري ، مع الحفاظ على وحدة سوريا ، كما تعهد بذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، في اتصاله معه ، حسبما أشارت الأنباء الخاصة بذلك ، فإنه من المرجح ، الى حد كبير أن أنقرة حصلت على الصمت ، أو عدم الممانعة الروسية ، وانسحاب بعض القوات الروسية من محيط عفرين ، مقابل التعاون مع موسكو لإنجاح مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي الأسبوع الماضي ، كما حصلت على السكوت أو الانتظار السوري، مقابل تغيير موقفها من الرئيس السوري بشار الأسد ودوره في المرحلة الانتقالية لتسوية الأزمة في سوريا، ويكفي العودة الى التصريحات التركية ، قبل وبعد بدء عملية عفرين ، حيث تبدل الموقف من عدم القبول بأي دور للرئيس السوري في التسوية ، الى الحديث عن ان الرئيس بشار الأسد سيغادر في مرحلة ما . واذا كان الأوروبيون والولايات المتحدة قد اعربوا عن تفهم لمخاوف تركيا الأمنية ، ولحقها في حماية امنها القومي ، وفق قواعد القانون الدولي المعروفة ، فإن واشنطن لم تصل بعد الى نقطة توافق مع انقرة بالنسبة لمدينة منبج السورية ، وبالنسبة لعمق العملية التركية ، بالرغم من أن أنقرة لوحت بأنها تريد إنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي السورية وبعمق نحو ثلاثين كيلو مترا ، ليكون ملاذا آمنا للاجئين السوريين ، ولإبعاد الاكراد خلف هذه المنطقة ، وهو ما كان الرئيس الأمريكي ترامب قد اشار اليه في خلال العام الماضي . ومع الوضع في الاعتبار ان واشنطن أعلنت انها لن تسحب القوات التابعة لها من منبج ، وهو ما طالبت به أنقرة ، الا انه ليس من المرجح ان تحدث مواجهات من أي نوع بين تركيا والولايات المتحدة لاعتبارات كثيرة ومفهومة أيضا بحكم اتساع وأهمية العلاقات بينهما امس واليوم وغدا أيضا . اما اسقاط المعارضة السورية – حركة تحرير الشام التي كانت تسمى جبهة النصرة – للطائرة الروسية من طراز « سوخوي 25 » في الأيام الأخيرة ، فإنه مؤشر خطر بالنسبة لروسيا ولسوريا أيضا ، وستترتب عليه ، على الأرجح ، مضاعفات اكبر في الفترة القادمة ، بدأت بوادرها بالفعل ، لأن حدوث هذا التطور يعني أن المعارضة السورية حصلت على أسلحة مضادة للطائرات اكثر تطورا ، وستعلم موسكو مصدر تلك الأسلحة بالتأكيد وسترد عليه ، وربما بشكل انتقامي رادع حتى لا يتكرر مرة أخرى ، لأن تكراره يعني الدخول بالمواجهات العسكرية ، والحرب في سوريا الى مرحلة خطرة ، تزعزع ما عملت روسيا على انجازه خلال السنوات الثلاث الاخيرة من تدخلها العسكري في سوريا .
*ثانيا : انه من المؤكد أن روسيا كانت تريد أن ينجح مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي ، والذي حشدت له اكثر من 1500 من ممثلي الكيانات والجماعات السياسية والطائفية وفصائل المعارضة ومنظمات المجتمع المدني السورية ، كما انها كانت ولا تزال تحرص أيضا ، على استمرار التنسيق بينها وبين إيران وتركيا كأطراف ضامنة للتهدئة في سوريا ، ومتعاونة من اجل الحل السياسي للأزمة السورية أيضا . وبينما اعطتها أنقرة نصف ما تريد ، خاصة في ظل ما حدث في مطار سوتشي ، وعودة وفد إحدى فصائل المعارضة السورية الى أنقرة ، وعدم مشاركتها ، احتجاجا على شعار المؤتمر ، في حين شارك وفد فصيل آخر ، مقرب من أنقرة ، في المؤتمر ، فإن اهم ما تمخض عنه مؤتمر سوتشي ، الذي عارضته واشنطن وباريس ولندن ، انه اكد في بيانه الختامي على وحدة الأراضي السورية ، وعلى حق الشعب السوري وحده في تقرير مستقبله السياسي، أو بمعنى آخر ، ما يتصل بدور الرئيس السوري ، كما تمخض المؤتمر عن تشكيل لجنة من كل الأطياف السورية لإصلاح الدستور السوري ، كخطوة على طريق الحل السياسي ، والأهم من ذلك ربط اللجنة والإشراف عليها بالأمم المتحدة وبعملية جنيف ، ومن ثم بما يسعى اليه ستيفان دي مستورا ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في سوريا ، وهو ما رحب به دي مستورا ، وفصائل معارضة سورية أخرى كانت تطالب بذلك كضمان لجدية السير على طريق التسوية ، ولإشراك الأمم المتحدة والغرب فيها ، حتى لا تكون تحت عباءة روسيا ، وبدورها فان روسيا وافقت على ذلك لربط عملية الاستانا وسوتشي بعملية جنيف ، او بمعني آخر لفرض وجودها في التسوية وبحجم ترضى عنه ، وهو ما تحقق لها حتى الآن على الأقل . غير أن الأمر في الواقع لا يتوقف فقط على ما تقرره مثل هذه المؤتمرات ، أو جولات المفاوضات في جنيف واستانا وسوتشي ، ولكنه يتوقف على مدى التوافق الممكن بين موسكو وواشنطن في المقام الأول ، ومدى ما يمكن ان ترضى به الأطراف الإقليمية الأخرى وخاصة تركيا وإيران ، وحتى إسرائيل ، وهى ليست بعيدة عما يجري في الأراضي السورية ، وعلى مقربة من هضبة الجولان المحتلة ، وغاراتها – إسرائيل – المتفرقة ضد أهداف في داخل سوريا في الأشهر الأخيرة مجرد مثال عملي على ذلك .
*ثالثا : انه مع الوضع في الاعتبار ان الاوضاع في سوريا ، لا تزال قابلة لتطورات ومضاعفات عديدة ، خاصة اذا تأكد حصول جبهة النصرة على صواريخ «مان باد» الحرارية المضادة للطائرات ، التي استخدمت احدها في اسقاط «السوخوي 25» الروسية ، فإنه من المؤكد ان وضع سوريا موضع الضحية على مذبح المطامع والصراعات الإقليمية والدولية ، هو مأساة شاركت فيها ، ليس فقط السلطات السورية وفصائل المعارضة بمشاربها وألوانها المختلفة ، ولكن شاركت فيها أيضا قوى إقليمية ودولية تتصارع على سوريا ، ومن منطلق المصالح الخاصة بكل منها ، بغض النظر عن اية تبريرات ، أو شعارات ، أو إعلانات ، او محاولات للتغطية . وهذا الوضع هو نتيجة منطقية ، ومباشرة لحالة الاستنزاف و التدهور في القوة الذاتية السورية والعربية أيضا بوجه عام على مدى السنوات الماضية ، بغض النظر عن نسب مسؤولية الأطراف المختلفة . وبرغم مأساوية ما يجري وخطورته على الحاضر العربي ، إلا أن الأمة العربية لابد وان تستفيق ، وان تنهض مرة أخرى ضد كل محاولات التمدد على حسابها ولاستعادة التوازن بين القوى الإقليمية في المنطقة وهو أمر ضروري لاستعادة الاستقرار لدول وشعوب المنطقة ، ولكن ذلك سيحتاج الى وقت وجهد وإخلاص حقيقي ، فهل نملكهم ؟ !